الصهاينة الوظيفيون.. سقوط الأقنعة بعد “طوفان الأقصى”

د. عبد الوهاب المسيري

 

قبل نحو ثلاثة عقود، ابتكر الراحل الكبير، الدكتور عبدالوهاب المسيري، مصطلح “الصهيوني الوظيفي”، وعرّفه بأنه عربي مسلم، قد يصلي العشاء معك في المسجد، لكنه يؤدي الوظائف التي يضطلع بها الجندي بجيش الاحتلال، أو القائد السياسي أو التاجر الموالي للكيان.

وكأنه كان عرّافًا يرنو إلى المستقبل، عبر كرة بلورية، مضى المسيري يشرح فكرته “إن ما لم تستطع إسرائيل كسبه بالحرب والعدوان، ستنتزعه بالتغلغل بين ظهرانينا بقوة الاقتصاد، أو العلاقات السياسية، التي تحكمها مصالح عالمية وإقليمية، لا يُشكل العرب في معادلاتها عنصرًا معتبرًا ذا أهمية”.

هكذا استبصر المسيري وأبصر المستقبل، فالرجل الذي كانت شخصيته تجمع ما بين الباحث الرصين والمبدع الخلَّاق، رأى أبعد مما كان الناس يرون، ما يحيلنا إلى مقولة شاعرنا الراحل صلاح عبد الصبور، في كتيبه الرشيق (حياتي في الشعر) “إن المبدعين يحسون كالفئران بغرق السفينة مبكرًا، وفيما تهرع الفئران إلى القفز منها، يلوذ المبدعون بأجراس الخطر، فيقرعونها بكل ما أوتوا من قوة، عسى أن يصحو الغافلون من غفلتهم”.

كان استبصار المسيري بما هو آت إذَن، ليس مجرد رؤية مجردة إلى ما تحمله اللحظة التي نحياها الآن، بل كان صيحة تحذير، لم يأبه بها أحد، وكانت قرعًا عنيفًا لنواقيس الخطر، لكن العرب الذين “ناموا على آذانهم” منذ قرون، آثروا أن تتقلب جنوبهم على مضاجع الخمول والهزيمة، لا أن يأخذوا الأمور بجدية، استعدادًا لتحديات ستُفرض عليهم.

ما بعد الطوفان

في تمعن ردود الفعل العربية الرسمية، بُعيد انفجار “طوفان الأقصى”، سنجد أن صهاينة وظيفيين كثيرين صاروا بيننا، فثمة قصور حكم، لا يعرف قاطنوها حمرة الخجل، فإذا بالبيانات التي تصدر عنهم، تكتفي بدعوة القاتل والمقتول، الجاني والمجني عليه، المحتل وصاحب الأرض، إلى التهدئة، حرصًا على ما يوصف بعملية السلام، تلك التي لا وجود لها، إلا في البيانات الصحفية المعلبة، والديباجات الرسمية المبسترة، والمنسوبة على الأرجح إلى مصدر مسؤول، كأن جميع “المعلومين” يتنصلون من عار نسبتها إليهم، ونسبتهم إليها.

وبعيدًا عن القصور، وانطلاقًا من فهم ما وراء التخاذل الرسمي، من أن عديدًا من النخب الحاكمة، مفتقرون إلى أي شرعية شعبية أو أخلاقية، وليس لديهم إلا شرعية “مصنوعة في الولايات المتحدة” بواسطة اللوبي اليهودي هناك، وهو الأمر الذي يعرفه المواطن البسيط، وإن أمسك لسانه عنه، خشية “أعين الرقباء”، كما يقول شاعرنا أحمد مطر.

تقلُّب إبراهيم عيسى بين المواقف

بعيدًا عن ذلك، سنجد أن هناك صهاينة وظيفيين أشد خطرًا، ويتمثلون في من يدّعون أنهم مثقفون تنويريون، أو أولو حصافة سياسية وواقعيون، على غرار الكاتب المصري “الناصري” إبراهيم عيسى، الذي تفرّغ لصب جام غضبه على المقاومة، حتى إنه بينما تسفح آلة الحرب الإسرائيلية، دماء المدنيين والأطفال في قطاع غزة.. لم يتورع عن إدانة “طوفان الأقصى”، بذريعة أن العملية أسفرت عن تأليب الرأي العام العالمي، وتجييشه ضد القضية الفلسطينية.

وعلى هذا الغرار، مضى الكاتب “الناصري” في عملية ممنهجة إلى تأثيم الضحية، وتبرئة الجاني، وهو الأمر الذي كان يحذر منه في مقالات سابقة، كانت تمتدح حركة المقاومة الإسلامية “حماس” التي يهجوها اليوم.

والحقيقة أن موقف عيسى ذاك، أو قُل تقلُّبه بين المواقف، ليس مهمًّا في حد ذاته، فالشخصنة لن تفضي إلى شيء، بل إن المهم إلى درجة كارثية، أن أمثاله يتكاثرون كالديدان في الجيف، وهذا التكاثر بدأ مع توقيع معاهدة كامب ديفيد، قبل نحو خمسة وأربعين عامًا، وما تلاها من ظهور نخب مثقفة، تهلل للتطبيع وتحرق البخور تزلفًا إلى الصهاينة، مثل جماعة “كوبنهاغن” بقيادة الكاتب الراحل لطفي الخولي، ومعه المسرحي الراحل علي سالم، الذي كان يملأ شدقيه كلامًا عن العقلانية والحصافة السياسية، إلى درجة أنه دفع بأن رحلته إلى دولة الاحتلال تُعَد “محاولة جادة للتخلص من الكراهية”.

نعم.. محاولة جادة للتخلص من الكراهية، هكذا وصف سالم ارتماءه في أحضان دولة الاحتلال، تلك التي أُسّست في أصلها على الكراهية والإقصاء وإفناء السكان الأصليين، إما بالمذابح وإما بالتهجير، ووفق خرافات تقول بالتفوق العرقي للشعب المختار، الذي يحق له استعباد “الأغيار”، وهكذا يكتسي الفعل الفاضح بعبارة أخلاقية، قد تخدع البسطاء الغافلين.

من ذا الذي يريد الكراهية؟ ومن ذا الذي يرفض اجتثات جذورها من النفوس البشرية؟

عباءة المثقف التنويري

أيَّما يكن من أمر، فالثابت يقينًا أنه إذا كانت خطورة الصهيوني الوظيفي بالغة، إذا كان يرتقي منصبًا رسميًّا، دبلوماسيًّا أو وزيرًا أو حاكمًا، فإن خطورته تزداد خطورة، متى كان يرتدي عباءة المثقف التنويري، ذلك أن الوجدان الشعبي سرعان ما يكشف الأول، فيسبغ عليه صفات الخنوع والانبطاح أو الغباء أو حتى العمالة، ومن ثم ينفض عنه، في حين يتمكن الثاني من خداع نسبة معتبرة من أبناء “أمة اقرأ التي لا تقرأ”، وذلك عبر تغليف البضاعة الفاسدة بورقة براقة، أو وفق العبارة الشائعة، عبر دس السم في العسل.

إنه أفلاس أخلاقي ومبدئي عبَّر عنه الكاتب الفلسطيني الراحل، إدوارد سعيد، في كتابه “خيانة المثقفين.. النصوص الأخيرة”، إذ رصد مأساة المثقف العربي، الذي انحدر إلى الهاوية، إثر قبوله “التكيف مع متطلبات الأنظمة الاستبدادية أو عصابات المافيا الحاكمة”.

ومن هذا المنطلق، فإن النظر إلى الصهيوني الوظيفي مثقفًا، لا ينبغي أن يجافي حقيقة أنه يخضع لصهيوني وظيفي آخر، يتمثل في النظام الديكتاتوري، عديم الشرعية، الذي يحرك خيوطه مثل دمية، وكلاهما يخضع للصهيوني الأصيل، في الأراضي المحتلة، بما يجعل الواقع أكثر كآبة وإظلامًا، مما كان يراه المسيري ويُحذر منه.

والمثير للدهشة أن الصهاينة الوظيفيين، لا يتخلون عن دور على خشبة المسرح المدنسة، حتى أن أحدًا منهم، لم ينبس ببنت شفة، لإدانة جريمة الحرب التي اقترفها الاحتلال، بقصفه المستشفى المعمداني في قطاع غزة، فإذا بهم أمامها مثل الخُشب المسندة، بل إن إبراهيم عيسى مثالنا التوضيحي، حين أراد إدانتها، أو وجد نفسه مضطرًّا إلى ذلك، لم يستنكف عن لوم المقاومة، وتحميلها الآثام، فقال “طوفان الأقصى حوّلت إسرائيل إلى وحش إرهابي”.

هذه مقولة يمكن أن ننسبها مع بعض التصرف، إلى إيتمار بن غفير، وزير الأمن الإسرائيلي، المتطرف الذي تتلمذ على يدي الحاخام مائير كاهانا، في منظمة “كاخ”، لا إلى كاتب ناصري.. لكن الوظائف تتبدل في لعبة كراسٍ موسيقية بالغة الإثارة.

وضع ملتبس قاتم حقًّا، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون مدعاة للاستسلام، أو باعثًا على القنوط من التحرر من “النير الصهيوني” الذي يدمي عنق الأمة، فثمة نصف كوب ملآن، ألا وهو أن المقاومة الفلسطينية، رغم أنف الصهاينة ومن معهم من الصهاينة الوظيفيين، ومن والاهم في الغرب، قد نجحت في إسقاط أوراق التوت عن سوءات كثيرة، إذ باغتت الاحتلال بعملية “طوفان الأقصى”، فإذا بجيشه المدجج بأحدث المنظومات الدفاعية والهجومية يترنح فينكشف، وإذا بالذين يؤدون وظيفة الصهيوني بين ظهرانينا يترنحون فينكشفون، وفي ذلك نصر كبير، إذ عرف الناس العدو، وانكشفت لهم ساحة المعركة، ونطاقها ومداها.

النبوءة الثانية

إن نبوءات المسيري قد تحققت إذَن، في ما يتعلق بالصهيوني الوظيفي، الذي يعيش وسطنا، ويؤدي الشعائر بخشوع، سواء كان يتقلد منصبًا سياسيًّا، أو مثقفًا يدعي التنوير، وعسى أن يكون ذلك فأل خير، يمهد لتحقيق نبوءته الثانية، بزوال إسرائيل، ولعل اجتياح المقاومة الفلسطينية يوم 7 أكتوبر “تشرين الأول” الجاري غلاف غزة، وما رآه المستوطنون أنفسهم من هشاشة وعجز جيشهم عن صد مقاتلي كتائب القسام، لا يُمثل لهم محض معركة خاسرة فحسب، بل إنه يثبت عمليًّا، أن هناك تآكلًا كبيرًا، في بنية هذا المجتمع اللقيط، وهو ما يعني بالضرورة أن السقوط حتمي في لحظة لم تحن بعد، لكنها آتية لا محالة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان