القوة الناعمة ونصرة أهل غزة والمقاومة

الفنان عادل إمام

منذ اندلاع طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر، والحرب مستعرة سواء على المستوى المادي أو المعنوي، وإذا كان ما تملكه الأمة اتجاه دعم المقاومة وأهل فلسطين ماديا يقف عند حدود التبرع المالي، أو ما يسميه الشرع: الجهاد بالمال، فإن هناك بابا مهما من النضال والدعم لا يمكن إغفاله، وهو الجانب الإعلامي والدعوي، أو ما يسمى القوة الناعمة، سواء فيما يتعلق بالرموز الثقافية والدينية والرموز بوجه عام، حتى الرياضية والفنية، فكل مجال للتأثير والتأثر، هو قوة ناعمة، ذات أهمية كبرى في المعركة.

أهمية القوة الناعمة

وعلى مدار التاريخ لم تخل الجيوش بجانب العسكريين من قوة ناعمة، منذ القدم، فتجد بجانب العسكري الخطيب المفوه الذي يحرك الجماهير، سواء في ميدان المعركة، أو في دور العبادة، والقارئ للسيرة النبوية سيجد ذلك في كل الغزوات النبوية، سواء بالنظر إلى جيش المسلمين، أو جيش الكفار المحاربين، فنرى في جيش كفار قريش يوم أحد خروج هند بنت عتبة قبل إسلامها، ومعها من يحرضن المقاتلين، بأبيات الشعر، وكل وسائل التحريض التي تجعلهم مقبلين لا مدبرين في معركتهم.

وفي جيش المسلمين، وجدنا عددا من الشعراء والخطباء، وكان أشهرهم حسان بن ثابت، الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم “هاجِهم -‌أو اهجُهم- وجبريل معك”، وقال صلى الله عليه وسلم: “جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم”.

وعندما طلب أبو عبيدة بن الجراح مددا من أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، بأربعة آلاف، أرسل إليه أربعة أشخاص، فيهم: القعقاع بن عمرو، ولما عوتب في ذلك أبو بكر، قال: لا يهزم جيش فيه القعقاع. وقد حاول الباحثون معرفة السبب، فكان أن القعقاع يجمع بين القوة العسكرية الخشنة، والقوة الناعمة، فقد كان القعقاع مع ذكائه العسكري شاعرا وخطيبا مؤثرا يلين له الحجر والبشر، ولذا اعتبر أبو بكر وجوده في جيش يساوي ألفا، لما يمثله من قوة معنوية، لها تأثير كبير على بقية الجنود.

وقد نبه القرآن إلى هذه القوة، حيث إن الأنظار والعقول تتجه في الإعداد للنضال إلى القوة المادية فقط، بناء على الآيات الكثيرة التي تتحدث عن الجهاد بالنفس، والجهاد بالمال، ولكن هناك آية يغفل عنها الكثيرون، تشير إلى القوة الناعمة، وهي الجهاد بالكلمة، حيث قال تعالى: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} (الفرقان: 52)، أي: جاهدهم بالقرآن، وذلك عن طريق المحاجّة، والمناظرة، وكسب المعركة الفكرية والعقلية.

انتباه العدو إلى خطورة القوة الناعمة

لقد كانت الحروب والاعتداءات التي مارسها الكيان المحتل من قبل، موضع رفض واستهجان من الإعلام العربي ومن الإعلام العالمي في مجمله، لكن في هذه الاعتداءات الأخيرة على غزة، لاحظنا أنه استبق ذلك بتحرك مسبق لتجريد المقاومة من هذه القوة الناعمة، سواء بقوانين يضعها على هذه الوسائل، أو بممارسات تضيق الخناق على رموز كبيرة ذات أثر شعبي وقوة ناعمة.

والمتأمل لما قدمته بعض الدول الغربية للكيان الصهيوني مؤخرا، من طائرات مسيرة أو حاملات طائرات، لا يحتاج إليها الكيان، ولن تضيف إليه شيئا ماديا ينقصه، يجد أن المقصود من ذلك فقط هو الدعم المعنوي، بدليل مادي واضح للعالم بالوقوف إلى جانبهم، رغم تصريحات هذه الدول التي تدعمه، ومواقفها الدولية والسياسية في دعمه، لكنها إشارة لا تخطئها العين، في حرص الكيان على هذه الرسالة.

ولذا كانت الضغوط الهائلة على كل مصادر هذه القوة الناعمة في الأمة، كي لا تجد المقاومة وأهل غزة عونا، أو سندا شعبيا، فالشارع العربي الذي كان يموج ويهدر بالجماهير الحاشدة، لم يعد كما كان في ظل تضييق الخناق عليه، وعلى من يحركه، سواء من المنابر المسجدية، أو المنابر الإعلامية، لكن قدر الله غلاب، وبدأت الجماهير تخرج، متحملة عواقب هذا الخروج، لأن الأمر لم يعد يحتمل، وبخاصة بعد قصف مستشفى المعمداني، وما رآه وشاهده العالم كله من جرائم بشعة.

لماذا غضبت الشعوب من بعض النجوم؟

وهذا ما يفسر سرّ غضب الشعوب من شخصيات كانت ترى فيها أملا في نصرة قضاياها، فلم تجد منها موقفا يناسب الحدث الجلل الذي تحياه، والمصيبة الكبرى التي تحل بها، فلا شيء يمكن أن يتأخر عن نصرة المظلوم، حين يسفك دمه، ويهدم بيته فوق رأسه، من عدو محتل غاصب.

ورأت الجماهير أن لها فضلا على هذه النجوم، سواء كانت فنية أو رياضية، أو غيرها، وقد اعترف بذلك فنان مصري كبير، الفنان عادل إمام، حين كان يكرم في أحد المهرجانات، فقال: إن السيارة التي أركبها، والبيت الفخم الذي أسكنه، وحياتي التي أحياها، بسببكم أنتم، إشارة إلى الجماهير.

واستدرك عدد منهم ما أخطأ فيه، سواء بنصائح المحيطين به، أو بإدراكه أن الإتيان متأخرا خير من عدم الإتيان، وأنها معركة لا تقبل فيها الأمة، ولن تقبل التباطؤ أكثر من ذلك، ونظرة في بعض التصريحات والفيديوهات لبعض القوى الناعمة التي تمتلكها أمتنا، ونسبة المشاهدات والتعاطف، وتغير وجهات نظر عربية وغربية، تبين تماما أهمية تحرك هذه القوى، وأهمية وجودها، وتطوير خطابها، ومسايرتها لكل وسائل الخطاب الإعلامي.

وتؤكد أن كل شخص يملك في يده هاتفا، أو حاسوبا، هو في النهاية يملك أداة يستطيع بها التأثير، ويستطيع أن يقوم بدوره نحو غزة وفلسطين، وكل قضية عادلة، وليس شرطا أن يكون مشهورا، أو صاحب متابعات كبيرة، فأحيانا نجد منشورا لشخص لا يعرفه إلا القليل، ولكن لإصابته الهدف نشره كثيرون. لم تعد المقاومة بالكلمة، والتأثير، محصورة في أفراد، ولا محصورة في جهة، فهي قوة ناعمة أصبحت في زمننا ميسورة ومملوكة لكثيرين، وهذا من رحمة الله بالمظلومين، أنه مهما اجتمع الظلمة بوسائلهم الجبارة، فلا تخلو المعركة من وسائل لدى المظلومين.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان