رسالة إلى المقاوم الصغير

يا صديقي أرضنا ليست بعاقر
كل أرض ولها ميلادها
كل فجر وله موعد ثائر
(الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش)
هذا الطفل الجالس وسط ركام الجريمة الصهيونية -التي تصمت عنها حكومات العالم وأممه المتحدة ومجلس أمنه- واثقًا من تاريخه وقوته يحكي عن شهداء البيت المنهار من غارات الكيان المغتصب، فسبعة شهداء رحلوا في غارة صهيونية على منزله، وفي ثبات يتحدى العالم الذي يخذله يجلس الفتى.
منزل تحوّل إلى ركام وحطام، يتحدّث الطفل بوجه باسم عن أحلام الأطفال التي بددها القصف، يوجّه رسالة عن الكيان الصهيوني “هم لا يعرفون إلا القتل، لا يجيدون سوى القتل والدمار، يتخيلون أنهم بهذا سيجبروننا على ترك أرضنا، لكننا نقول له إننا لن نترك أرضنا مهما استشهد منا، لأننا نؤمن أننا منتصرون، ويسألوك {مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا} صدق الله العظيم، هكذا لخّص الطفل الفلسطيني البطل قصة المقاومة في كل مكان وزمان.
عدو غاشم قوي يمتلك أدوات التدمير والإبادة كلها سلّحته قوى الظلم بالأحدث من الصواريخ والقاذفات لتدمير المقاومة التي قد تكون أقل عددًا وعتادًا والأقل أمكانيات، يواجهون القتل اليومي والاستشهاد بقلوب مؤمنة. إنهم أصحاب الأرض والحق لا يتركونها مهما فعلت آلة الحرب، دمرت، وقتلت، وبقلوب مؤمنة إن نصر الله قريب، هذا هو ميزان القوة وميزان النصر.
أقول لك: إننا نقضي الليالي وساعات النهار وفي القلب أسى وآلم لا نحتمله، عاجزين عن رد فعل يساوي حجم التضحيات التي تقدمونها، ولا نملك إلا أن نشد على أياديكم، التي تفوقنا قوة وصلابة وإيمان، لأنها الحرب قد تثقل القلب كما يقول شاعر المقاومة أمل دنقل في قصيدته الخالدة (لا تصالح) لكن أقول لك: أيها المقاوم البطل في غزة إن خلفك شرف العرب والأمة، خلفك وأمامك في المستقبل القريب قيام أمة الإسلام والعزة والكرامة، أيها البطل الصغير أنت قوة عجزنا، وصمود أمتك وأمتنا، وبك وإخوانك تصنعون الأجمل في الأيام.
أيها الصامد على بقايا أحلام الطفولة المنهارة تعلمنا الدرس، درس المقاومة ودرس الكرامة، تشعرنا بعجزنا نحن الذين لا نشارك معكم الهم ولا الحرب، لكن يا صديقي ومعلمي حينما أنظر لأمثالك أستعيد درس المقاومة عبر التاريخ، وأقول لك إنك منتصر بقوتك وإيمانك، حتى وإن بدا أنكم القلة القليلة.
أقول إن حركات التحرير الإنسانية كلها لعموم العالمين ممثلة في الرسائل السماوية انتصرت رغم قلة الداعين إليها في البدايات، فذهب سيدنا إبراهيم وحيدًا يحطم الأصنام، وذهب سيدنا موسى وأخوه هارون إلى فرعون هما الاثنان فقط، ومن آمن بخاتم الأنبياء سيدنا محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام- في البداية أربعة أفراد فقط.
قادتك أمل الأمة
حركات المقاومة والتحرير في بلاد العالم كلها من الاستعباد والاستعمار كانت البدايات وطوال فترات نضالهم تنظيمات قليلة العدد، من فيتنام إلى الجزائر إلى دول إفريقيا وآسيا، ولأذكرك أيها الصبي المعلم لنا أهل البكاء الصامت ليلًا، إن هؤلاء الذين جاؤوا في حملات صليبية واستعمارية يحتلون أرضك المقدسة في فلسطين وغيرها من دول أمتك العربية والإسلامية كانوا جحافل، فقيل (جحافل التتار) وقيل (الأساطيل الصليبية) و(جيوش أوروبا الصليبية)، ورغم ذلك الانتصار كان للمقاومة، وسوف ينتصر صمودك الهادر.
تنتصر المقاومة ويقترب نصرك و{عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا}، لأنك تمتلك إيمانًا، والمقاومة قادة رجال يؤمنون بالوطن والأمة إيمانًا قويًا لا يتزعزع، هل سمعت قائدك أبا عبيدة وهو يتلو بيانه؟ تلك القوة في المعنى والإيمان، هذا البأس والشدة في كل جملة ينطق بها، بمثل هذا القائد تنتصر المقاومة وتنتصر الشعوب في حركات التحرير، هل تابعت معنا القائد يحيى السنوار؟ وهو يوجّه رسائله إلى قادة الكيان الصهيوني حول تبيض سجونهم من الأسرى الفلسطينيين، بمثل قادة حماس والقسام وأمثال محمد ضيف هذا القائد الذي صار شعارًا، وهتاف (حط السيف جنب السيف، إحنا رجال محمد ضيف) أقول لك إنه حتى الفتيات في التظاهرات تهتف هذا الهتاف، وبمثل السنوار وأبي عبيدة تنتصر حركات المقاومة.
صباح يشرق تحت الأنقاض
أدرك ألمك أيها الصبي الواعي الفاهم لرسالته ولإيمانه وهو ينظر خلفه إلى باقي الأرض المحتلة وخاصة الضفة ولا يجد ما يتوقعه من مساندة، سمعت أنا أيضًا رسالة أحد قادتك وقادتنا وهو يوجّه رسالة لهم حينما كانت تلك الهجمة المسعورة على غزة ليلة الجمعة الماضية برًا وجوًا وبحرًا، وحينما قطعوا الاتصالات والإنترنت عنكم.
سمعت حسام بدران أحد قادة حماس وهو يوجّه نداءه لأهل الضفة بالدخول في المعركة، ولا أخفيك سرًا أن تلك الدعوة سمعتها من شابين من أهل فلسطين قبل النداء بأيام عدة، وقالوا إنهم أيضًا في انتظار تحركات من أهلنا في الأرض المحتلة والقدس وضواحيها فتلك ستقلب معادلات الحرب، لكن لا بأس ولا يأس أيها الرجل المقاوم الكبير القامة، الصغير العمر، فكم من حروب تحرير وغزو وفتح كانت تعاني من تكاسل الأقربين، ولكنها انتصرت.
تشعر بالأسى لأن حكومات الدول العربية والإسلامية كلها تقف عاجزة عن توصيل المساعدات الإنسانية رغم هذا الإحساس الهادر والمشاعر الجياشة التي تراها في تظاهرات الجماهير الحاشدة في كثير من الميادين، أقول لك إن تلك الحشود ربما ترى عجزها الآن، ولكن تأكد أنها ستثمر قريبًا.
تنتظر وننتظر معك نحن المعلقة قلوبنا بغزة والقدس وأرض فلسطين، إنذارات من دول كبيرة كمصر وتركيا وإيران وإندونيسيا وباكستان والجزائر، لإيقاف المجزرة الصهيونية على أرضك، نعم ننتظر، ولكننا بقلوبنا نتعلق بكم لتكونوا أداة تحرير فلسطين والأمة، أمالنا جميعًا معلقة بكم وبقادتكم، نستمد منها القوة والإيمان لتحريرنا، فأنتم أيها الصبي المقاوم أمل هذه الأمة وقادتها وليس رؤساؤها وحكوماتها، وغدًا يشرق من تحت ركام منزلك صباح الأمة كلها.
