وعاد ماكرون إلى بلاده بخفي حنين

ماكرون ونتنياهو

 

(1) أبو مازن المغلوب على أمره

جاءت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإسرائيل يوم الثلاثاء الماضي متأخرة عن نظرائه الغربيين، والسبب أن الرئيس الفرنسي أراد أن يحمل معه مبادرة للأمن والسلام تصور أن يسبق بها الآخرين، ذهب يعرض ركائزها على قادة المنطقة بدءا بإسرائيل.

شاهدت المؤتمر الصحفي لماكرون في تل أبيب ورام الله، الفرق كبير بين المشهدين، الأول جمع الرئيس الفرنسي برئيس الوزراء الإسرائيلي وبدا فيه الطرفان متكافئين وحرص كل منهما على أن يخاطب الآخر باسمه الأول دليلًا على عمق الصداقة والتقارب بينهما، وأكد ماكرون دعمه المطلق لإسرائيل، وقدم عزاءه الحار في القتلى هناك، وطرح مبادرته الثلاثية الأبعاد: أولا قيام تحالف دولي للقضاء على حماس مثلما حدث مع داعش وقد شاركت فيه دول عربية وإسلامية، ثانيا حماية المدنيين، وأضاف أن حياة المدنيين لها نفس القيمة أيًّا كانت الجنسية، ثالثا العودة إلى مفاوضات السلام.

لم يعلق نتنياهو إلا على النقطة الأولى وهي التحالف الدولي للقضاء على حماس، وثمّن المبادرة على اعتبار أن حماس أعادت المنطقة إلى عصر الهمجية، ويجب أن يكون الخيار الوحيد هو الحضارة لا الهمجية.

كان المشهد مختلفا في رام الله، الرئيس محمود عباس بدا شيخا منهكا جالسا على مقعده يقرأ من أوراق صفراء وجهة النظر الفلسطينية إزاء الأحداث المأساوية في غزة، حاول فيها إثارة تعاطف الرئيس الفرنسي ليجعله أقل تحيزا لإسرائيل بتذكيره بمواقف بلاده السابقة واهتمامها بالحق الفلسطيني، ومن حين لآخر كان يتوقف عن القراءة بسبب السعال.

بدا الأمر واضحا لكل متابع: القيادة الفلسطينية شاخت وهي بحاجة إلى التغيير لمواكبة العصر، في المقعد المجاور جلس ماكرون واثقا من نفسه متحليا بالدهاء الاستعماري المغلف بتعاطف مصطنع، محاولا اقتناص الفرصة والإيقاع بفريسته ولقد نجح في ذلك، فبعد أن أنكر على حماس الإرهابية فعلتها، قدم تعازيه لأسر الشهداء والمصابين بغزة ثم عرض مبادرته التي سبق أن عرضها على الجانب الإسرائيلي، لم يعلق “أبو مازن” على الركيزة الأولى من مبادرة ماكرون الخاصة بتكوين تحالف دولي  للقضاء على حماس باعتبارها جماعة إرهابية ولم يندد بها وكذلك لم يسأل ماكرون كيف سيتم حماية المدنيين في غزة دون وقف فوري لإطلاق النار وهو ما يرفضه الغرب. التعليق الوحيد الذى صدر منه كان ردا على الركيزة الثالثة من المبادرة الخاصة بالعودة إلى المفاوضات وحل الدولتين والمشروطة باعتراف الفلسطينيين بدولة إسرائيل، هنا أجاب أبو مازن بعفوية: إننا نعترف بدولة إسرائيل منذ 40 عاما (أي منذ اتفاقية أوسلو عام 1993) وما نريده هو اعترافها بدولتنا.

في عمان التقى الملك عبد الله الرئيس الفرنسي، في أجواء غضب شعبي غامر، ما ذكر عن الزيارة للصحافة قليل، وما تم الإعلان عنه هو أن العاهلين الأردني والفرنسي تبادلا وجهات النظر حول الأوضاع الجارية، وأكد ملك الأردن ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار ودخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.

في القاهرة المحطة الأخيرة في جولة ماكرون المكوكية، أقيم مؤتمر صحفي يضم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الفرنسي، تحدث الأول عن ضرورة حماية المدنيين وحذر من الاجتياح البري لغزة وعواقبه الوخيمة وطالب بضرورة وقف إطلاق النار والعودة إلى مفاوضات السلام والالتزام بحل الدولتين، وطرح الرئيس الفرنسي مبادرته للمرة الرابعة كما وعد بزيادة المساعدات الفرنسية لقطاع غزة وخاصة المساعدات الطبية وفي مطار القاهرة كان هناك لقاء صحفي مع الرئيس ماكرون قُبيل إقلاع طائرته وسأله صحفي فرنسي عن ردّ القادة العرب الذين التقاهم على مبادرته بتشكيل تحالف دولي للقضاء على الإرهاب والمقصود به حماس فأجاب بأنه شعر بحساسية الأمر بالنسبة لهم.

(2) القضاء على حماس ليس حلا

جاءت كلمة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في اجتماع مجلس الأمن الطارئ يوم الثلاثاء الماضي بمثابة كلمة حق وسط طوفان الأكاذيب التي تروجها إسرائيل، إذ أدان فيها القصف الإسرائيلي المدمر لقطاع غزة قائلا: “أشعر بقلق عميق إزاء الانتهاكات الواضحة للقانون الإنساني الدولي التي نشهدها في غزة”، وأضاف “من المهم أن يتم أيضا إدراك أن هجمات حماس لم تحدث من فراغ، لقد تعرض الشعب الفلسطيني لاحتلال خانق مدة 56 عاما”.

كلمة الأمين العام كانت صادمة بالنسبة لإسرائيل، رفضها وزير الخارجية الإسرائيلي قائلا “في أي عالم تعيش؟ بالتأكيد، هذا ليس عالمنا”، أما السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة فقد طالب غوتيريش بالاستقالة فورًا، لأنه ليس مناسبا لقيادة الأمم المتحدة، كما قررت الحكومة الإسرائيلية وقف منح تأشيرات لمسؤولي الأمم المتحدة ردًّا على كلمة غوتيريش. إسرائيل تعاقب الأمين العام على موقفه المحايد والأمين، هل هناك غطرسة أكثر من ذلك؟!

يوم أمس فشل مجلس الأمن في تبني مشروعي قرارين أمريكي وروسي بشأن غزة، الأول كان يسعي لهدنة إنسانية والثاني وقف إطلاق النار. الغرب لا يريد وقف إطلاق النار ولا يهتم بحياة الفلسطينيين، الهدف الأول تأمين إسرائيل بالقضاء على حماس. حماس وكل فصائل المقاومة الفلسطينية ليست المرض لكنها العرض، وإذا تم القضاء على حماس بتدمير غزة وتهجير أهلها فلن تعيش إسرائيل بأمان ولن تنعم المنطقة بالاستقرار، يكفي بقاء أسرة فلسطينية واحدة على قيد الحياة ليظل الصراع موجودا والسعي لنيل الحق واجبا وإرثا ومسؤولية.

مبادرة ماكرون بتشكيل حلف إقليمي دولي بهدف القضاء على حماس فشلت في مهدها وهي مبادرة مخيبة لآمال كل الشعوب العربية التي تعتبر حماس حركة مقاومة وتحرر وطني وليست إرهابية، وكان من الغباء أن يعرضها الرئيس الفرنسي على القادة العرب وخاصة الآن، فأمريكا الحليف الأول لإسرائيل لم تجرؤ على طرحها.

إذا أراد الغرب أمنا وسلاما في المنطقة فعليه أن يقنع إسرائيل بالعودة إلى حدود الرابع من يونيو والالتزام بحل الدولتين وبأن تدرك أن الأرض مقابل السلام.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان