خطة التهجير من غزة إلى مدن مصرية

يعتقد الكيان المحتل في فلسطين والدول التي تتباه وترعاه في أمريكا وأوروبا أن الأزمة التي تواجه الشعب في فلسطين وقطاع غزة هي المكان والمأوى الذي يسكنون فيه عشية كل يوم وليلة، وإذا كان الحال كذلك لدى أصحاب الأرض والحق والتاريخ فلماذا لا يطبقون المثال على أنفسهم؟
هؤلاء الذين جمعهم الاستعمار الأوروبي من كل أنحاء العالم ليغتصبوا ويحتلوا أرض فلسطين في خطة تفكيك الأمة العربية والإسلامية هم أولى بتطبيق نظرية الترانسفير والتهجير وأن يعودوا إلى أماكنهم ومساكنهم كما جاؤوا أول مرة، ولكن الصهاينة والحلف الغربي يصرون على الكيل بمكيالين كعادتهم، وهو ما تكشفه كل يوم أحداث غزة منذ فجر السابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
كشف خطة التهجير
كشف معهد “ميسجاف” الصهيوني لبحوث الأمن القومي وللاستراتيجية الصهيونية عن خطة لتهجير أهالي غزة إلى سيناء مقابل امتيازات اقتصادية كبيرة لمصر وصلت حسب المتداول إلى إسقاط كافة الديون المصرية، وهذا ضمن ما يعرف باسم صفقة القرن التي بدأ تناولها بشكل علني أثناء فترة ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ولكن التقرير الجديد لمعهد البحوث الصهيوني ينقلنا إلى فكرة جديدة هي نقل سكان غزة إضافة إلى سيناء إلى المدن المصرية الجديدة وتحديدا مدينتي السادس من أكتوبر غرب محافظة الجيزة والعاشر من رمضان شرق القاهرة.
الواقع أن الدراسة الإسرائيلية المنشورة في 23 أكتوبر الجاري فاجأتنا جميعا بطرحها الجديد اعتمادا على وجود ما يقرب من مليوني وحدة سكنية في المدينتين خالية، وأن مصر بها ما يقارب 9 ملايين مهاجر أو لاجئ عربي كما يقولون، وبالتالي لن يضير مصر وجود مليونين ونصف مليون فلسطيني على أرضها.
ورغم أن عدد العرب الموجودين على أرض مصر قد يكون أقل من العدد المنشور في الدراسة، ورغم أن مصر وشعبها يرحبان دائما بأي وجود عربي على أرضها، وعلى مدار التاريخ لم يفرق المصريون بين العرب وأنفسهم، فإن القاعدة في فلسطين تختلف تماما.
في وجود دولة فلسطينية عاصمتها القدس يبقى ترحيب المصريين بكل أشقائهم العرب لا شك فيه، بل أقول إن المصريين على استعداد لتقاسم الخبز مع أي عربي يوجد على أرضهم التي هي أرض كل عربي، ولكن حين يكون الوضع خطة صهيونية لابتلاع الأرض العربية واغتصابها، حينها سيقف الشعب المصري ضد ما خطط له الصهاينة، ولا ينسى الشعب المصري دماء المصريين في سيناء وفي فلسطين على مدار 75 عاما الماضية، ويظهر جاليا الموقف المصري في هذا التضامن الهائل الظاهر أثناء الحرب الجارية على غزة الآن.
هي أشياء لا تشترى
تعتمد الدراسة الجديدة التي اعتمدت على تقرير عن حجم الوحدات عام 2017 قال إن عدد الوحدات في مصر يبلغ عشرة ملايين وحدة سكنية من ضمنها الموجود في المدينتين، وكذلك يستغل الطرح في التقرير حالة مصر الاقتصادية وأن أسعار تلك الوحدات لن تتجاوز عشرة مليارات دولار ستكون مصر بحاجة إليها في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها، وفي نفس الوقت فإن استثمار مجموعة مليارات إسرائيلية حتى وإن وصلت إلى 30 مليار دولار لا يهم في سبيل القضاء على المقاومة الفلسطينية في غزة.
بعيدا عن الخطة التي رسمها مركز البحوث في الكيان المحتل فإن الدراسة التي أسهبت في رسم خطة توزيع شعب فلسطين وأهل غزة على مصر والدول الأوروبية واستغلال مهاراتهم الفردية وحاجة دول عربية مثل السعودية إلى تلك المهارات أو الحديث عن إمكانية هجرة بعضها إلى دول أوروبية، فإن التقرير تجاهل تماما الإرث التاريخي لشعب فلسطين على أرضه، لقد تجاهلوا حتى ما حفرته السنوات الماضية من تمسك أهل فلسطين وغزة بتراثهم النضالي المقاوم وكذلك ما أظهرته معارك حديثة في جنين والقدس وأحياء في الضفة الغربية، وكل الأرض المحتلة، تناسى كتاب الدراسة أن أهل فلسطين لا يساومون على الأرض والتاريخ والتراث.
تعمد أصحاب الدراسة -وتلك عاداتهم التي لا يملون منها- تحويل القيم الروحية إلى أوضاع اقتصادية، فقضية فلسطين ليست مجرد مكان لأهل فلسطين كما هي للمسلمين والعرب، وهذا ما بدا واضحا خلال كل مواجهات الصهاينة في الأرض المحتلة وحتى حرب الإبادة الجارية التي يشنها الكيان المحتل وكل الغرب ضد أهل غزة، فقد بدا واضحا أن قضية فلسطين هي قضية العرب والمسلمين، ولاقت تعاطفا يزداد مع استمرار تلك الحرب من جموع كثيرة حتى في العالم الغربي والولايات المتحدة الأمريكية.
خططهم وأحلامنا
يحق للصهاينة كما كان حقا لكل المغتصبين للحقوق في كل مكان في العالم أن يخططوا ويرسموا أحلاما ويعدوا شعبهم بالأمن مهما كلفهم ذلك من أموال، يحق لهم أن يطمعوا في أرض الغير ويغتصبوها، ويتوسعوا من النيل إلى الفرات يخططون الانتهاء من غزة ليصلوا القاهرة وبغداد ودمشق.
هكذا تاريخ الاحتلال والاستعمار، ولكن تلك الخطط الشيطانية التي ترسمها مراكز بحوثهم تعني لكل مقاوم مسلم وعربي أن يضع خططه المقاومة لمشاريعهم الاحتلالية، لذا فإن صمود شعبنا الفلسطيني والدعم المتواصل له من جماهير الأمة العربية والإسلامية هي حائط الصد ضد أي مخطط صهيوني غربي، والاستسلام له والخضوع سيكون نهاية للأمة، ولا يعني تخطيطهم أنهم نجحوا أو سيصلون إلى مبتغاهم طالما بقي طفل عربي مقاوم، طالما بقي في وجدان الأمة إيمان بالحق والعدل والأرض.
