القرضاوي ووقف العدوان على غزة.. حين يُفتقد البدر

الشيخ يوسف القرضاوي

يأتي العدوان على غزة هذه المرة، وقد فقدت الأمة الإسلامية أهم رمز علمي، العلّامة الشيخ يوسف القرضاوي، الذي كان في كل عدوان على غزة والمقدسات يسعى بكل ما يملك للوقوف بجانب المقاومة ورفع المعاناة عن أهل غزة وفلسطين، وقد كانت له تجربة مهمة لأول عدوان على غزة، وذلك في عام 2008، وكان عدوانا غادرا كعادة الصهاينة، ولم يكتف القرضاوي بمجرد البيانات، بل قرر السعي للذهاب إلى حكام العالم العربي والإسلامي وبخاصة دول الطوق، والدول ذات الثقل الكبير عربيا وعالميا.

قام بتشكيل وفد من العلماء يُمثل عددا من دول العالم الإسلامي، فتشكل من القرضاوي رئيسا، وعضوية كل من مع حفظ الألقاب: سلمان العودة، عبد الوهاب الديلمي، نصر فريد واصل، عبد الرحمن سوار الذهب، إسحاق الفرحان، أحمد الريسوني، عبد اللطيف المحمود، عبد الرحمن آل محمود، عصام البشير، علي القره داغي، نور وحيد، خالد المذكور، عمر عبد الله نصيف. وقد راعى القرضاوي كما نرى من الأسماء أن يكون الوفد ممثلا بعدد من رموز العالم الإسلامي، والدول الإسلامية أيضا.

طائرة أميرية خاصة من قطر

وقد بدأت رحلته بدولة قطر، وذلك بلقاء الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وكان لقاؤه بالعلماء لقاء مشجعا على الرحلة، ومؤيدا لوقف العدوان على غزة، وإسهاما منه في ذلك، جعل تحت تصرّف العلماء طائرة أميرية خاصة، تنتقل بالوفد إلى حيث أرادوا، وقد تم ترتيب زيارة الدول التي قبل حكامها لقاء وفد العلماء.

تم الاتصال عن طريق الفريق الذي شكّله القرضاوي من تلامذته ومكتبه، ليتولوا أمر إدارة التواصل والأمور المرافقة، تم التواصل بالمملكة العربية السعودية ووافق الملك عبد الله على اللقاء، وتم الاتصال بمصر كي يتم اللقاء بالرئيس المصري محمد حسني مبارك، ولم يتيسر ذلك، وتم الاتصال وقتها بالأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، ورحّب بلقاء العلماء، على رأسهم القرضاوي، حين علم بعنوان الزيارة وسببها وهدفها، ولكن لم يكن من المناسب أن يذهب الوفد إلى مصر للقاء عمرو موسى، بينما لم يتم ترتيب اللقاء مع الرئيس المصري، وكذلك لانشغاله بلقاءات خارج مصر متعلقة بالحرب على غزة.

وتم الاتفاق بلقاء ملك الأردن الملك عبد الله، والرئيس التركي حينئذ عبد الله غول، ولم يكن وقتها رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان موجودا في تركيا، فقد كان في جولة خارج البلاد لأجل السعي لوقف الحرب على غزة، وطلب الوفد لقاء رئيس سوريا بشار الأسد، ولكنهم اعتذروا بادئ الأمر، وقالوا: “رتبنا لكم لقاء مع المفتي أحمد حسون”، وعندئذ رد القرضاوي: “لو جاء حسون مكتبي وطلب مقابلتي لفكرت في لقائه، كيف أقابل هذا الشخص الذي لا وزن له علميا، ولا أي وزن رمزي، إما مقابلة بشار أو إلغاء زيارة سوريا”، فتوسط الأستاذ خالد مشعل وكان وقتها في سوريا، ورتب اللقاء مع الرئيس السوري.

تجاوب من الحكام العرب مع الوفد

بدأت الرحلة بقطر، ثم بعد ذلك بالمملكة العربية السعودية، وكان الملك عبد الله يحب القرضاوي حبا شديدا، ويعبّر عن ذلك في مناسبات عديدة، وهو ما اتخذه القرضاوي مدخلا للبوح بما لديه من مخاوف من الاعتداءات على غزة، وحثه على القيام بواجب يتناسب مع مقامه كملك لبلد فيها قبلة المسلمين، وتجاوب مع ما طرحه إلى حد كبير، رغم موقفه من حماس حينئذ، لكن القرضاوي أوضح أن الوفد ليس ممثلا لحماس، رغم تقديره لها، ودفاعه عنها في هذا اللقاء، لكنهم أتوا ممثلين للشعب الفلسطيني المضطهد في غزة.

ثم بعد ذلك كانت الرحلة إلى سوريا، ورغم أن بشار الأسد وقتها كان في ما يُسمى محور الممانعة، فإن رحلة الوفد رأينا فيها عجبا، فقابل الوفد بلا شك، وحضر اللقاء خالد مشعل، وكان الكلام مُنصبّا على وقف هذا العدوان الكبير على غزة وأهلها، إلا أننا فوجئنا بالفندق الذي نزلنا فيه، بأن السلطة السورية رتبت مظاهرات تهتف أمام الفندق، تشتم حاكمي مصر والسعودية، وتردد هتافات سياسية مفتعلة، وكانت حركة مكشوفة ومصطنعة، ولا تليق، إذ إن سوريا كلها لا مظاهرات فيها سوى أمام الفندق الذي نزلنا فيه، وهدفها وغرضها واحد.

وأراد مفتي سوريا حينئذ أحمد حسون، أن يلتف على الوفد، فيُملي بعض النقاط في بيان العلماء عن زيارة سوريا، بما يضعه في الصورة، وكان الرفض الشديد من الوفد، وبأن الوفد لم ولن يعبّر إلا عن القضية التي أتى إليها، وحاول أن يتكلم مع بعض أعضاء الوفد منفردين علَّه يظفر بذلك، فباء بالفشل، ومما يؤسف له أن تتحول مناصب كالإفتاء إلى أدوات في أيدي السلطة، وهو ما كان ديدن حسون، حتى أُلغي المنصب كله من سوريا، وهو ما دفع السوريين بالخارج إلى اختيار مفتي يُمثل الثورة والسوريين، وهو الشيخ أسامة الرفاعي.

بعد سوريا، ذهب الوفد إلى الأردن للقاء الملك عبد الله، وكان من رتب اللقاء الأستاذ عبد اللطيف عربيات، وكان حديث القرضاوي معه بما للأردن من تاريخ ووشيجة قديمة وحاضرة مع فلسطين، وبحكم مسؤولياتها عن المقدسات الإسلامية.

ثم خُتمت الرحلة بزيارة تركيا، بالمقر الرئاسي في أنقرة، وقد لاحظنا وقتها كمّا هائلا من الحراك الشعبي في تركيا، فكل الحافلات العامة والخاصة، وسيارات التاكسي، كلها ترفع العلم الفلسطيني، وتكتب عليها عبارات تضامنية مع غزة، وكان الرئيس التركي عبد الله غول، كلما تكلم عن غزة وما يجري فيها، تنساب منه العبرات تلقائيا، ووعد ببذل ما في وسعه ومع الحكومة ورئيسها أردوغان، لأجل وقف هذا العدوان على غزة وأهلها.

هدف الوفد تجاه غزة والمقاومة

كان هدف وفد العلماء كما أعلنه القرضاوي (وقف العدوان الإسرائيلي على غزة، وعودة القوات الإسرائيلية إلى ما كانت عليه قبل العدوان، والضغط على إسرائيل لفك الحصار، والتوسط لدى مصر لفتح معبر رفح، والضغط على إسرائيل لفتح باقي المعابر، إضافة إلى الإبقاء على خيار المقاومة الفلسطينية كسلاح فعال ضد الاحتلال).

وقد وصلت رسالته إلى كل الرؤساء الذين قابلهم والوفد، فقد بدأت الحرب على غزة في 27 ديسمبر/كانون الأول 2008، واستمرت حتى 18 يناير/كانون الثاني 2009، وبعد عودة القرضاوي مع الوفد عقد مؤتمرا صحفيا في الدوحة، ودعا إلى مؤتمر عالمي كذلك، ورتب بعد الوفد لجعل يوم الجمعة التالي لرحلة الوفد يوما عالميا للتضامن مع غزة.

كان هذا الجهد والنشاط، والقرضاوي قد اقترب من سن التسعين، ورغم أعبائه الثقال، فلم يأل جهدا، وأُشهد الله أنه أسمع كل الحكام الذين قابلهم كلمة الحق التي تتمنى أمة المسلمين أن تصل، عبّر بها بكل ما أوتي من فصاحة وجرأة عن مأساة أهل غزة، وعن حزنه لهذا الضعف الذي يراه من الحكام.

أتذكر هذا الجهد الكبير، وهذه الرحلة التاريخية، وأترحم ويترحم الكثيرون على القرضاوي، ففي هذه الأيام تُدمر غزة، وتُهدم البيوت على ساكنيها، ويُرفع أصحابها من تحتها إما شهداء أو جرحى، ونفتقد في مثل هذه الكارثة عالِما بحجم القرضاوي وعطائه، رحمه الله، فقد فقدت غزة وفلسطين كلها منافحا عنها بكل ما يملك من أدوات، فلم يكن عطاؤه لهذه القضية عند الدعم المادي، أو الخطابي والكتابي، بل كان بالتحرك بالقضية في كل مكان، وفي كل محفل، وفي كل ميدان يرى فيه نصرة لها ولأهلها، في مثل هذه الفاجعة نتمثل قول أبي فراس الحمداني:

سيذكرُني قومي إذا جَدَّ جِدُّهم       وفي الليلةِ الظلماءِ يُفتقدُ البدرُ

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان