غزة وسقوط الأقنعة

جيش الدفاع الاسرائيلي وحصار الفلسطينيين من الأقصى الى غزة

الكتابة فعل شاق في خضم الأحداث الساخنة التي نعيش فيها، كيف يمكن لك أن تكتب وسط بحر من الدماء التي تمس أهلك في تلاحق يصعب عليك متابعته؟ آلة الحرب الصهيونية تحصد الأرواح بلا توقف، يشربون دمنا في شبق وتلذذ وكأنهم لا يشبعون! صور الأطفال الشهداء المكدسة في كفن واحد، الطفل الذي يحمل أخاه أو شقيقته الشهيدة، الطفلة التي تمسك بيد أمها الشهيدة.

يغرق عالم المثالية والديمقراطية في بحر من دمنا ولا يعبأ، يتشدق الشرق بأخوته ولا يتحرك لوقف نزيف الشهداء، بل إنهم يسعون بقوة لذبح المقاومة جسدًا ممثلة في حماس وغزة، ومعنىً في قلوب المؤمنين بها، إنهم يكرهون فعل قاوم، يقاوم، فهي مقاومة، يبغضون الكرامة والشجاعة، ويتخفون خلف كلمات براقة مثل الحفاظ على القضية وعدم قتل أهل فلسطين وغزة، وهم يسهمون بصمتهم وتخاذلهم في قتلهم.

يبدو المشهد صعبًا على الاحتمال لكل ذي قلب، ويحمل في ضميره ذرة من الإنسانية، ترى هل نستطيع أن نمسك بقلم أو ندوس على حروف الكتابة لنكتب؟ وإن كتبنا هل تكفي الكلمات في حال كهذا؟ ليكن..

المشهد في غزة لا يحتمل مشاهد التريند أو الهشتاج الذي عشنا فيه طويلا السنوات الماضية، التعامل معه بفكرة الحدث العابر هو اختزال لتضحيات كبرى، تضحيات لا ينساها التاريخ، نعم تتلاحق المشاهد الدامية، وتأخذنا خسائر الأرواح إلى لحظات يأس وحزن كبير، وفكرة الحدث العابر تتطن في أذن الكثيرين يستعجلون نهاية المشهد فالحكاية ثقيلة الوقع على القلوب.

يظن الجميع مع توالي سقوط الشهداء في فلسطين على يد عصابات الكيان الصهيوني، أننا نخسر تلك الحرب، وأن علينا أن نعترف للكيان الصهيوني بتفوقه وأنه لا قبل لنا به، لكن تلك المقولات المخذية، والمخزلة في الواقع تكشف ضعف من يرددونها، واستسلامهم وخذلانهم لأمتهم، وهذا ليس بجديد عليهم فهم قبلوا الخنوع والمذلة للعدو، ولهذا ليس غريبا أن يشجعوا على الخلاص من المقاومة.

تختلف نظرية المقاومين عن تلك النظرة المهزومة في قلبها وضميرها، وإنسانيتها. إن انتصار طوفان الاقصى وقع وسيستمر الانتصار إلى تحقيق النصر الأكبر. قد يبدو ذلك غريبا في ظل ارتقاء الشهداء كل لحظة بين أبطال أهلنا في فلسطين. الواقع أن الكثير من الانتصارات حققتها معركة غزة المستمرة حتى اللحظة، ولعلي لا أبالغ إن قلت إنه يعد من الانتصارات الكبرى في التاريخ العربي الحديث.

نزع الوجه اللامع للغرب

كشفت معركة طوفان الأقصى العالم كله ووضعته كل دوله وشعوبه، فصفت العالم فريقين لا ثالث لهما، لقد اصطفت قوى الغرب بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا في طرف كاشفة عن قبح تاريخهم وادعاءاتهم عن الإنسانية والحريات وحقوق الإنسان فقد تبين أنها حقوق وحريات وإنسانية أهل الشمال ولا حق للجنوب فيها.

خلعت دول الغرب ليبراليتها وحقوقها عندما استشعروا خطرا على ربيبتهم وكيانهم المصطنع، والمزروع في قلب وطننا العربي، فلم يكتفوا بمد الكيان الصهيوني بالأسلحة والجنود والمساعدات المالية الكبرى، بل تمادوا في إعطائها الحق في دعس أهالي غزة وكل أهل فلسطين دون أدنى مراعاة لأي معايير يتشدقون بها. لم يكتف الأمر بذلك فقد تسارعوا للمشاركة في حصار نقطة صغيرة في العالم ومنعوا عن أهلها الشراب والغذاء والأدوية في انتهاك كامل لكل ما يتشدقون به من حديث عن حقوق الإنسان.

هل اكتفت حكومات أمريكا وأوروبا التي اعتبرت الكيان الصهيوني جزءا من حدودها، وأمنها من أمنهم، بل ذهبت أبعد من ذلك حينما قررت كل الحكومات مدعية الحرية والديمقراطية معاقبة كل من يتعاطف مع الشعب الفلسطيني في غزة وفلسطين.

كشفت معركة طوفان الاقصى عن حجم الهوان العربي الرسمي على مستوى الحكومات، فلم يسمع لتلك الحكومات صوتا قويا، ربما هناك في الجزائر، وتونس والعراق بعض الأصوات الخافتة ولكنها حتى الآن لا ترقى للحدث، وحتى عندما تجمعوا فيما سُمي بقمة السلام لم يستطيعوا اتخاذ قرار بسيط بتوصيل المساعدات الإنسانية لغزة المقاومة والمحاصرة.

هكذا سقطت كل الأقنعة وذابت الكلمات المعسولة، وبدا وكأن تلك الحكومات قد سقط عنها كل غطاء شرعي، فالأغلبية تحتمي بالغرب ولا تستطيع التنفس بدون أمره، أليس ذلك مكسبا كبيرا لمعركة غزة وصمودها وانتصارها.

قلوب الأحرار فلسطينية

مثلما كانت معركة طوفان الاقصى حاسمة في إسقاط أقنعة الغرب وأتباعه من سكان القصور العربية، كانت هذه المعركة الفارقة أيضا فارقة في تبيان أن قلوب الشعوب العربية جميعا هواها وضمائرها وقضيتها فلسطين.

لقد احتشد مئات الألوف في كل شوارع الأمة العربية: العراق، الأردن، بيروت، المغرب، الجزائر، تونس، البحرين، اليمن، ليبيا، مصر، قطر، كل الدول العربية خرجت تتضامن مع فلسطين، وكذلك في ماليزيا، وإندونسيا.

وكذلك في إسطنبول وكل الولايات التركية، عشرات الآلاف الذين يخرجون في الولايات المتحدة الأمريكية، وبلاد أوروبا: فرنسا، إنجلترا، إسبانيا وغيرها يتحدون السلطات والحكومات، هؤلاء الذين يؤكدون كل يوم أن فلسطين في قلب كل مسلم وكل عربي، وفي قلوب أحرار العالم، ألا ترى أن هذا انتصارًا لمعركة طوفان الاقصى التي يقودها أبطال غزة: حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية.

هؤلاء الصبية الذين لا تتعدى أعمارهم الخامسة عشر، والأطفال في المدراس الأقل سنا الذين يرسمون علم فلسطين ويحملون تلك الأعلام ويرددون أناشيد النصر والأغاني الفلسطينية، هؤلاء الفتيات الصغيرات اللائي يتابعن ما يحدث في غزة، ويخرجن في التظاهرات في كل مكان عربي، وإسلامي يعيدون القضية إلى صدارة العالم بمشاركة الصبية والأطفال والشباب، يؤكدون جميعا أن فلسطين قضيتهم، هل يوجد أكبر من هذا انتصار لطوفان الاقصى؟

عندما امتلأ ميدان التحرير بشباب أعمارهم لا تتجاوز العشرين عاما يهتفون “بالروح بالدم نفديك يا فلسطين” ويكبرون ” الله أكبر.. الله أكبر” بكيت، فهؤلاء الشباب هم خلاصة عصر التجريف وشيطنة كل ما هو مقاوم وحر، ها هم يكسرون القاعدة، ويضعون كل جهد بذله أصحاب نظرية الخضوع والاستسلام تحت أقدامهم.

لو بقي من طوفان الاقصى ما ظهر في قلوب شباب وفتيات وأطفال الأمة الإسلامية والعربية لكفى أهل غزة وفلسطين، لو بقي من معركة غزة المستمرة ميلاد جيل جديد من المقاومين لكفاها، إذا كان لمعركة طوفان الاقصى فقط إسقاط أقنعة الغرب الصليبي، وميلهم الصهيوني لكانت تلك المعركة منتصرة.

إن حسم المواقف وكشفها أعظم نتائج تلك المعركة الدائرة، وستنتصر غزة تلك التي بحجم القلب في فلسطين، وغرفته في الوطن العربي ومنها سيكون تحرير القدس والأمة العربية ووحدة أمة العرب والإسلام، وستتحر فلسطين من البحر إلى النهر.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان