عجز الأمم المتحدة وصبر أهل غزة

تشتد أثناء الساعات وتيرة حرب الإبادة الجماعية التي تشنها قوات الاحتلال على أهلنا في غزة بمساعدة القوات الأمريكية التي تدخل هذه الحرب بقوات عسكرية، وكذلك العديد من الدول الأوروبية التي سيرت قوات مسلحة إلى الأرض المحتلة، في هجمة صهيونية أوروبية على أهلنا في غزة وحصار عليهم.
يزداد عدد الشهداء من أبناء فلسطين في كل ساعة مع تلك الهجمات الشديدة عليهم، لا تتوقف آلة الحرب عن حصد الشهداء والمصابين الذين يقترب عددهم من 12 ألفًا نصفهم على الأقل من الأطفال يشعر الكثير منا بالعجز أمام ما يحدث، فأغلب الناس مكبلة أيديهم بفعل السياسات التطبيعية والسلطات التي تعجز عن اتحاد قرارات تسهم في وقف آلة الحرب الصهيونية العالمية، حتى أن مجلس الأمن والأمم المتحدة عجزت أمام الهيمنة الأمريكية عليها في وقف تلك الجرائم الإنسانية التي يرتكبها جيش الاحتلال الصهيوني بعدما وقف “الفيتو” الأمريكي والبريطاني والفرنسي، أمام مشروع القرار الروسي، والحقيقة أن الموقف الروسي حتى الآن يبدو الأكثر احترامًا بين دول العالم.
رغم أن هناك حالة من التعاطف الشعبي شهدتها الكثير من عواصم العالم في أوروبا ودول العالم، ورغم الاحتشاد الجماهيري في دول عربية كثيرة أهمها في العراق، الأردن، قطر، اليمن، وبعض التحركات التي بدأت تظهر في مصر، إلا أن العالم يقف حتى الآن عاجزًا عن إرسال المساعدات المعيشية لسكان قطاع غزة، العالم لم يستطع أن يقف أمام حرب الإبادة التي يشنها الكيان الصهيوني المغتصب على قرابة مليوني ونصف المليون من سكان غزة، أبناء فلسطين.
يظنون أنها النهاية
تعتقد القوة الغاشمة في الكيان الصهيوني، والولايات المتحدة، وأوروبا بتلك القوات المحتشدة في فلسطين وفي شرق المتوسط أنهم سينهون القضية الفلسطينية ويتخلصون منها، وربما تكون هذه الأحداث بداية الحلم الصهيوني الغربي بقيام مملكة الجنة في القدس.
تلك الأحلام التي يخبرنا التاريخ أنها تكررت سابقًا في كل حروبهم الصليبية من قبل، بل في كل صراع لهم مع الأمة الإسلامية والعربية، ودائمًا ما تكون شدة عواصفهم وقتالهم في معارك ضخمة هي بداية النهاية لتجمعاتهم الحاشدة من أجل انتصارهم، وتكون النهاية غير ما يتوقعون.
مع استمرار المعارك الآن في غزة يزداد قلق الكثير من الذين يقفون في جانب الحق ومع الهجمات الصهيونية على أهل غزة والأراضي المحتلة في فلسطين يفقدون الأمل وتتحول ساعات الإحساس بالنصر التي تحقق في يوم السابع من أكتوبر/تشرين الجاري إلى حالة من الترقب والحيرة والعجز أمام حملة الإبادة لشعبنا في غزة.
درس التاريخ
لعل من الحكمة أن نسترجع دروس التاريخ لعلنا نجد فيه ما يساعدنا على المرور من تلك اللحظة العاجزة لدينا نحن الذين نعايش بقلوبنا ودعائنا مع أهل فلسطين، وأبناء غزة الشجعان من مقاومين، ورجال، سيدات، وأطفال غزة الذين فقدوا ذويهم وأهاليهم.
في الحروب الصليبية التي قاد فيها صلاح الدين الأيوبي معارك تحرير القدس، تحرك من مصر إلى فلسطين من أجل تحرير القدس من الاحتلال الصليبي، خاض معارك كثيرة كان ينتصر في بعضها والقوات الصليبية تنتصر في بعضها، وفي معركة الرملة هزمت قوات صلاح الدين الأيوبي هزيمة شديدة لدرجة أنه كان يقاتل الجيش الصليبي بعدد محدود من الجنود.
لم يتبق من جيش المسلمين إلا نفر قليل منهم، وأصيب صلاح الدين وحمله حصانه وعاد، في معجزة لا تحدث، لكن صلاح الدين الأيوبي رغم تلك الهزيمة القاسية لم يستسلم، عاد مرة أخرى وأعاد بناء الجيش وعاد ليفتح القدس ويحرر بيت المقدس رغم ظن الصليبين أن المعارك انتهت وتحقق لهم النصر حينما أنهوا جيش صلاح الدين في الرملة.
على أسوار القسطنطينية
كان السلطان العثماني الشاب محمد الفاتح لديه حلم لفتح القسطنطينية، وعندما تولى الحكم بعد وفاة والده السلطان محمود الثاني كان عمره 21 عامًا، ومن تلك اللحظة بدأ بإعداد الجيش للفتح، بنى الفاتح قلعة في خليج القرم ليمنع أي تجارة تصل إلى القسطنطينية، وبنى أسطولًا حربيًا ضخمًا، استعد بتطوير المدافع التي يستخدمها من أجل هدم أسوار القسطنطينية التي وقفت أمام محاولات الفتح السابقة كلها، وحاول محمد الفاتح أن يوحد الولايات العثمانية من أجل الفوز بفتح التفاحة الحمراء كما كانوا يطلقون على القسطنطينية.
خاض محمد الفاتح معارك كبيرة بعد أن تجمعت في القسطنطينية قوات الغرب المسيحي كلها بقيادة قسطنطين ملك القسطنطينية، وكان معه البابا بقواته من إيطاليا، الفرنسيين، الألمان، المجر، والإنجليز، هذه القوات الحاشدة كلها تجمعت لتقضي على محمد الفاتح وجيوش الدولة العثمانية.
كانت المعارك على أسوار القسطنطينية شديدة، لم يستطع الفاتح على مدار شهرين من حصارها أن يقترب منها، تحطم أسطوله بالكامل ووقفت قواته عاجزة عن إنقاذ الأسطول من الغرق، كلما اقترب جنوده من أسوار المدنية العنيدة ماتوا تحت أسوارها بفعل السهام الرامية، والسوائل الحارقة.
عجزت مدافعه عن الاقتحام، مات الآلاف من الجنود، ودب اليأس بين الجميع، بدأ تمزق الجبهة الداخلية وانقسم القادة حتى أن خليل الجنداري الصدر الأعظم لوالده السلطان محمود بدأ يعاتبه أنه كان يرفض الغزوة، والجنود في حالة سيئة فقدوا الأمل في الفتح، وأعتزل القائد الفاتح في قلب المعركة، حائرًا يائسًا.
امتدت يد شمس الدين أق معلّم السلطان محمد الفاتح إلى ساعد تلميذه ليبث في قلبه وصية الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- بفتح القسطنطينية والثناء على الجيش والأمير الذي يفتحها، ويزور معه قبر الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري بقرب أسوار المدنية في الغزوة الأولى لفتح القسطنطينية، ويعود محمد الفاتح ليقود جيوش المسلمين لفتح المدنية التي ظن جيوش الغرب أنها لن تفتح، وأن نهاية الدولة الإسلامية ستكون على أسوارها.
نعم نخسر أرواحًا غالية وعزيزة علينا جميعًا، نعم تخسر أمهات فضليات أبناءها وأزواجها، نعم نفقد أطفالًا هم المستقبل لفلسطين وللأمة، يفقد الرجال أشقاءهم، أطفالهم، بناتهم، نعاني آلامهم، ويعانون الآلام التي لا يحتملها بشر، ولكن هذا كله لا يعني أن نفقد إيماننا بالنصر والحق وعودة فلسطين.
حسنًا يفعل قادة حماس ورجال القسام بمواصلة الحرب على الكيان الصهيوني في كل الأرض المحتلة، واستمرار المقاومة والدفاع عن الحق الفلسطيني والشرف العربي، وإنما النصر صبر ساعة، وسيعود الحق الفلسطيني، فصبرًا آل غزة وأنكم لمنتصرون مهما طالت المعارك.
