بعد استشهاد أسرته.. “الدحدوح” يواجه مجازر إسرائيل بقلم وميكروفون

الزميل وائل الدحدوح يحمل حفيده الذي راح ضحية الإجرام الاسرائيلي

 

“الحمد لله رب العالمين، هذا هو جيش الاحتلال، وهذه هي الدموع الإنسانية، وليست دموع الخوف والانهيار والجبن، وليخسأ جيش الاحتلال”.. كانت هذه الكلمات التي قالها مراسل الجزيرة في قطاع غزة وائل الدحدوح بعد قصف منزل أسرته فى مخيم النصيرات، واستشهدت في هذا القصف زوجته، وابنه طالب الثانوية، وابنته، وعدد آخر من أفراد أسرته، وجُرح آخرون بجروح خطرة.

مذيع ينعى أسرة زميله

قبل قليل من معرفة وائل لخبر استشهاد أسرته كان يظهر على قناة الجزيرة، ويبث تقريرا مباشرا لقصف جيش الاحتلال أحد المباني في حي اليرموك، ويتنقّل من مكان إلى آخر وسط الركام وألسنة النيران التي خلّفها القصف، لينقل للعالم مجازر الاحتلال، وكيف يحاول الأهالي استخراج الضحايا والجرحى من تحت الركام.

وما هي إلا دقائق حتى رأينا مذيع الجزيرة يبث على الهواء وهو يبكي متأثرا نبأ استشهاد عائلة الدحدوح، لتنتقل الكاميرا إلى وائل الدحدوح وهو يرى جثمان ابنه، ويقول “إنا لله وإنا إليه راجعون..

هيك بيحاربونا بقتل الأطفال”.. وفي زفرة حزن وغضب، قال جملة تحمل كثيرا من التحدي والإصرار: “معلش”..

وهكذا تُضاف جريمة بشعة لسلسلة الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال تجاه قطاع غزة، والصحفيين، وأسرهم؛ لأنهم من أكثر الفئات التي يستهدفها الكيان الصهيوني مؤخرا، وبلغ عددهم أكثر من 22 صحفيا ومراسلا (حتى كتابة المقال).

مشهد أبكى الجميع

وفي مشهد أبكى الجميع، تم نشر فيديو مؤثر يظهر “الدحدوح” في لحظة عميقة من الحزن والألم، وظهرت ملامح التأثّر والفقدان على وجهه، بينما كان يحتضن جثتي زوجته وابنه الكبير بعد حادث القصف المأساوي الذي أدى إلى فقدانهما.

كان “الدحدوح” ينكسر بالبكاء، ويحاول بكل جهده أن يعبّر عن حبه العميق لزوجته وابنه الكبير في تلك اللحظة الصعبة، وكانت الكلمات تعجز عن وصف مدى الألم الذي يشعر به، وكانت لحظة حقيقية للمشاهدين لفهم بشاعة المجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال.

وفي مشهد آخر في الفيديو، ظهر “الدحدوح” وهو يحمل ابنه الصغير بين ذراعيه، وكانت هذه اللحظة مليئة بالحنان والحب، حيث كان يحمي ابنه الصغير، ويحاول أن يكون له درعا، وبعد ذلك ظهر “الدحدوح” متماسكا صابرا، محتسبا متحديا؛ لأنه صاحب أرض، وصاحب حق.

وفي حواره مع قناة الجزيرة قال الدحدوح: لن أغادر موقعي في التغطية، إلى أين أذهب؟ لا مكان آمن فى قطاع غزة ولا أحد آمن من العدوان وغدره ومكره، نحن فوضنا أمرنا إلى الله وسنظل نسير في طريقنا، نحن في مهنة صناعة المتاعب وربنا يتقبلهم ويمدنا بالقوة والصبر.

وائل الدحدوح عاد لقطاع غزة قبل أسبوعين فقط من نشوب الحرب عبر معبر رفح بصحبة زوجته الشهيدة.

وهو صحفي فلسطيني، ومراسل لقناة الجزيرة من قطاع غزة، وقد ولد ودرس في غزة، وبدأ حياته المهنية مراسلا لصحيفة “القدس” الفلسطينية، وعمل لصالح وسائل إعلام أخرى قبل أن يلتحق بقناة الجزيرة عام 2004.

بأمثال وائل ننتصر

إن مثل وائل الدحدوح في قوة صبرهم وعزيمتهم يؤكد بما لا يدع مجالا لأي شك أنّ من لديه وطنا وقضية يدافع عنها لن يتركها حتى لو استشهدت كل عائلته، وحتى ينتصر في قضيته، أو يلحق بركب الشهداء، ففي وسط كل هذا الحزن والألم ظهر التماسك في تصرفات “الدحدوح” فيما عدا دموع إنسانية كما وصفها، وهي لحظات لا يشعر بها إلا المكلومون، ولكنه ظهر صامدا كالطَّود العظيم في وجه أعداء الإنسانية، وأعداء الحياة.

لا أعلم ما شعر به وائل الدحدوح من آلام في قلبه وهو يفقد فلذات كبده وزوجته، وأفراد أسرته، ويرى جثامينهم الشريفة بعينيه، هل شعر وائل أنه في تحدٍّ مع العدو الغاشم، العدو المجرم، وهو لا يحمل سلاحا، ولا يمتلك سوى قلم وميكروفون هي كل أسلحته التي يرسل من خلالها تقاريره؟

أعلم أن المصاب جَلل في مثل تلك الحالات، ولكن أن تكون صحفيا من الجزيرة فأنت وأسرتك هدفا لجيش الاحتلال؛ لأنك تنقل الحقيقة، وتنقل صورة إجرامهم ومجازرهم للعالم وهم يروّجون الأكاذيب، فكيف بك يا وائل وأنت تفضحهم، وتنقل حقيقتهم، وتتلقّى على الهواء وأنت تبث تقريرك للجزيرة نبأ قصف منزل عائلتك؟!

ربما كان “الدحدوح” يخفي مشاعره وخوفه على أسرته من القصف المستمر على قطاع غزة عندما كان يبث تقاريره لقناة الجزيرة؛ لكي ينقل لنا الصورة بكل شجاعة وثبات، ولكي يرى العالم المجازر الإسرائيلية، والإبادة الجماعية، ولم يكن يتصور أن يقوم جيش الاحتلال بمجزرة بشعة تكون أسرته فيها من الشهداء.

الإعلام الغربي المنحاز

والسؤال هنا: أين الإعلام الغربي المنحاز للكيان؟ أين مَن صدّعونا بالحرية والديمقراطية من تلك المجازر التي تحدث على الهواء مباشرة؟

هم يصنعون الأكاذيب، ويروّجون لها، ويحشدون لمزيد من المجازر والدمار من خلال الوقوف مع الكيان المحتل بالأسلحة، والجنود، والأموال، وإذا كانوا يتحجّجون بحركة حماس والمقاومة، فلماذا القتل في الضفة وغيرها من المدن الفلسطينية، ولماذا لم تحلوا القضية وتنسحبوا من الأراضي المحتلة طوال عقود لم تكن حماس قد ظهرت على الساحة؟

هذه المجزرة الإسرائيلية التي حدثت لأسرة الصحفي وائل الدحدوح تجسّد تضحيات العديد من الأفراد الذين يواجهون ظروفا صعبة جدا، ويصرّون على البقاء في أرضهم، والدفاع عن حقوقهم، ويؤكدون للعالم أنهم يرفضون الاستيلاء على وجودهم، ويصمدون بكل شجاعة؛ من أجل قضيتهم وحقهم في الحرية والكرامة.

قد يكون صمود البطل وائل الدحدوح وأهالي قطاع غزة والمقاومة هو الأمل لهذه الأمة، فإما نلحق بركبهم، وإما سنندم ندما كبيرا.

رحم الله أسرة الزميل الصحفي وائل الدحدوح، وألهم قلبه الصبر والسّلوان.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان