مجازر غزة.. سقوط مُرِيع للعالم الحر.. وانكشاف فاضح للنظام العربي

لا العالم الحر الديمقراطي -كما نردد وننبهر- حرًّا وديمقراطيًّا بعد مجازر غزة، ولا النظام الرسمي العربي بقي له شيء من ورقة التوت يَستُر به عوراته بعد مذابح غزة، ولا المجتمع الدولي المزعوم له وجود أو قيمة بعد محارق غزة.
العالم الحر الديمقراطي هو المسؤول الأول عن أبشع جريمة يرتكبها الكيان الصهيوني ضد المدنيين في غزة، فقد منح الضوء الأخضر للذئب المفترس لينهشها، كما لم يحدث من قبل، خلال اعتداءاته الخمسة السابقة، فقد اعتدى وقتل وهدم وشرد في 2008، و2012، و2014، و2021، و2022، واليوم في 2023 يتواصل العدوان الهستيري منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول الجاري دون توقف، أو هدنة إنسانية، أو إشارة إلى التهدئة، أما إيقاف العدوان فهو مُستبعد في ظل التصريح الأمريكي المفتوح للكيان المجرم لاستباحة غزة.
ليست أمريكا زعيمة العالم الحر الديمقراطي وحدها التي تدعم الصهيوني في العدوان الاستئصالي لغزة وشعبها دون سقف، بل معها العواصم الأوروبية، وعلى رأسها لندن وباريس وبرلين. وهو جنون سياسي وانهيار أخلاقي وإنساني أن تشجع هذه البلدان على سحق غزة ودفع أهلها إلى التهجير القسري انتقامًا منها ومن المقاومة التي تقض مضجع المحتل، وتجعل الأمن عزيزًا عليه، وهو ما يُعبر عنه قادته بحلمهم في الاستيقاظ يومًا فيجدون البحر قد ابتلعها.
غزة والمقاومة الصامدة
لكنهم مهما ارتكبوا من مجازر ومذابح ومحارق، فإن البحر لن يبتلع غزة، والأرض لن تُسوّى بها، وسكانها لن يتركوها، والمقاومة يصعب القضاء عليها؛ ذلك لأنه لو بقي فلسطيني واحد من غزة التي يزيد عدد سكانها على مليوني إنسان، فإنه سيظل متشبثًا بالأرض التي تنغرس فيها أقدامه، وتمتد هذه الأقدام في وطنه بعمق ألوف السنين، كما سيظل رافعًا رأسه حاملًا بندقيته دفاعًا عن نفسه وأرضه رافعًا مطلبه العادل بحقه الوجودي في وطنه ودولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
القتل والهدم والتنكيل والتشريد الذي يمارسه الكيان الغاصب منذ ثمانية عقود لم يُفلح في إبادة الشعب الفلسطيني، أو ممارسة التطهير العرقي العنصري، وجعل فلسطين بلا فلسطينيين لتكون لليهود وحدهم، ولن يفلح أبدًا، ولو بقي المحتل مئة عقد آخر، وعملية المقاومة في 7 أكتوبر الجاري تُثبت أن هذا الكيان هشّ، وهزيمته سهلة، وتفكيكه ميسور، ودفعه إلى السقوط والنهاية أمر مقدور عليه.
1200 مقاوم فقط أسقطوا كل شعارات الردع، والجيش القوي الذي لا ينهزم ولا يُقهر، والاستخبارات الخطيرة التي لا يُغمض لها جفن، وترسانات السلاح الفتاك، والهالة الضخمة التي ينسجها المحتل حول نفسه وقدراته واستعداداته وترهيبه للإقليم، واليد الطولي التي تصل إلى أقصى مدى ممكن.
مشروع استعماري قابل للزوال
هذه العملية التي ستكون مجالًا للبحث والشرح والدراسة العسكرية والأمنية والاستراتيجية واللوجستية والسياسية والفنية والنفسية في الكيان وداعميه من الأمريكان وغيرهم لقوتها وجسارتها ومفاجأتها وسرعتها ودقتها وتخطيطها وتنفيذها وخداعها وكل ما اشتملت عليه واحتوته وتضمنته وأنتجته وحققته من أهداف، هذه العملية تصيب الكيان والأمريكان والغرب المتواطئ بالذهول والسعار ومحاولة القضاء على المقاومة لأنها نجحت بشكل عملي في تقديم الدليل على أن المشروع الاستعماري في فلسطين وقلب العرب الذي أسسته وترعاه وتدعمه القوى الاستعمارية القديمة والجديدة؛ بريطانيا بالأمس، وأمريكا اليوم، هذا المشروع قابل للزوال رغم الكلفة الهائلة التي يتم إنفاقها عليه حتى يبقى.
من هنا نفهم لماذا هذا التضامن الواسع من العالم الحر الديمقراطي -لم يعد كذلك- مع الكيان لنحر غزة من الوريد إلى الوريد، ومحاولة الخلاص من المقاومة، وهي أحلام مستحيلة، فلا غزة ستموت، ولا المقاومة ستختفي، فهي ليست حماس والجهاد وسرايا القدس وكتائب شهداء الأقصى وبقية الفصائل، المقاومة هي كل شعب فلسطين، كل فلسطيني، بل كل عربي. نعم، فما نراه ونشاهده ونعايشه من الشعب العربي من المحيط إلى الخليج من تعاطف وتفاعل ودعم للفلسطينيين والتعاضد معهم والإيمان المطلق بهم وبحقوقهم المشروعة، والرفض للصهيوني وحلفائه وداعميه والمتصهينين، يعني أن فلسطين ستظل باقية خالدة وأن الزوال مصير كيان بلا جذور في الأرض التي يغتصبها وبلا قبول في المحيط الذي يوجد فيه شتاته.
سقوط القيم الغربية
كل القيم التي يتحدث عنها الغرب، ويدّعي أنه يعتنقها، ويُروج لها، ويتفاخر بها في الديمقراطية والعدالة والإنصاف والانفتاح والتسامح والحوار وحق الشعوب في الحرية والاستقلال والسيادة والأمن، وغيرها من قيم ومعانٍ نبيلة، تسقط بشكل مريع مع أطنان القنابل التي يُلقيها المجرم فوق غزة، فتقتل ألوف المدنيين؛ عائلات بأكملها، أطفالًا، نساءً، عجائز، بجانب إحكام الحصار الظالم المفروض على القطاع منذ 16 عامًا، ومنع الطعام عن السكان وقطع الكهرباء والمياه والوقود والاتصالات وقصف المستشفيات والمساجد والكنائس، مما لم يحدث مثله في الحروب، ولا حتى الحربين العالميتين.
ثم يأتي الصهيوني والأمريكي ليتحدث بوقاحة عن قيم الحضارة التي يؤمن بها، ويزعم أن الفلسطيني، المحتل المقهور المشرد المقتول المحاصر الجائع الذي ينتظر قذيفة الموت هو وأطفاله في أية لحظة، همجي وضد الحضارة، والحقيقة أن غزة الجريحة الصابرة وثيقة دامغة على بربريتهم وهمجيتهم وداعشيتهم هم وليس المقاومة أو أي فلسطيني.
تخاذل النظام العربي
أما النظام الرسمي العربي فإنه عاجز طوال الوقت، لكنه في هذا العدوان يظهر عاجزًا بشكل فاضح أكثر من أي وقت مضى، رغم أنه يُحكم قبضته على بلاده، وليس هناك مُهدد داخلي له إلا سياسات القمع والإفقار لمواطنيه، وسياسات الضعف والانسحاق أمام من يُصادقهم ويَتْبَعهم من الأمريكان والأوروبيين، ومن يُطبِّع معهم من الصهاينة.
وكما أن الغرب مسؤول عن دماء الفلسطينيين بمجازره فيهم، فإن النظام العربي مسؤول عن هذه الدماء أيضًا بضعفه وهوانه وتخاذله واستبداده.
