55 عاما من الصمود في غزة تؤهلها للاستمرار

فى أواخر عام 2004 توغلت قوة إسرائيلية فى شمال غزة بأكثر من 100 دبابة، وبدعم جوي في عملية استمرت 17 يومًا لوقف صواريخ القسام التي اتجهت لبلدة سديروت الإسرائيلية، واستحدثت إسرائيل مسمى أيام الندم على تلك العملية الحربية، مستخدمة القوة الغاشمة مع المدنيين الذين سقط المئات منهم شهداء ومصابين، وجاء اختيار الاسم كنوع من الحرب النفسية تجاه سكان غزة والمقاومة.
وكالعادة صرّح المتحدث بإسم البيت الأبيض وقتها سكوت ماكليلان بأن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، ورغم ذلك فقد استطاعت المقاومة الغزاوية الصمود أمام الهجوم، رغم أنها في ذلك الوقت كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي، الذي انسحب من غزة بعد تلك الحرب بعام واحد بقرار من شارون.
ومنذ ذلك الحين والمقاومة تتصدى للحروب المتتالية التي تشنها إسرائيل على القطاع، رغم الحصار البري بإغلاق المعابر الإسرائيلية مع غزة، والحصار البحري والجوي عليها منذ عام 2006، بعد فوز “حماس” بالإنتخابات التشريعية في بداية العام، وقطع الدول الغربية المعونات عن الفلسطينيين مما تسبب فى صعوبة دفع مرتبات العاملين في الحكومة.
وهو الحصار الذي امتد إلى مصر في عهد مبارك بالتعنت في فتح معبر رفح، مما دفع أهل غزه لاقتحام الحدود مع مصر فى يناير/كانون الثاني 2008 لشراء السلع الغذائية، ثم عمل أنفاق للحصول على الغذاء.
38 عامًا احتلال و17 حصارًا
ولم تكتف إسرائيل بالحصار المستمر حتى اليوم لمدة 17 عامًا متواصلة، بل تكرر عدوانها على غزة خلال تلك السنوات بعملية أمطار الصيف في يونيو/حزيران 2006، وعملية غيوم الخريف في نوفمبر/تشرين الثاني بالعام نفسه، وتكرر العدوان في فبراير/شباط 2008 بعملية شتاء ساخن، ثم بالشهر الأخير من العام تحت إثم الرصاص المصبوب لمدة شهر التي بلغ عدد ضحاياها 1400 شهيد، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2012 كانت عملية عامود السحاب التي استمرت 8 أيام وراح ضحيتها 1285 شهيدًا.
وفي يوليو/تموز 2014 كانت عملية العصف المأكول وعملية البيان المرصوص لتطول المدة الى 51 يومًا، وفي مارس/آذار 2018 قصفت إسرائيل احتجاجات الغزاويين على الحدود معها بشكل دوري، وراح ضحيتها 170 شهيدًا، ثم كانت عملية حارس الأسوار فى مايو/أيار 2021 التي استمرت 11 يومًا وراح ضحيتها 250 شهيدًا، إلى أن وصلنا إلى عملية السيوف الحديدية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الحالي التي اقترب عدد شهدائها من الستة آلاف شهيد حتى كتابة تلك السطور، وما زالت المقاومة صامدة وتترقب الغزو البري للتصدي له.
وهكذا يتضح أن شعب غزة يعد شعبًا استثنائيًا وفريدًا، حيث عانى من الاحتلال الإسرائيلى منذ عام 1967 وحتى 2005 لمدة 38 سنة، ولم يكد تمر ثلاثة أشهر على إنسحاب اسرائيل حتى قامت بالحصار الشامل، بمساندة عربية وغربية لمدة 17 عامًا أخرى بإجمالي 55 عامًا، بل وصل الأمر لإدراج منظمة “حماس” التي تدير غزة منذ عام 2007 كمظمة إرهابية من قبل العديد من الدول الغربية والعربية.
ورغم كل تلك الظروف القاسية فقد حققت الفصائل الغزاوية الصدمة التاريخية للعدو الصهيوني، في السابع من الشهر الحالي بتخطى أجهزته الإستخباراتية كافة، واقتحام مواقع عسكرية عدة، وأكثر من 20 مستوطنة بالجوار الجغرافى لها مع اسرائيل وحتى عمق 40 كيلو متر، وهذا العدد غير المسبوق من القتلى والجرحى والأسرى، بإمكانيات معظمها ذاتية وتصنيع محلي للأسلحة، رغم منع دخول السلع التي يمكن استخدامها للأغراض المزدوجة المدنية والعسكرية، سواء من المنافذ الإسرائيلية أو المنفذ المصري، بعد هدم الجانب المصري ما كان يربطها برفح المصرية من أنفاق عام 2013، بل وهدم المنازل فى رفح الواقعة على الحدود مع غزة لصنع منطقة عازلة.
هروب الجنود الأمريكان من لبنان والصومال
وبعد تلك الملحمة من الصمود عبر 55 عامًا تجد من يشكك في قدرات “حماس”، ويتأثر بالحرب النفسية التى يشنها الإعلام الغربي والعربي للأسف، والموقف المخزي للصمت الرسمى العريى تجاه منع إسرائيل الغذاء والدواء والوقود لمدة أسبوعين كاملين حتى بدأت المساعدات المحدودة، وانكفاء الحكام العرب أمام الموقف الغربي المتصلب الذي يمنع وقف إطلاق النار، رغم القصف الإسرائيلي المستمر على مدار الساعة، وضخامة عدد الضحايا من الأطفال والنساء.
ووصل الأمر لدى الكارهين لكل ما إسلامي ومقاوم للهيمنة الغربية، إلى اتهام “حماس” أنها تسرعت في الهجوم رغم عدم تكافئ الإمكانيات العسكرية مع إسرائيل، ويبدو أن هؤلاء لم يقرأوا التاريخ بالمرة حيث أنه لم يكن هناك تكافئ فى القوى بين أية حركة مقاومة سعت للتحرر من الاحتلال وبين قوة المحتل، سواء في تونس أو الجزائر أو فيتنام أو الهند أو غيرها من الدول.
ويستند المنهزمون إلى ما أرسلته أمريكا من قوات وحاملتي طائرات وما قدمته ألمانيا وبريطانيا من دعم عسكري، وينسى هؤلاء ما فعلته المقاومة فى فيتنام مع القوة الأمريكية وإجبارها على الرحيل عام 1973، وما فعلته المقاومة فى لبنان من خلال سيارة ملغمة في عام 1983 مما تسبب بمقتل 241 من مشاة البحرية الأمريكية و66 من جنسيات أخرى، الأمر الذي دفع الرئيس ريجان لسحب القوات الأمريكية من لبنان.
وما حدث للقوات الأمريكية في الصومال عام 1993 من مقتل 18 جنديًا أمريكي في يوم واحد، رغم استخدام 19 طائرة و12 مركبة فى عملية لمطاردة أحد المتمردين، وأدى تمثيل الصوماليون ببعض جثث الجنود الأمريكان وتصويرهم إلى صدمة أمريكية تلاها انسحاب الجنود الأمريكيين بعد أقل من 6 أشهر، والتاريخ الغربي حافل بمواقف مماثلة، وما حدث من طرد للقوات الفرنسية بعدد من البلدان الإفريقية، مؤخرًا أحد الشواهد.
توعد رسمي سابق بالقضاء على المقاومة
وفي ضوء ما نشرته صحف غربية عن حصول المقاومة خلال اقتحامها لمواقع عسكرية على بيانات حربية إسرائيلية، ومع التطور الذي شهد به الإسرائيليون قبل غيرهم في مهارات المقاومة القتالية، وما هو معروف من تدنى مستوى أداء الإحتياطى الإسرائيلى خلال حرب لبنان يوليو/تموز 2006، والمثبت من خلال لجنة فينوغراد للتحقيق في نتائج تلك الحرب، وقيام “حزب الل”ه ببعض المناوشات على الحدود مع إسرائيل لتوزيع جهدها الحربي على أكثر من جبهة.
ورغبة الولايات المتحدة فى سرعة إنهاء الحرب مع المقاومة للتفرغ للحرب الأوكرانية والصراع مع الصين، والحد من الهجوم على القوات الأمريكية وسوريا الذي يمكن أن يتوسع، والخبرة المكتسبة للمقاومة خلال حروبها السابقة مع إسرائيل، وتعاملها مع التدخل البري في سنوات 2004 و2006 و2008 و2014، وقطع الكهرباء والوقود والدواء فى حرب 2008؛ بل ومنع الدول العربية المجاورة من امدادها بالوقود حينذاك، وقصف محطة الكهرباء الوحيدة من اليوم الأول في حرب منتصف 2006، واستمرار حرب 2014 نحو 51 يومًا.
والثبات الإيماني الذي يتميز به أبطال المقاومة من خلال دفاعهم عن قضية شعبهم العادلة، وما يرافقه ذلك من تدبير ربانى لماجريات الأمور مع الأخذ بالأسباب كافة العسكرية والتكنولوجية والإعلامية حسب الاستطاعة، كل ذلك يمنحنا الثقة في صمود المقاومة مع الاجتياح البري المرتقب.
أما التهديدات التى يطلقها القادة الإسرائيليون بالقضاء على “حماس”، فإن مثل ذلك قد حدث مع “حزب الله” في حرب عام 2006 ولم يتمكنوا من ذلك، ولا حتى نزع سلاحه الذي استصدروا به القرار 1559 للأمم المتحدة، وكررت وزيرة الخارجية السابقة ليفنى وغيرها من المسؤولين، نفس تهديدات القضاء على المقاومة خلال الحروب السابقة ولم يتمكنوا من ذلك.
وكفى فخرًا أن تلك العصبة القليلة العدد من رجال المقاومة قد حشدت العالم الغربي ضدهم، بعد شعوره بالخطر على مستقبل إسرائيل رغم ما لديها من قدرات عسكرية وتكنولوجية، كما أعادت قضية احتلال بلادهم إلى النور بعد أن تجاهلها العالم، سواء الغربي أو حتى العربي الذي اكتفى بالسنوات الماضية بتقديم بعض المعونات المالية للسلطة الفلسطينية، كي تدفع أجور شرطتها لحماية إسرائيل من غضب سكان الضفة الغربية.
ولهذا أبقوا على رئيس تلك السلطة رغم انتهاء فترة رئاسته منذ عام 2010، بينما توعدوا بالسجن لسنوات لمن يتعاطف مع القضية الفلسطينية، لكن تلك الإجراءات مع استمرار المجازر ساهمت في نفس الوقت في إحياء الاهتمام بالقضية، ولعل تلك المظاهرات الحاشدة بتلك البلدان أحد الشواهد.
