وائل الدحدوح.. نموذج إعلامي

الزميل وائل الدحدوح يشيع شهداء عائلته الى مثواهم الأخير (الأناضول)

 

بصوت واثق وهدوء نفسي عاد وائل الدحدوح إلى شاشة قناة” الجزيرة” يلاحق أخبار العدوان الوحشي الإسرائيلي على أهالي غزة. عاد الرجل بعد ساعات من دفنه لأعز ما يملك من ولد وحفيد وزوجة، قتلهم الصهاينة في ضربات الغدر المتواصلة على المدنيين الأبرياء بأنحاء غزة، ليضعنا وسط المعركة.

لم ينتظر الزميل وائل الدحدوح العثور على باقي أعضاء الأسرة، التي تعرضت للقصف، دون أن يعرف هل قتلا تحت الأنقاض أم تشردوا بين آلاف الأحياء التي تحولت أبنيتهم إلي خرابات؟!
مع كل اطلالة لوائل دحدوح على شاشة” الجزيرة”، منذ بدء القصف الإسرائيلي لغزة، نراه مشروع شهيد حي، نتوقع قصفه على الهواء مباشرة أثناء وقوفه فوق المباني العالية، يرصد كالنسر حركة الطيران الصهيوني وهو يتجه إلى مباني مجمع البنوك، القريب من مقره، فينقل لنا الضربات الغاشمة وهي تدك المباني دكا.

لم ينزل من وكره إلا بعد أن أوشك الاحتلال على قصف المبني الذي يرصد من فوقه صورة حية ومباشرة للمشاهدين. كلما اشتعلت نيران الحرب، يركض وائل دحدوح من موقع لآخر بسرعة البرق ليسجل تفاصيل الجريمة التي يرتكبها الصهاينة ضد الأطفال والنساء والعجائز، الذين قتلوا داخل بيوتهم أو حوصرا بين المباني أو استشهدوا في الطرقات. ينتقل “الصقر” من مكان لآخر، راكبا دراجة بخارية أو عربة نقل، أو جريا على الأقدام، ليكون وسط الحدث لحظة وقوعه، ويضع عين الجمهور أمام الحقيقة لحظة بلحظة.

 

صناعة القتل والكراهية

 

اعتاد وائل الدحدوح العمل في غزة المستعرة بالأحداث الساخنة، كان باستطاعته بعد شهرة حققها، أن يخرج منها طلبا للراحة ومزيدا من المال والابتعاد عن شفير الحرب والموت الساكن حوله ليل نهار، فإذا به يعيش في أتون المعركة بكل ثقله المهني وجهده البدني. يوقن الصهاينة أن ما يملكونه أسلحة فتاكة تأتيهم دعما من كل صوب وحدب، وأخرى يتفننون في صناعتها لقتل الأبرياء، أما الأرض فيعلمون أنها ليست لهم وأن ما يملأ نفوسهم هي البغضاء لبعضهم والكراهية في قلوبهم للآخرين.

تقتل إسرائيل وهي تعلم أنها كلما قتلت المزيد من الأبرياء المدنيين، فلن يحاسبها أحد، لذلك كان الخوف على حياة “الدحدوح” يشتد في قلوبنا. فالعدو الذي يضرب بلا رحمة يسعى بكل الطرق إلى إسكات الأصوات التي تسجل المجازر التي يرتكبها أمام مرأي ومسمع من العالم.

لا تهتم بحملات التطهير العرقي ولا تحويل البيوت والمستشفيات إلى محارق بشرية تقتل الأطفال والنساء، ولا تميز بين البشر والأماكن والطيور والحيوانات، لأنه مطمئن إلى دعم رئيس أمريكي يعترف بأنه صهيوني الهوى، جَيَشَ من مقره في البيت الأبيض الجيوش، وأجبر حكاما عرب على السكوت عن جرائم الصهاينة، كي يتفرغ قادة تل أبيب لمهمتهم الدموية في محو أهل غزة من أرضهم وتشريد من يتبقى إلى مصر أو غيرها.

يعتقد الصهاينة أن حربهم ستكون النهائية للقضاء على المقاومة في غزة بقيادة حماس، وإن دفعوا العالم لحرب عالمية ثالثة. لقد فعلوها من قبل مرات، وكلما أشعلوا نارا أركسوا فيها، فلم يتبق أمامهم إلا قتل من يسجل وقائع الجريمة، ليس خوفا من الحاضر، بل رعبا أن يأتيهم يوما من يطالبهم بدفع الحساب!

 

تفجيرات الكنيسة المعمدانية

 

ظل وائل الدحدوح قائما على ثغر من ثغور المعركة، يدير أمره بمهنية شديدة، دون تهويل ولا تهوين، بالصوت والصورة ومن شهود عيان. جاءت اللحظة الفارقة عندما نقل ما دار حول الكنيسة المعمدانية بلحظات، حيث أراد الصهاينة تغيير الحقائق وتزييف التاريخ المرئي على الهواء مباشرة بالادعاء أن الضربة التي قتلت 500 نفس وأصابت المئات دفعة واحدة وقعت جراء انفجار أسفل منهم، عند إطلاق المقاومة -التي تسكن أنفاقا تحت الكنيسة- صاروخا فانفجر لحظة إقلاعه.

فندت مقابلات “الدحدوح” اللحظية مع المصابين بموقع الحادث وشهود العيان أكاذيب الاحتلال، دون أن يتدخل بنفي أو تصويب الادعاء الإسرائيلي وترك المهمة للمحللين الذين أثبتوا أن الضربة القاتلة لمن بالكنيسة ومن حولها جاءت بضربة صاروخية من أعلى، وبنفس الطريقة التي تلقي بها الطائرات الإسرائيلية كميات هائلة من المتفجرات، تعادل القنبلة النووية التي ألقتها الولايات المتحدة على “هيروشيما” اليابانية في الحرب العالمية الثانية.

كان ملفتا ألا يهتم الإعلام الغربي بتلك التفنيدات وظل يروج للكذبة الصهيونية، التي زادت وتيرتها مع ترديد الرئيس الأمريكي لها، وسار على نهجه رئيس وزراء بريطانيا ورئيسة المفوضية الأوربية، بجانب تأييد مطلق من هولندا وألمانيا وإيطاليا والسويد، واليابان. روج الإعلام الغربي وشخصيات عربية لأكاذيب الصهاينة، منذ اللحظات الأولى للحرب، ومع تطورات الأحداث، وتوسع المجازر الإسرائيلية التي أسقطت أكثر 7 آلاف شهيد وأصابت عشرات الآلاف وشردت أكثر من 1.4 مليون فلسطيني من بيوتهم. لا ينقل أي منهم حقيقة ما يحدث سوى ما يمليه عليهم الطرف الإسرائيلي، وقليل منهم ينشر صور انهيارات المباني في غزة، دون أن يبحث عن المجازر البشرية التي ما زالت غير مرئية ومدفونة تحت الأنقاض والتراب، ولن يمكن الوصول إليها مع استمرار العدوان على كل شبر من أراضي القطاع بلا رحمة أو هدنة يحصلون خلالها على شربة ماء أو دواء.

 

سقوط الأقنعة

 

سقطت أقنعة المهنية عن الإعلام الغربي الذي يديره جهابذة أرهقوا أدمغتنا على مدار عقود، عن الالتزام بالمهنية عندما يشارك الصحفي بتغطية الأحداث، وكيف يحافظ المراسلون على شرفهم المهني بأن يتجردوا من أهوائهم وتحيزاتهم، عند نقل ما يدور حولهم بأن يلتزم الصحفي بالصدق والموضوعية والنزاهة والشفافية والدقة. تعلمنا هذه المبادئ على أيدي كبار الصحفيين بمصر ومن الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهم، الذين يفاخرون بالإعلام الغربي وقدرته على نقل الحقائق للجمهور، دون خوف من سلطة أو بطش أصحاب المال.

رأينا كيف تتظاهر مذيعة في قناة CNN، بأنها تعمل تحت القصف الصاروخي في تل أبيب، بينما سجل زميلها الواقعة المزيفة، لتنشر بالمصادفة كدليل على كذبتها الكبرى، ويذيع الآخرون الأحداث وفقا لما يلميه الجانب المعتدي ورؤية أصحاب المال الصهاينة في الغرب، وقتلة الأطفال في غزة.

يأتي صوت وائل الدحدوح بين من خانوا المهنية والشرف الإنساني، ليظهر الحقيقة جلية بصدق في القول والعمل. هذا المبدأ البسيط يدفع ” الدحدوح” وأمثاله بأن يكونوا صادقين مع أنفسهم مخلصين لأعمالهم، انطلاقا من وازع إنساني وضمير حي يرتكز على أن الحقيقة واحدة لا تتجزأ وأن العدالة لها ميزان واحد لا يتبدل، لا تصبح واقعا إلا إذا مارسها البشر ولو على أنفسهم أو الأقربين “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا”.

سيظل وائل الدحدوح مشروع شهيد وسط حرب تسعى إسرائيل إلى امتداد مساحتها بزعم “إنهاء جميع الحروب”، ونموذجا رفيعا على الصمود عند الشدائد، في مواجهة الضغوط التي يمارسها العدو، الذي قتل أسرته وعياله. يكفي ” “الدحدوح” أنه لا يقف بمفرده في الساحة المظلمة، فهناك العشرات الذين استشهدوا بمعارك الشرف المهني برصاص العدو، آخرهم الزميلة شيرين أبو عاقلة، بينما لم تتوقف حكومات عربية عن قتل واعتقال مئات الصحفيين، لمجرد إعلائهم لكلمة الحق والتزامهم بالمهنية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان