هل تشكل غزة الرأي العام الإسلامي؟!

(الأناضول)

إدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي تحتاج إلى اكتشاف مصادر القوة وتوظيفها لتحقيق هدف رئيس هو تحرير العقول من الخرافات العنصرية الغربية التي فرضها الاستعمار علينا.

ومن أهم مصادر القوة وعي الأمة بوظيفتها الحضارية ودورها التاريخي، وأنها تستطيع أن تفعل وتحقق الكثير من الإنجازات والانتصارات، وأنها يمكن أن تبني قوتها الصلبة وتستخدمها في تحرير فلسطين.

والأمة الإسلامية تمتلك ثروة بشرية تزيد على ملياري إنسان موزعين على كل دول العالم، وتبلغ نسبة الشباب فيها 65%.

رأي عام إسلامي.. لماذا؟!

هذه القوة تستطيع أن تشكل رأيا عاما إسلاميا يغير الواقع، ويسهم في بناء المستقبل، ويمكن أن يعبر عن إرادته بوسائل مختلفة أهمها المظاهرات، وإنتاج مضمون يمكن نشره عبر وسائل الإعلام الجديد.

وقد ظهر الكثير من المؤشرات على قوة الرأي العام الإسلامي خلال الأسابيع الماضية، فقد اندفعت الملايين من طنجة إلى جاكرتا، وفي دول الغرب نفسها لتعبر بقوة عن غضبها من العدوان الإسرائيلي على غزة، ومن الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد الإنسانية، وهي جرائم يرفضها كل ضمير حر.

لذلك جذبت هذه المظاهرات الكثير من الأحرار من غير المسلمين، في عواصم الدول الغربية، وهذا يوضح أن الرأي العام الإسلامي يمكن أن يقود رأيا عاما عالميا، ويسهم في تشكيل حركة عالمية تواجه غرور القوة الغربية.

إنها قضية عادلة!

كان من أهم إنجازات المقاومة الفلسطينية أنها أعادت الحياة إلى القضية الفلسطينية، وأوضحت أن أصحاب الأرض يضحون بأرواحهم من أجل تحريرها من الاحتلال الذي اغتصبها بالقوة، وأن من حق الأمة الإسلامية أن تدافع عن المسجد الأقصى الذي يحتل مكانته في في قلب كل مسلم وعقيدته، فهو مسرى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي صلى فيه إماما بكل أنبياء الله.

لذلك فإن الاعتداء على هذا المسجد يشكل اعتداء على كل مسلم، ومن حق الإنسانية كلها على المسلمين أن يدافعوا عنه، ولذلك تطلع المسلمون بإعجاب للمقاومة الفلسطينية التي تدافع عن المسجد الأقصى نيابة عن الأمة كلها.

وكل مسلم يتطلع إلى أن يشارك بنفسه في الدفاع عن هذا المسجد وحمايته، ويجب أن يدرك الغرب تلك الحقيقة، وأن يتعامل معها بدون علوّ ولا استكبار، فهذه القضية سيكون لها تأثيرها على العلاقات الدولية. فهل يمكن أن تنجح القوة الغاشمة في قهر المسلمين، وإجبارهم على التخلي عن عقيدتهم؟

قضية توحّد المسلمين!

هذه هي القضية الوحيدة التي يمكن أن يتوحد المسلمون حولها مهما اختلفت أفكارهم ومذاهبهم وظروفهم وانتماؤهم لأوطانهم، ويمكن أن تنطلق عقولهم لتبتكر الأفكار الجديدة للتعبير عن إرادتهم؛ فإن كانت المظاهرات اليوم هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن هذه الإرادة، فالأيام القادمة يمكن أن تحمل الكثير من المفاجآت، ولا يمكن المحافظة على التزام الجماهير بهذا الأسلوب السلمي في التعبير إذا امتد العدوان على غزة مدة طويلة، ورأى الناس أن العدوان الإسرائيلي يقوم بعمليات إبادة وتهجير قسري للفلسطينيين وتدمير غزة.

ما رأيناه من مظاهرات خلال الأيام الماضية يمكن أن يكون مجرد بداية، لكن أهم ما يمكن أن نرصده هو أن الناس كسرت حاجز الخوف من السلطات العربية التي ما زالت تصر على استخدام عصاها الغليظة لقمع المتظاهرين.

الرأي العام وتغيير الواقع!

إن القوة الغاشمة للاحتلال الإسرائيلي فشلت حتى الآن في كسر إرادة الفلسطينيين بالرغم من أنها ألقت على غزة آلاف الأطنان من المتفجرات، وقياسا على ذلك فإن السلطات العربية غير قادرة على استخدام هذه القوة في مواجهة جماهير غاضبة يمكن أن تخرج إلي الشوارع تتحدّى القهر والقيود.

حالة فرنسا يمكن تكشف الحقيقة، فالمتظاهرون تحدّوا القيود والعقوبات التي فرضتها السلطات الفرنسية، وعبروا عن تأييدهم لحرية فلسطين.

وقف العدوان مصلحة للجميع!

حتى الآن تمكنت السلطات العربية من حماية الحدود، لكن ماذا يمكن أن تفعل إذا استمر العدوان لأسابيع قادمة، وتزايد السخط في نفوس الناس الذين يشعرون بإهانة السلطات لكرامتهم، فانفجر الغضب، ولم تفلح السلطات في السيطرة.

لذلك فإن وقف العدوان الإسرائيلي مصلحة لكل دول العالم، وربما يكون الوسيلة الوحيدة لحماية الاحتلال الإسرائيلي من غضب عربي وإسلامي عام لن تفلح القوة الغاشمة في كبح جماحه، فالطوفان يمكن أن يجرف في طريقه الكثير من الأفكار من أهمها أنه يمكن التحكم في الشعوب وقهرها بتلك الأساليب القديمة.

الرأي العام ثروة للأمة!

حتى لو امتلكت دول العالم العقل والحكمة، وأجبرت دولة الاحتلال الإسرائيلي على وقف عدوانها على غزة؛ فإن أهم النتائج هي أن رأيا عاما إسلاميا عبر عن إرادته، وسوف يستمر في تغيير الواقع، وأنه يشكل ثروة للأمة التي خضعت طويلا للاستعمار الثقافي، وأن هذا الرأي العام سيحرر الأمة من هذا الاستعمار، فالمقاومة الفلسطينية نجحت في إقناع الأمة بقدرتها على الفعل وتحقيق الانتصارات.

وهذا الرأي العام يشكل قوة ناعمة وثروة فكرية وحضارية للأمة، لكن الأمة تحتاج إلى بناء قوة إعلامية تستخدمها في نشر الوعي وكشف الحقائق، وتوفير المعرفة للجماهير.

وحرية الإعلام أساس بناء القوة الإعلامية؛ فالجماهير لم تعد تثق في الوسائل الإعلامية التي تسيطر عليها السلطات، لكن الرأي العام الإسلامي الذي شكلته غزة سيغير الواقع، وسيفرض إرادته، والجماهير التي خرجت غاضبة إلى الشوارع ستتمكن قريبا من انتزاع حريتها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان