غزة لن تختفي وكذلك المقاومة.. وفي التاريخ عبرة

الهدف المعلن الآن للعدوان الإسرائيلي المتواصل والمتصاعد ضد غزة والذي يمهد لاجتياح بري شامل هو القضاء على حماس وبنيتها العسكرية، ويدرك جيش الاحتلال أن تنفيذ هذه المهمة قد يحتاج إلى تسوية غزة بالأرض ليتسنى له النزول إلى أنفاق حماس وشبكاتها تحت الأرض.. هذه خطتهم وتلك أوهامهم، فهل هي قابلة للتنفيذ رغم كثافة نيرانهم وحداثة أسلحتهم وغزارة الدعم الغربي لهم؟
الإجابة هي النفي، والنفي هنا ليس محض عاطفة عابرة، أو انحياز فطري للأشقاء، ولكنه نفي يستند إلى أسس موضوعية وسوابق تاريخية.
غزة التي تحتضن مليونين ونصف المليون فلسطيني غالبيتهم لاجئون من مناطق فلسطينية أخرى عقب النكبة، هي تجسيد حي لفلسطين بكل تنوعاتها، وهي تجسيد للمقاومة الفلسطينية بكل فصائلها الممتدة عبر 75 عاما هي عمر الاحتلال، وهي التي أجبرت جيش الاحتلال قبل غيرها على تركها لأهلها في العام 2005 بقرار أحادي، بعد أن عبَّر رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1992 عن حلمه بأن يستيقظ ذات يوم ليجد غزة وقد ابتلعها البحر، لقد مات رابين وتحللت جثته، ولا تزال غزة حية عصية على الغرق.
غزة المقاومة
لم يكن حلم -أو لنقل كابوس- رابين من فراغ، فقد أعادت غزة الزخم إلى المقاومة الفلسطينية عقب الانتفاضة الأولى التي انطلقت من جباليا أواخر 1987، وانتقلت إلى باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة، واستمرت حتى مطلع التسعينيات، وكان نتيجتها تحريك القضية الفلسطينية جزئيا، وتحقيق حكم ذاتي “منقوص”، ثم فجّرت غزة الانتفاضة الفلسطينية الثانية في العام 2000، وكان ثمرتها الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من غزة في أغسطس/أب 2005 بما عُرف إسرائيليا في حينه بخطة فك الارتباط، وبعد أقل من عام شكلت غزة أول حكومة مستقلة برئاسة إسماعيل هنية بعد انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني التي فازت حماس بأكثريتها النيابية.
غزة هي التي طورت السلاح الفلسطيني من مجرد أحجار ومقلاع وسكاكين في الانتفاضة الأولى إلى قنابل بدائية كانت توصف بـ”البُمب” وصواريخ بدائية أيضا كانت توصف بـ”المواسير الحديدية” إلى صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وطائرات مسيَّرة، وقذائف ثقيلة، وهو ما ظهرت نتائجه في معركة طوفان الأقصى وقبلها سيف القدس.
حصانة ضد الاجتياح
غزة التي تعرضت للاجتياح من قبل أكثر من مرة، كان أكبرها في يناير/كانون الثاني 2009، استخدم خلاله جيش الاحتلال أحدث الأسلحة بما فيها أسلحة محرمة دوليا، كما تعرضت للاجتياح منتصف العام 2014، وكان الهدف في المرتين تحطيم البنية العسكرية للمقاومة وتحطيم الأنفاق، وفي كلتا المرتين ورغم ما تعرضت له غزة من دمار إلا أنها صمدت، وعادت في كل مرة لتطور سلاحها وبنيتها العسكرية بصورة أفضل من ذي قبل.
الخطة الإسرائيلية لاجتياح غزة مجددا ستلقى مصير سابقاتها، وستبقى غزة عصية على الانكسار، لقد تحصنت ضد ذلك في العديد من المواجهات السابقة مع قوات الاحتلال، ولم تعد فصائل المقاومة محض مجموعات منعزلة، بل تتمتع بحاضنة شعبية واسعة تشمل كل بيت فلسطيني، وحين تزعم إسرائيل أن هدفها هو القضاء على حماس فإنها تحتاج لتحقيق هذا الهدف إلى القضاء على كل العائلات الفلسطينية في غزة أولا، ثم في بقية المناطق الفلسطينية لاحقا، وهو أمر مستحيل عمليا، وقد فشل في المحاولات السابقة.
أما حماس فهي لا تعتمد على عدد محدود من القادة إذا اختفوا اختفت معهم، بل هي حركة ولّادة، ولعل نظرة إلى تاريخها يثبت أنها فقدت الكثير من قادتها السياسيين والعسكريين، ولم يؤثر ذلك في تطورها السياسي والعسكري، فقد فقدت مؤسسها الشيخ أحمد ياسين، وفقدت قادة سياسيين آخرين مثل إسماعيل أبو شنب وعبد العزيز الرنتيسي وسعيد صيام، وفقدت عددا أكبر من قادتها العسكريين مثل يحيي عياش وعماد عقل وجمال سليم وجمال منصور وصلاح شحادة وأحمد الجعبري والمدهون، واستطاعت أن تقدّم سريعا خلفاء لهم، وهو ما سيحدث حال استشهاد قادة آخرين سياسيين أو عسكريين، وبالتالي فإن أحلام الكيان في القضاء على الحركة هي مجرد أوهام يسوقها لشعبه الغاضب من الهزيمة وخسائرها.
جبهة التحرير وطالبان
لدينا في تاريخنا الحديث تجارب لحركات تحرر وطني واجهت العدو بإمكانيات بدائية، ودفعت أثمانا كبيرة، لكنها صمدت حتى حققت النصر في النهاية، نتذكر هنا جبهة التحرير في الجزائر ومواجهاتها للاحتلال الفرنسي الذي استمر 130 عاما، وقدّمت الجزائر أكثر من مليون شهيد في تلك المواجهات، في وقت كان تعداد البلاد عشرة ملايين، ولعل ما حدث مع طالبان لا يزال ماثلا، فهذه الحركة التي طُردت من الحكم عام 2001 عقب تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة، وظلت في مواجهة مفتوحة مع الجيش الأمريكي (الأقوى في العالم) ومعه جيوش حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأخرى لمدة عشرين عاما، تلقت خلالها حمما من القذائف القاتلة، وفقدت خلالها العشرات من قادتها، ولكنها أجبرت الغزاة في النهاية على الانسحاب بليل، في مشهد مرتبك سيظل محفورا في الذاكرة، وها هي تعود إلى حكم أفغانستان وسط حصار دولي لم يثنها عن مبادئها وسياساتها بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها.
لا يتمنى أحد الحرب، ولكن حين يجد شعب محاصر منذ أكثر من 16 عاما نفسه مضطرا إلى مواجهة العدوان، فإن هذا الشعب يدافع عن حقه في الحياة والكرامة، ولا يخشى الموت لأنه يعيشه واقعا يوميا، وشعب هذا حاله لا يخشى (في غالبه) اجتياحا بريا، ولا قنابل فوسفورية، فهو يدرك أن الموت بعز أفضل من الحياة في ذل.
