وائل الدحدوح.. ينتصر على إسرائيل

إن سألوك عن غزّة فقل لهم: “بها شهيد، يسعفه شهيد، ويصوره شهيد، ويودعه شهيد، ويصلي عليه شهيد”. كلمات للراحل الشاعر محمود درويش تجسد واقع أهل غزة ومصاب وائل الدحدوح مراسل الجزيرة، الصحفي المرابط على ثغور الحقيقة في تخوم غزة.
على مدار حروب غزة كلها كان وائل الدحدوح ينقل الحقيقة، وكانت إطلالاته من غزة كاشفا جرائم الاحتلال وانتهاكاته بمثابة رسائل تقول: أن تواجه الكاميرا لتنقل الحقيقة بصدق فأنت لا شك مستهدف بشكل ما، وأن تكون صحفيا في غزة ينقل الخبر، فقد تصبح في لحظة ما أنت الخبر، وأن تكون صحفيا فلسطينيا ينقل الحقيقة من الأراضي المحتلة فأنت مشروع شهيد برصاص الاحتلال الصهيوني وقذائفه وصواريخه، وإن كنت صحفيا من أهل غزة وساكنيها فأنت وزوجتك وأولادك وسائر أهلك مشاريع شهادة، وهذا ما يؤكده الواقع يوميا بعد عملية طوفان الأقصى، واستمرار العمليات الانتقامية البربرية للاحتلال الإسرائيلي، منتهكا سائر الأعراف والقوانين الدولية، ومرتكبا أفظع جرائم حرب في العصر الحديث.
بصبر واحتساب، وبقوة وعزيمة ورباطة جأش، استقبل وائل الدحدوح خبر استشهاد أفراد من عائلته، من بينهم زوجته وابنه محمود وابنته شام، بقصف غادر للاحتلال الإسرائيلي استهدف منزلا مجاورا والمنزل الذي يقيمون فيه في منطقة النصيرات التي نزحوا إليها في جنوب غزة.
وائل الدحدوح شأنه شأن سائر أهل غزة وفلسطين جبار الإرادة، يواجه المحتل الصهيوني بعزيمة لا تلين، وكان يدرك أن الاحتلال لن يترك مكانا آمنا من القصف، حتى في الجنوب الذي دعا السكان إلى الانتقال إليه، لتتأكد للجميع خسة هذا المحتل، وهذا ديدنه منذ احتلال فلسطين.
بدموع الإنسانية لا بدموع الانهيار والجبن كان وائل ينظر إلى ولده الشهيد، ويردد مسترجعا “إنا لله وإنا إليه راجعون”، ويعلنها قوية مجلجلة ويقول: “فليخسأ الاحتلال” في رسالة تحدّ وصمود تطيح بصلف الاحتلال، ومثلت رصاصة مرتدة ضربت كيد العدو في سويداء القلب، ومؤكدا أن جرائم الاحتلال مهما بلغت لن تمنعه من نقل الحقيقة، ولن تثني أهل غزة حتى تتحرر فلسطين من المحتلين الصهاينة.
مرابطون على ثغر الحقيقة
على مدار حروب غزة، كان وائل الدحدوح وزملاؤه مرابطين على ثغر الحقيقة، يغطي الأحداث على قناة الجزيرة، التي لولا مهنية مراسليها لدُفنت الحقائق حية في غيابات جب أكاذيب الاحتلال الإسرائيلي وداعميه الغربيين، وتلاعبت بها وسائل الإعلام الغربية، التي أثبتت الوقائع أنها منبر للكذب والتضليل لصالح الكيان الصهيوني المحتل.
فلولا وائل الدحدوح وأمثاله لوئدت الحقيقة في مهدها، وقُبرت في صحراء الكذب والتضليل الإعلامي السافر، الذي بلغ حدا غير مسبوق في هذه الحرب.
لقد استمر وائل الدحدوح وزملاؤه عبر منبر الجزيرة في نقل الحقيقة من غزة وسائر فلسطين المحتلة بمهنية غير مسبوقة، وفي انحياز للحق والحقيقة رغم الاستهداف، ليثبت أنه هو وزملاؤه في الجزيرة عنوان حصري للحقيقة في غزة، أرض الكرامة والعزة.
فعلى مدار حروب غزة كلها، ومن انهيار البرج الذي يضم مكاتب القنوات الإعلامية، وقصف مكتب الجزيرة، إلى نقل اغتيال عدد كبير من الصحفيين في غزة برصاص الغدر الصهيوني، لم يتخلف أبو حمزة “وائل الدحدوح” عن أداء رسالته، ولم يغادر يوما موقعه، ولم يترك ثغر الشاشة دون أن يذود عن تخوم الحقيقة.
أراد الاحتلال الإسرائيلي باستهداف عائلة وائل الدحدوح أن ينتقم منه؛ بسبب نقله الحقيقة، ويرسل رسائل غير مباشرة لإسكات كل صوت حر.
يمثل كل صحفي ناقل للحقيقة رعبا للاحتلال الصهيوني والداعمين له، وخلال هذه الحرب قُتل بنيران الجيش الإسرائيلي نحو 22 صحفيا، لكن الحقيقة لن تغيبها أو تخفيها جرائم الاحتلال مهما بلغت.
جرائم حرب إسرائيلية بدعم غربي
ليس مستغربا أن يخشى الاحتلال وداعموه من الحقيقة، وتصبح المهنية ونقل الواقع تحريضا، فبحسب ما ذكره موقع “أكسيوس” فقد صرح توني بلينكن وزير الخارجية الأمريكي لمجموعة من زعماء الجالية اليهودية الأمريكية يوم الاثنين الماضي بأنه طلب خلال زيارته للدوحة تخفيض حجم تغطية الجزيرة للأحداث في غزة، حيث تعتبرها الإدارة الأمريكية مليئة بالتحريض ضد إسرائيل!
هكذا ترعب الحقيقة إسرائيل، وتزعج حلفاءها الذين لم يرفّ لهم جفن لجرائم الحرب التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي صباح مساء.
لقد شهدت الأيام الماضية ارتفاع منسوب القصف للمنازل في جنوب غزة الذي طلب الاحتلال من السكان التوجه إليه، وما ذلك إلا محاولة لدفع الناس إلى الخروج من غزة.
لم يكن الاحتلال الإسرائيلي ليقدم على جرائمه البربرية واستهدافه للمدنيين والصحفيين وأسرهم لو لم يكن لديه الضوء الأخضر من أمريكا والغرب.
مسلسل قتل الأطفال والنساء مستمر على يد الاحتلال الإسرائيلي، وكأنما هم الهدف المفضل لصواريخه وقذائفه، فلليوم الـ20 على التوالي مجازر الاحتلال بلغت المئات، وأدت الغارات المكثفة في مناطق متفرقة بغزة إلى سقوط أكثر من 7 آلاف شهيد، بينهم نحو 3 آلاف طفل، وقرابة ألفي امرأة، حيث يواصل الطيران الإسرائيلي قصف المدنيين بمتفجرات وصواريخ وقنابل، قُدرت إجمالا بنحو 12 ألف طن، وهو ما يعادل القوة التدميرية للقنبلة النووية التي ألقتها الولايات المتحدة على هيروشيما اليابانية، ويحدث ذلك وسط عجز عربي مخزٍ، وصمت دولي مطبق مخجل، يمثل وصمة عار في جبين الإنسانية والمجتمع الدولي والنظام العالمي القائم.
ختاما
إن استهداف عائلة الصحفي وائل الدحدوح مراسل الجزيرة بقصف منزلهم يمثل حلقة في سلسلة متصلة من جرائم الاحتلال الصهيوني، وتأكيدا على هشاشته التي يخفيها باستهداف المدنيين، وقتل الصحفيين وأسرهم.
يؤكد وائل الدحدوح بثباته أنه مشروع شهيد ينقل الحقيقة من غزة أرض الشهداء الأحياء، ولن يثنيه استهداف أهله عن مواصلة انتصاره على الاحتلال بسلاح الحقيقة، فكل حقيقة ينقلها هي سهم يثخن في جسد الاحتلال الصهيوني، وهزيمة في الميدان، وخطوة في طريق تحرير الأقصى وفلسطين.
لا نعزي وائل الدحدوح ولكن نغبطه، فقد سبقه ولداه محمود وشام وزوجته أم حمزة إلى الجنة بإذن الله. رحمهم الله، وهنيئا له شفاعتهم.
