عندما أصبح باسم يوسف “إسرائيليا”!

باسم يوسف في مقابلة بيرس مورجان

 

ببديهة حاضرة لا تحتاج الاستعانة بصديق، ولا لحذف إجابتين، وبمنطق راسخ لا يحتاج لمثبتات، ولا تؤثر فيه المثبطات، وبإنجليزية لا تتعاطى الأدوية المقوية، ولا تضع مساحيق التجميل، ولا تحتاج إلى منشطات أو تعافٍ في مراكز إعادة التأهيل، وبلسان طلق لا يعرف التلعثم، تحدث النجم الساخر باسم يوسف عن حرب “إسرائيل” على قطاع غزة، فألقى بقنابل حوارية أثارت غبارًا ودخانًا وربما سديمًا، في سماء الغرب الذي تجمعت كل غيومه، وهطلت تأييدًا ودعمًا غير محدود على الدولة الصهيونية.

يعيش نجم “الكوميديا” باسم يوسف في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن ولى وجهه غربًا، منذ غادر مصر سنة 2014 عقب وقف نافذته التليفزيونية الساخرة “البرنامج” التي قفزت به إلى مصاف النجوم “السوبر ستار”، خلال عام حكم الإخوان بين 2012 و2013.

عين الطبيب

لا يتحدث باسم يوسف أمام “الكاميرا” وهو متكئ على أرائك المشاهدين، ولا ممسكًا بغليون كواحد من كبار المنظرين، ولا مرتديًا نظارة سميكة، وهو يعتدل في مقاعد المراقبين، ولا يتقعر بحثًا عن مفردات قاموسية يستعرض بها إلمام المحللين، لكنه يتحدث وهو طبيب سابق وعينيه على أسرة الجرحى، وطرقات المصابين، وثلاجات الموتى، ومشارح المشافي المنكوبة، فيما يدور رأسه عبر الأسواق المدمرة والبيوت المهدمة، والآلام المزمنة منذ عقود، والأوجاع المتوطنة.

كثيرًا ما انتزع باسم يوسف الضحكات في حلقاته “الكوميدية”، سواء عندما كان في مصر أو عندما استقر في بلاد العم سام، وبدأ يقدم عروضًا “كوميدية” حية بالعربية والإنجليزية وبمزيج منهما، لكن حين استضافه الإعلامي البريطاني الشهير “بييرس مورغان”، لم يكن باسم اسمًا على مسمى، وكانت المأساة حاضرة والسخرية مريرة، ونجح الفنان العربي في انتزاع آهات الإعجاب وحصد عشرات الملايين من المشاهدات والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بمنطقه الواضح وردوده القوية التي فرضت الصمت على المحاور، وربما الارتباك بعد أن سحبه باسم بهدوء معلوماتية معدة سلفًا، وتركه في مناطق عميقة لا تجدي فيها سباحة الهواة ولا ادعاء الاحتراف.

صيغة شعبية

استخدم باسم يوسف في المقابلة كلمات عربية عامية قد تُصنف على أنها قبيحة أو متجاوزة، لكنها دارجة وشائعة في الحياة اليومية، وهي تعدّ لدى البعض أكثر قدرة على تجسيد واقع فج وقبيح لا انتظام فيه إلا لرائحة الموت وصرخات الضحايا، وبغضب مكتوم انفجر كقنبلة يدوية لجأ باسم لاستخدام صيغة اعتراض شعبية تؤشر للرفض والاستنكار، وأنهى بها جملة احتجاج باختصار ليس له شبيه في أي لغة، بعد أن ذكر موصوفًا بلا أي صفة وترك لخيال مشاهديه العنان لمقارنة الصفات واختيار أسوأها، وهو يتحدث عن خطط تهجير الفلسطينيين إلى سيناء وعن حركة “حماس”.

ولم تخل مقابلة باسم-مورجان من استخدام كلمات عربية عادية تنحشر فجأة وسط اللغة الإنجليزية، أو بإرسال قبلة في الهواء مع كلمة حبيبي أو النداء بـ”يا بييرس” في محاولة لتوصيل المعنى بنفاد صبر محسوب، وتعبيرًا عن الاستفزاز الذي يجعل باسم يخرج من سياق اللغة التي يتكلمها، إلى رحابة تعبيرات إنسانية صادقة، لكنها غير منضبطة.

بلا أشعار

دون لغة خطابية زاعقة أو حماسية حاشدة، ودون استدعاء أشعار أبي الطيب المتنبي أو فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية أو التغني بأمجاد صلاح الدين الأيوبي، قدّم الفنان العربي باسم يوسف نموذجًا للكيفية التي يجب أن نتحدث بها إلى الغرب سواء تم ذلك عبر منابر إعلامية لها جمهور عريض، أو من خلال منصات للمحتوى أو حوارات شخصية.

حاولت قتل زوجتي

بعد أن بدأ باسم يوسف الحديث عن زوجته الفلسطينية وعائلتها التي تم قصف منزلها في غزة، وانقطعت أخبارهم، وكيف أنهم معتادون على ذلك؟ ارتدى الساخر المصري شخصية صهيوني متطرف، وقال “إن هؤلاء الفلسطينيين يحبون الدراما ويصيحون أن إسرائيل تقتلهم، لكنهم لا يموتون أبدًا، ويعودون مرة أخرى ويولدون من جديد، ومن الصعب قتلهم وأنا أعرف ذلك، لأني متزوج من فلسطينية”، وعندما رد مورغان بأنه يفهم الدعابة أو “الكوميديا” السوداء رد باسم كرجل سئم حياته الزوجية بأن هذا حقيقي وليس مجرد دعاية، وأنه حاول قتل زوجته مرات عدة وفشل، ثم برر فشله “عندما أحاول الوصول إليها كانت تستخدم أطفالنا كدروع بشرية”، في إشارة للدعاية الإسرائيلية عن استخدام “حماس” للفلسطينيين كدروع بشرية.

ضحك المحاور ببرود إنجليزي معهود، وقال إنه يفهم الدعابة، لكنه طالب ضيفه المصري بأن يكون جادًا، فسحبه الأخير إلى حديث عن “بن شابيرو” الذي امتدحه باسم كونه من أذكى البشر الذين ساروا على وجه الأرض، وأنه يتفق معه، ولو أنك لا تعرف تاريخ “بن شابيرو”، لاعتقدت أنه أحد دعاة السلام، لكن رأيك سيتغير عندما تعرف أنه محام يهودي وكاتب مرموق في الولايات المتحدة الأمريكية ينتمي للتيار المتشدد في الحزب الجمهوري، وله آراء متطرفة حول قتل المدنيين في العراق وأفغانستان وفلسطين.

المدح الذي كاله باسم يوسف للصحفي الأمريكي كان مصيدة للمحاور عندما تساءل يوسف بعد فاصل مديح عن العدد الذي يرضي “بن شابيرو” من القتلى الفلسطينيين، لكي يشعر الإسرائيليون بالأمن، ثم عرض قائمة بعدد من فقدوا حياتهم من الفلسطينيين والإسرائيليين خلال السنوات الأخيرة، ليقارن بين قتلى الجانبين، وكيف أن رد إسرائيل في كل مرة كان غير متناسب وكان الفرق في الضحايا كبيرًا، ثم استفهم ببطء وهو ممسك ببيانات القتلى من الجانبين “هذه سنوات من الردود غير المناسبة، ما هو المختلف هذه المرة؟ وما هو الجديد؟”.

عبور الكمائن

في المجمل كانت الأسئلة الموجهة لباسم يوسف في المقابلة مثل كمائن الشرطة في بلادنا، حيث تقل فرص المرور منها بسلام، لكنه في كل مرة أثبت أنه من ذوي الوزن الثقيل والنفوذ الإعلامي المتسع.

إن استعراضًا سريعًا لبعض ردود يوسف تكشف عن لغة جديدة يمكنها أن تكون منعطفًا ونقطة فاصلة يؤرخ ما قبلها وما بعدها في طريقة تعاطي العرب مع الإعلام الغربي، ولنتأمل الردود الآتية.

– إسرائيل دائمًا تقدم نفسها كضحية، ولم أر أبدًا ضحية تضع مضطهديها تحت الحصار والقصف 24 ساعة في اليوم طوال أيام الأسبوع.

– لو كنت مكان إسرائيل كنت سأقتل أكبر قدر من الفلسطينيين لأن العالم يسمح لي بذلك.

– أدين ما فعلته حماس وأعتبرها مصدر كل الشرور، لكن ماذا لو تخيلنا العالم بدون “حماس” وأسمينا هذا العالم، هو الضفة الغربية. “حماس” لا تسيطر على الضفة الغربية، فلماذا يقتل الناس هناك؟

– نحتاج إلى تغيير التصور ليس هناك شخص شرير فقط وآخر خير فقط.

– يتفاخر الإسرائيليون بأن جيشهم هو القوة العسكرية الوحيدة التي تحذر المدنيين قبل قصفهم، وأنا أتساءل إذا بدأت القوات الروسية بتحذير الأوكرانيين قبل قصفهم، هل يكونون قد فعلوا المطلوب منهم وهل ستوافقون على ما يفعله بوتين؟

– الولايات المتحدة تقدم 4 مليارات دولار لإسرائيل سنويًا، والرئيس الأمريكي جون بايدن اعتبر هذا أفضل استثمار، ولو كنت مكانه لهمست في أذن بنيامين نتنياهو لا أريد هذا الاستثمار السيء.

–  اعترف مورغان بأن الظروف التي يعيش فيها الفلسطينيون غير مقبولة على الإطلاق، وأكد أنه كرر ذلك لسنوات فرد عليه يوسف، إذا كنت فلسطينيًا هل ستتعاطف مع الظالم أو مع من “يدعي” أنه يقاومه؟

-رأي مورغان أنه لا توجد قيادة عظيمة على الجانبين ولا يوجد نيلسون مانديلا لتجاوز ميراث الكراهية، فرد باسم أن مانديلا أدان الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

 

أن تكون إسرائيليًا

-في مقابلة باسم- مورجان دروس كثيرة، لكن أفضل ما فيها عندما تقمص باسم يوسف شخصية مواطن إسرائيلي يستجوب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووجّه له انتقادات لاذعة عن تدخلاته في المحكمة العليا والنظام القضائي، وتقصير الجيش وأنظمة الدفاع حول غزة، ثم هاجم الإسرائيلي المفترض “داني إيلون” المستشار السياسي لنتنياهو الذي قال إن الحل لهؤلاء الفلسطينيين هو دفعهم إلى أرض سيناء، وأن يعيشوا في عشر مدن مؤقتة -ثم غمز بعينيه- حتى نبني غزة من جديد ونعيدهم إليها، ثم تساءل المواطن الإسرائيلي (الذي يتحدث باسم بلسانه) هل هذه خطة معدة مسبقًا لكي تبرر لكم طرد السكان من غزة؟ وكيف تتاجر الحكومة بأرواحنا مقابل قطعة أرض جديدة؟

 

لغة العالم الأول

اللغة الجديدة التي اعتمدها باسم يوسف في حواره مع بييرس مورغان جذبت ملايين جددًا لفهم القضية الفلسطينية وربما مناصرتها، وكانت أفضل ما قدمه متحدث عربي منذ عقود في الإعلام الغربي، حتى ولو كان ما فعله يوسف هو تقمص دور مواطن إسرائيلي غير مرة ليتحدث بلسانه ويغمز بعينه في لغة يفهمها “العالم الأول” الذي طالما نظر باستخفاف لقضايانا في “العالم الثالث” وفي قلبها القضية الفلسطينية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان