الإرهاب من دير ياسين حتى “مجزرة الدحدوح”

إذا لم يكن إرهابًا فماذا يكون؟
ثمة مقطع فيديو يختزل التطرف والوحشية والجنون، وفيه يظهر رهط من المستوطنين، في حفل زفاف، إذ يرقصون حنجلةً وتقافزًا ليس ابتهاجًا بالمناسبة السعيدة، وإنما لمقتل الطفل الفلسطيني على دوابشة، إثر حرقه حيًّا مع عائلته في الضفة الغربية.
كان ذلك قبل ثمانية أعوام، وفي المادة الفليمية يعتمر “المحتفلون” القلنسوات اليهودية، وتنسدل جدائلهم طويلةً حتى تدنو إلى أكتفاهم، وهم يطعنون صورة الرضيع الشهيد بخناجر معقوفة، وتنبثق صرخات منتشية ملتاثة من حناجرهم، كنعيق غربان الشؤم، أو اندفاق الحمم من فوهة بركان ثائر.. لم يكن ذاك حفل زفاف، بل كان تفويضا على تأييد الوحشية، وإجماعا على سفك الدماء، واستحلال النفس التي حرم الله إلا بالحق.
ومن المصادفات القدرية أن الفيلم الذي كان مدرجًا على موقع “يوتيوب”، نقلًا عن القناة العاشرة الإسرائيلية، كان إلى جواره لصيقًا به، مادة وثائقية لأنثى نمر تُرضع قردًا بعد أن افترست أمه، وكانت تضمه بمرفقيها، وتتحاشى أن تجرحه مخالبها الحادة، وترمقه بعينين فيهما شيء من الرحمة، وكثير من العطف، وربما الشعور بالذنب، كأنما تحس بوطأة ما اقترفت من إثم، فسعت إلى التكفير عنه، وهو الأمر لم يرد في بال المستوطنين.
إنها الحرب، قد تثقل القلب، كما يقول شاعرنا أمل دنقل.
لكن حتى الحرب لا تبرر ذاك الاحتفال الجنوني بمقتل رضيع حرقًا، مع الاعتراف بأن القتل في الحروب قد يحدث عن طريق الخطأ، أثناء القصف، أو غير ذلك، لكن القتل المتعمد لرضيع، والاحتفاء بهذه الجريمة، ليس ممكنًا استساغته، وليس متاحًا فهمه.
كيف يصير الإنسان آلة قتل عمياء إلى حد الانتشاء بسفك دماء من لم ير الحياة بعد؟
القتل من طبائع الأشياء
الشاعر الإنجليزي وليام بالتر بيس، الحائز على جائزة “نوبل” للآداب، يهجو الحرب في قصيدته “طيار إيرلندي يواجه الموت”، فيقول في هذه الترجمة غير الحرفية:
أعلم أني سأواجه مصيري الأسودْ
ما بين الأرضِ والسماءْ
لا أحبُّ الذين أذودُ عنهم
ولا أكرهُ الذين أقاتلُهم
لكنها طبيعةُ الأشياءْ
إن القانونَ والواجبَ لا يأمراني بسفك الدماءْ
ولا الحشود من شعبي البسطاء
أولئك الذين ينتظرون هزيمة الأعداءْ
لا يفهمون هذا الأسى الذي أواجهه وحيدًا
وأنا أحلق فوق السحاب
وأفلت من الموت مرةً.. لأنتظر في أخرى الفناءْ
قد يحارب الإنسان، فيغشى الوغى، فيقتل الذين يواجههم، دون أن يضمر لهم العداء، أو يحمل في صدره لهم الضغينة، هذه هي قوانين اللعبة الوحشية، وعلى الذين انخرطوا فيها الالتزام بها، هي لعبة “إما قاتل وإما مقتول”.. إن القتال قد يُكتب على الإنسان، وهو كاره له، فالممالك تقام على جماجم البشر، مع الأسف الشديد هكذا يقول التاريخ، ومنذ سفك قابيل دماء أخيه هابيل، لم تجف الدماء، لكن أن يحتفل أناس بحرق رضيع لم يتجنَّ ولم يعتدِ عليهم بالطبع، فهذا مشهد يستدعي دراسة وتفكيرًا وتحليلًا.
تأصيلًا للمفارقة، نعود إلى تفاصيل “محرقة دوابشة”، إذ وقعت في اليوم الأخير من شهر يوليو عام 2015 إثر مصادقة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، على إنشاء 300 منزل جديد في مستوطنة “بيت إيل” بالضفة الغربية، وذلك بعد أن كانت محكمة إسرائيلية أمرت بإزالة منزلين لعدم قانونيتهما.
وما إن أصدر نتنياهو قراره، حتى خرجت عفاريت التطرف من مكامنها، فجاسوا خلال الديار، وأخذوا يتحرشون بالفلسطينيين، ورسموا على جدران البيوت العربية نجمة داود، وكتبوا شعارات إقصائية على نحو: “يحيا الانتقام وانتقام المسيح وغضب الرب عليكم”.
وفي حالة الغضب الفوار الأهوج، أحرق مستوطنون منزل دوابشة، في قرية دوما بمحافظة نابلس، لا لسبب معلوم إلا أن المنزل كان في طريقهم، فتوفي الرضيع وأخوه ذو الأربع سنوات، من فورهم، ثم الأب والأم بعدئذٍ بأسابيع.. ولعل موتهما كان من رحمة الله بهما.
هذه الجريمة النكراء احتفل بها أولئك المجرمون على هامش حفل زفاف، لكن لا تنسى وأنت تضرب كفًّا بكف، أن الغرب المتحضر، يصنّف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تنظيمًا إرهابيًّا.. لماذا؟ لأن الحركة تقاوم هذا الاستيطان الإقصائي، وهذا الجيش الإجرامي، وهذا المجتمع الإرهابي.
من ينسى محمد الدرة؟
قبل هذه المحرقة بسنوات، وتحديدًا في الثلاثين من سبتمبر عام 2000 عقد الحزن لسان ضمير طائفة من البشر، وعقد التواطؤ لسان طائفة أخرى، بينما كانت الشبكات الإخبارية تبث مشهد اغتيال الطفل محمد الدرة.
في الميلودراما المأساوية رأينا الأب المكلوم، إذ يحاول عبثًا إقناع جنود الاحتلال بوقف إطلاق النار، والصغير يتكوّم خائفًا مرتعدًا وهو يحاول اتقاء الموت المحدق بالالتصاق بجانب أبيه الأيسر، قريبًا إلى القلب الذي لم يشفَ بعدئذٍ من وجع الفقدان.
كان الأب يصرخ بأقصى إمكانيات حنجرته، مستغيثًا يستسقي قطرةً من رحمة، لكن قلوبًا كالحجارة أو أشد قسوة، لم تأبه بصرخاته، لوّح بيمينه أن ارحموا هذا البريء، فلم تعترِ الشفقة ضمائرهم. إن الرصاص أصدق أنباءً من الإنسانية، رباه ماذا عسانا نقول؟ أخيرًا كالمجنون بصوت واهن كالاحتضار، هتف الأب: “مات الولد.. مات الولد”.. إنه يرفع الراية البيضاء، قضي الأمر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إزاء المشهد المصور صوتًا وصورة، وبثته القناة الفرنسية الثانية، لمدة 59 ثانية، كانت كافية لإزهاق روح الفتى، انعقد مجلس الأمن الدولي، وألقيت في القاعة الفارهة الخطب العصماء، لإدانة اغتيال الدرة، فإذا بوزيرة الخارجية الأمريكية وقتها، مادلين أولبرايت تصرخ في وجه العالم: “كفى أنا يهودية”.
للإرهاب رب يحميه، وهذا الرب يتمثل في الولايات المتحدة.. في حق النقض (الفيتو) الذي يُشهَر كلما أدان العالم الإرهاب الإسرائيلي.
وبعد اغتيال الدرة بعامين، سقط الصحفي الأمريكي اليهودي، دانيال بيرل أسيرًا بين يدي تنظيم القاعدة في باكستان، فعذبوه تعذيبًا شديد الوحشية، ثم قتلوه ذبحًا، وقطعوا جثته عشرة أجزاء، لكن في مفارقة ذات دلالة مرعبة، حرص القتلة على عمل مونتاج لفيديو الذبح، بحيث أظهر الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، وهو يصافح رئيس وزراء الكيان، مجرم الحرب أرييل شارون، واحتوى الفيديو كذلك على مشاهد لجنود الاحتلال إذ يعتدون على الفلسطينيين، وكذلك مشهد استشهاد محمد الدرة.
وأثناء التحقيق مع الرجل الثالث في تنظيم القاعدة، محمد شيخ، عام 2007 بعد اعتقاله، أجاب عن سؤال المحكمة بشأن ذبح دانيال قائلًا: “نعم.. لقد قطعت بيدي اليمنى المباركة، رأس اليهودي الأمريكي دانيال بيرل في كاراتشي”.. هكذا يخرج الإرهاب من رحم الإرهاب، والتطرف من عباءة التطرف.
ما بين “حماس” وتنظيم القاعدة
لا تستفتِ عندئذٍ عن حقوق الأسير في الإسلام، ولا عن المواثيق الدولية، إن هذه القيم قد تتوارى إذا امتلأت القلوب حقدًا ورغبة في الثأر، وهو أمر يتسق مع رؤى ومنهج تنظيم مثل “القاعدة”، الذي لا يمكن وضعه في سلة واحدة مع “حماس”، والدليل على ذلك، ما أدلت به الأسيرة الإسرائيلية المحررة يوخفد ليفشيتز، في مؤتمر صحفي بعد إطلاق حركة المقاومة سراحها، من أنها حصلت على رعاية صحية أثناء احتجازها، حتى انتهت إلى قولها: “أفراد القسام أكدوا أنهم مسلمون ولن يتعرضوا لنا بالإيذاء، كنا نتناول نفس الطعام الذي يتناولونه”.
ولعله من نافلة القول، أن دولة الاحتلال قد تأسست في أصلها، على مبادئ الإقصاء المتطرفة، مما يعني أن تأويل مشهد الرقص ابتهاجًا بحرق رضيع، أو رفض الجنود وقف إطلاق النار، لتجنب سفك دم الدرة في أحضان أبيه، لا ينفصل في سياقاته عن المذابح المبكرة، من دير ياسين، حتى اغتيال أسرة مراسل “الجزيرة” وائل الدحدوح، وما بين ذلك وما سيأتي بعد ذلك.
“الحمد لله رب العالمين، هذا هو جيش الاحتلال، وهذه هي الدموع الإنسانية وليس دموع الخوف والانهيار والجبن، وليخسأ جيش الاحتلال”.. هكذا تحدث الرجل صادقًا عفويًّا، لدى تعليقه على الفجيعة الكبرى التي تقصم الظهر، وهكذا اختزل الواقع، إنه جيش الاحتلال، وهذه عقيدته.. عقيدة سفك الدماء.
بل إن القتل قد يغدو مستحبًا ضد اليهودي كذلك، إذا خرج عن صراط التطرف البغيض، كما حدث من اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، على يد متطرف يدعى إيجال عامير، لمجرد أنه أظهر نزرًا ضئيلًا من المرونة في التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية، وقد قال عامير وهو من أصول يمنية، لدى محاكمته: “لست نادمًا، لقد حاول التفريط في أرض كنعان التي يقول الرب في التوراة إنها يهودية”.
في كتابه “الإرهابيون الأوائل.. جيراننا الجدد”، يسرد الراحل وجيه أبو ذكرى، تفاصيل حديث أجراه مع الرئيس ياسر عرفات، الذي قال ما معناه إن الشرق الحالم لم يعرف الإرهاب، في تاريخه مثلما عرفه بعد غرس هذا الكيان الاستيطاني كالخنجر في لحمه.
ورغم التحفظ على العبارة، لحقائق موضوعية، فقد عرف الشرق الإرهاب في محطات مختلفة سابقة، لكن منصفًا ليس بوسعه أن ينكر أن وجود إسرائيل كان وسيبقى سببًا مباشرًا في نمو التطرف على الجهة الأخرى، فالقانون الفيزيائي القائل إن لكل فعل رد فعل، يصدق كذلك في مجال العلاقات الاجتماعية، ومن بينها علاقات الصراع.
على أن التطرف الإسرائيلي، الذي سفك الدماء منذ تأسيس منظمات الإرهاب، نواة الكيان، وأُس أرض الميعاد، على غرار “شتيرن” و”أرجون” و”هاجناه”، حتى قبل الإعلان رسميًّا عن الدولة اللقيطة، والذي احتسى نخب النشوة بعد كل جريمة اقترفها، لم يولد من فراغ، بل إن الخرافات التلمودية قد رفدته دائمًا، بما يُبقي جذوته مشتعلة حتى تلتهم كل ما هو غير يهودي.
جذور الإرهاب الصهيوني
وفي دراسة بعنوان “الجذور الدينية للإرهاب الصهيوني” يقرر الدكتور غازي حسين: “أن جذور الإرهاب الصهيوني تعود إلى التوراة والتلمود والأيديولوجية الصهيونية، إذ يربط يهود اليوم أنفسهم بيهود العهد القديم لرفع ممارسة الإرهاب والعنصرية والاستعمار الاستيطاني إلى مرتبة القداسة الدينية، وإلى الأيديولوجية الصهيونية، وذلك لتبرير ارتكاب الإبادة والمجازر الجماعية، والحروب العدوانية واغتصاب الأرض، والثروات والحقوق العربية لتحقيق نظرية المجال الحيوي وإقامة «إسرائيل» العظمى اقتصاديًّا من النيل إلى الفرات”.
ويقول في موضع آخر: “إن التعاليم والوصايا الإرهابية مغروسة في أعماق الإسرائيلي، فقتل غير اليهود “الأغيار” إنما هو استجابة لأوامر الرب، وهذا جوهر الصهيونية، والأساس الذي أقيمت عليه الدولة.. الدولة التي تصنف البشر إلى يهود وإلى أشرار، وتدعو أتباعها إلى ممارسة الإرهاب، لإلقاء الرعب في نفوس الشعوب الكنعانية “أي العرب” وإبادتهم لأنهم يزاحمون الشعب المختار على مصادر الماء والكلأ”.
ولعل تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف، إيتمار بن غفير، الذي تربى في جماعة “كاخ” المتطرفة، بضرورة إفناء العرب، وسحقهم وسفك دمائهم وتهويد الأقصى بدورها، لا تخرج عن سياق أن هذه الدولة تعتنق التطرف من رأسها حتى أخمص قدميها، فالشعب المختار، وفق تفاسير الحاخامات، يستحق الحياة الأبدية، أما باقي الشعوب فمثلهم كمثل الحمير، وقد خلق الله الأجنبي على هيئة إنسان لخدمة اليهود الذين خلقت الدنيا، ومن فيها وما بها لأجلهم.. وهكذا نعود إلى سؤال الاستهلال: إذا لم يكن هذا إرهابًا فماذا يكون؟
