رسائل بايدن من تل أبيب وطبول الحرب.. ماذا بعد؟

الرئيس الأمريكي بايدن

عكست زيارة الرئيس الأمريكي بايدن لتل أبيب بعد عشرة أيام من طوفان الأقصى مدى قوة الهزة الزلزالية التي تعرضت لها إسرائيل، وتداعياتها على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين على أصعدة مختلفة، وخاصة على الصعيد الجيوسياسي، ودقت في نفس الوقت طبول الحرب، وصبت المزيد من الزيت على النار، في محاولة للقضاء على المقاومة وتصفية القضية الفلسطينية.

كلمات تلخص زيارة بايدن

مثلت زيارة بايدن لإسرائيل عقب طوفان الأقصى سابقة تاريخية؛ إذ لم يحدث أن قام رئيس أمريكي بزيارة دولة حليفة بعد أيام وجيزة للغاية من دخولها في حرب.

لقد ضربت إدارة بايدن كافة الأرقام القياسية في فجاجة الدعم الأمريكي الأعمى للاحتلال الإسرائيلي، وتبعها في ذلك باقي الحكومات الغربية، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ودول أوروبية أخرى.

كلمات بايدن لخصت طبيعة زيارته، وتسارع زيارات الحلفاء الغربيين لتل أبيب في سابقة تاريخية تحمل الكثير من الدلالات وتؤشر إلى طبيعة المآلات.

“لو لم توجد إسرائيل لأوجدناها”، جملة كررها بايدن مرارا وتكرارا، وتباهى بها مرة أخرى على الملأ من قلب تل أبيب، وأعلن أنه جاء ليقول لإسرائيل: “لست بمفردك، الولايات المتحدة الأمريكية معكم”.

ومع الأسف الشديد، لم يتوان الرئيس الأمريكي بايدن وإدارته عن ممارسة الكذب والتدليس وقلب الحقائق، عندما نفى مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي عن المجزرة البشعة التي استُشهد فيها ما يزيد على خمسمئة فلسطيني؛ جراء القصف المتعمد لمستشفى المعمداني بغزة.

التاريخ يسجل لواشنطن

يواصل الرئيس بايدن بلا أدنى حرج ترديد المعلومات المضللة متجاهلا آلاف الضحايا والجرحى نتيجة القصف الوحشي الإسرائيلي للمدنيين، بل يحمل المسؤولية للمقاومة الفلسطينية عن قصف المستشفى المعمداني، في مشهد سيسجله التاريخ لواشنطن والبيت الأبيض كأعظم تدليس وكذب وقلب للحقائق، وتبرير للقتل واستباحة الدماء!

وإزاء الموقف الواضح مما يحدث من جرائم ضد الفلسطينيين في غزة والأراضي المحتلة، يتهم الكثيرون الولايات المتحدة والغرب بازدواجية المعايير، وهذا وصف غير صحيح؛ فهؤلاء لا يعرفون إلا معيارا واحدا هو معيار المصلحة، وعندما يتعلق الأمر بإسرائيل “ذراعهم في المنطقة” فلا معايير ولا خطوط حمراء، وكل محظور مستباح.

جاء الرئيس الأمريكي بايدن مسرعا لنجدة إسرائيل والمشروع الغربي الاستعماري في المنطقة، وللإمساك بزمام الهيمنة الذي يسارع إلى الانفلات، مدفوعا قبل كل شيء بعقيدة، وبحسابات سياسية داخلية واعتبارات استراتيجية.

جاءت زيارة بايدن استباقا للأحداث، ولمحاولة التأثير في حسابات الفاعلين في محور المقاومة، وللتأكيد بالأفعال وليس بالأقوال وحدها، بأن المشاركة في الصراع ستواجه برد قوي من الولايات المتحدة الأمريكية.

المواجهة مع إسرائيل وأمريكا والحلفاء الغربيين

زيارة بايدن غير المسبوقة في توقيتها وظرفها، وتسارع حج القادة الأوروبيين إلى تل أبيب والمنطقة، تعني في جوهرها أن الشعب الفلسطيني في غزة يخوض مواجهة وجودية ضد إسرائيل وأمريكا والحلفاء الغربيين.

إن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تدير المعركة الآن ضد غزة، من داخل تل أبيب، بعد التداعي الذي أصاب أركان الجيش الإسرائيلي من مفاجأة طوفان الأقصى.

تدرك الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون أن تراجع قدرة إسرائيل على الردع يُضعف مباشرة الهيمنة الغربية في المنطقة؛ ولذلك تمهد الأرض لتمكين إسرائيل من استعادة قدرتها الردعية التي أُطيح بها بعد طوفان الأقصى، وما تسبب بالتبعية في ضربة قاسية لقوة الردع الغربية في العالم العربي وغرب آسيا.

وعندما سارعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحشيد قواتها وتوجيهها إلى شرق المتوسط لم يكن ذلك بهدف المواجهة مع غزة؛ ولكن للبقاء على أهبة الاستعداد لما قد يطرأ من مستجدات مع توسيع إسرائيل دائرة عدوانها، وتخوفا من فتح جبهة ثانية من قبل حزب الله وباقي محور المقاومة، وهذا ما حذر منه بايدن صراحة.

تريد أمريكا وحلفاؤها أن تحقق إسرائيل هدفا طال انتظاره، وهو: القضاء على المقاومة في غزة، وتصفية القضية الفلسطينية.

ما أشبه الليلة بالبارحة

يستدعي ما يحدث الآن ضد غزة من ذاكرة التاريخ ما حدث في 14 مارس/آذار 1996، إبان فترة الرئيس الأمريكي السابق “كلينتون” وعقد ما سُمي بمؤتمر “صانعي السلام” أو مؤتمر “مكافحة الإرهاب” في شرم الشيخ، الذي حضرته ثلاثون دولة من بينها أمريكا وحلفاؤها الغربيون وأطراف عربية.

وبعد أقل من شهر من مؤتمر “صانعي السلام”، أُطلق العنانُ لإسرائيل لشن عملية عسكرية واسعة على لبنان باسم “عناقيد الغضب” في 11 إبريل/نيسان 1996، واستمرت حتى 27 من ذات الشهر؛ للقضاء على حزب الله، وارتكب الاحتلال الإسرائيلي خلالها مجزرتي المنصوري وقانا. وقد كان هذا العدوان بأبعاده وتداعياته ونتائجه محطة مفصلية في المواجهة، انتهت بانتصار حزب الله وخسائر فادحة لإسرائيل.

ماذا بعد؟

رغم ضعف الردود العربية على ما يحدث في غزة، والمراوحة في دائرة الشجب والتنديد والدعوة إلى التهدئة، فإن مخرجات زيارة بايدن لإسرائيل بعد طوفان الأقصى فشلت مبدئيا في تحقيق أهدافها، وفرض خطة تهجير سكان غزة إلى سيناء؛ ومرجع ذلك للثبات الأسطوري للشعب الفلسطيني، وفشل عقد القمة الرباعية، ورفض القيادة المصرية فكرة التهجير إلى سيناء واعتبارها تهديدا للأمن القومي المصري.

لكن على جانب آخر، فإن الأرض تمهد لمعركة قد تطول وتتجاوز قطاع غزة. ووفقًا للمعطيات على الأرض وما حققته المقاومة من تقدم، والهزة الزلزالية التي أصابت إسرائيل، فإن محاولة القضاء على القضية الفلسطينية مصيرها الحتمي الفشل، كما أن القضاء على المقاومة في غزة لن يتحقق، رغم هذا الحشد الغربي غير المسبوق؛ فالمعادلات أصبحت مختلفة، ولو أتت أميركا وأوروبا بكامل أساطيلها إلى المنطقة. التكاليف قد تكون باهظة لكن ما يرجوه الاحتلال الإسرائيلي وحلفاؤه لن يتحقق.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان