“طوفان الأقصى” ورهانات “إسرائيل” الخاسرة

شاركت طائرات الزواري في معركة طوفان الأقصى
شاركت طائرات الزواري في معركة طوفان الأقصى (كتائب القسام)

لن تعود عقارب الساعة إلى الخلف أبدًا وسيبقى يوم السابع من أكتوبر عام 2023  “صفعة” لم يتوقعها أحد ولم تحلم بها “إسرائيل” في أسوأ الكوابيس؛ وستنتهي الحرب في أيام أو أسابيع، وأيًّا كانت المذابح وحجم الدمار في البنية التحتية “والصور” التي سيأخذها الصهاينة للنصر المزعوم، والعدد الكبير المفجع من الشهداء وأغلبهم من الأطفال والنساء والكم الكبير من الجرحى والمصابين؛ فإن الواقع والتاريخ سيؤكد أن “إسرائيل” راهنت برهانات كثيرة خاسرة..

الرهان يعني المخاطرة مع احتمالات الخسارة

راهن الصهاينة على خسارة فادحة للمقاومة، وحتى إذا خسرت المقاومة أو لم تحقق أهدافها وتضاعفت الخسائر في الدماء والمنشآت لا قدر الله؛ فلا شك في أنها قد حققت إنجازات كبيرة تُضاف إلى رصيدها الجيد وخبراتها المتراكمة، والنصر “الأكبر” يتحقق بتراكم الأرصدة والخبرات، وقد حققوا انتصارات وأحدثوا هزة قوية، ولا يوجد كيان تجذر في 70 سنة سيزول في يوم وليلة بل سيستغرق ذلك وقتًا؛ فالصهاينة احتلوا أراضي لبنانية ولم يخرجوا منها إلا بعد 20 سنة وما زال لبنان يتعرض لمناوشات ونكد “إسرائيلي”، ومزارع شبعا لم تتحرر بعد.

قال العميد إساف أغمون: “لا نستطيع المبادرة بحرب مع لبنان؛ سيهزموننا، نعم هم سيهزموننا من الصعب عليّ أن أقول ذلك، فهذا مؤلم؛ لذا تعالوا نقوم بالأمور التي نستطيع أن نفعلها”.

راهنت “إسرائيل” على أن الأجيال الجديدة تملّكها اليأس وأن القضية ستموت بمضي الأعوام؛ ثم أثبت “طوفان الأقصى” أن المشوار طويل ويتخلله بعض الانتصارات والثغرات في الكيان وأن الأجيال الجديدة ورثت “الصمود” وضاعفته بحسن الاستعداد وبمفاجأة العدو لأول مرة.

راهنت “إسرائيل” على أنها قضت على المقاومة خاصة بعد هجومها منذ أشهر على الجهاد الإسلامي، ولم تتدخل حماس عندئذ؛ وكان ذلك تكتيكًا متعمدًا كما أعلن “أبو عبيدة”.

من الرهانات الخاسرة أن الناس تريد الأكل والشرب فقط، إذ أثبتوا أنهم يريدون الحرية.

حلوى وعزة

توهموا استسلام الفلسطينيين بعد الدمار والقتل بهمجية ولكنهم رددوا بثبات أذهل العالم: “كله فداء للأقصى”.

غزاوي استشهدت عائلته كلها إلا ولدا كان يشتري الخبز، فوزّع الحلوى على أرواح كل الشهداء.. “الحمد لله دعواتكم تزيدنا ثباتا تحياتنا لكم وبارك الله فيكم”؛ قالها غزاوي ليشكر المتضامنين معهم ولنتأمل “العزة” في كلامه والدعاء للمتضامنين.. سيدة هتفت ندعم المقاومة حتى لو ما ظل طفل في فلسطين، وفلسطينية من مواليد عام 1944 قالت: أنا أقدم من “إسرائيل”، ولن أترك وطني مهما حدث من مذابح ومجازر، أم شهيد لبناني قالت بقوة أثناء جنازة ابنها: “وين فيه مظلوم نحنا رح نقف حدو”.

راهنوا على “فزع” أهل غزة بعد القصف بعنف غير مسبوق وتركهم لديارهم؛ وإذا بهم يصمدون ومن غادروا سارع معظمهم إلى العودة إلى بيوتهم، ورأينا مواطنين يقتسمون طعامهم القليل وما بقي من المياه ومنازلهم مع من “أجبرهم” الصهاينة على ترك منازلهم التي دمرت في مشهد يندر حدوثه، وتزايدت الروابط الإنسانية والوطنية بدلا من الرهان على الانفلات الأمني والرغبة في “الهروب” من غزة كما كان يخطط له الصهاينة.

راهنوا على أن الشعوب العربية لن تهتم، وشاهدنا غضبًا حقيقيًّا لا يمكن الاستهانة به رغم أن البلاد العربية مثقلة ومطحونة بأزمات خاصة في كل بلد وكل أسرة بالمشاكل الاقتصادية، وخرجت المظاهرات الشعبية بكثافة في معظم البلدان العربية والإسلامية وبعض دول أوروبا وفي الولايات المتحدة الأمريكية تندد بالمجازر الصهيونية بالرغم من تزايد “الانكفاء” على الذات خاصة بعد كورونا في العالم كله.

اللافت في المظاهرات “الاعتزاز” بفلسطين ورفض التعامل مع أهلها على أنهم ضحايا؛ فهم أبطال ولا يحتاجون المال فقط لمواصلة الحياة ولإعادة الإعمار بل يستحقون الدعم المعنوي للشعور بأن الأمة العربية والإسلامية تؤيدهم ولو لم تستطع تقديم الدعم المادي والعسكري.

غضب وتحدّ

 

راهنوا على أن الحرب ستنحصر في غزة فقط وخسروا فحدثت عمليات في الضفة بالرغم من الحصار الأمني، وراهنوا على أن ما يُسمى النخبة ستقود الشعوب؛ والحقيقة أنه غلب على معظمهم الافتعال والحرص على التصوير، والناس لم تحتج إليهم ولم تنتظرهم وكان غضبًا بلا “ريموت كنترول”؛ فالغضب الداخلي الذي لا توجيه له من الخارج هو الأقوى بالوعي وهو الأخطر والأهم؛ فالمتظاهرون لم يحركهم أحد ولم يعدهم أحد.

راهنوا على أن مشاهد الدمار والحزن على فقدان الشهداء وتزايد الجرحى ستؤدي إلى الانكسار؛ وأثبت الواقع أنها تؤجج إرادة الانتصار والتحدي وتنشط العزيمة وتقوي النفس ضد المجازر.

من الرهانات الخاسرة أن الرأي العام الغربي “كله” سيكون معهم خاصة بعد نشر الأكاذيب عن ذبح الأطفال واغتصاب النساء؛ فبعد الدعاية الجيدة في حدود الإمكانات المتواضعة للعرب أمام الهيمنة المتنامية والجبارة للإعلام الغربي تم فتح بعض الثغرات وتغيير بعض الرأي العام الغربي، فتراجع أعوان الصهاينة عن بعض الأكاذيب.

راهنوا على أن المقاومة لن تصمد وحدها وستسارع إلى الاستعانة بحزب الله وغيره ولكنها صمدت طويلا والتدخل كان محسوبًا، وكان الاعتماد الرئيسي على المقاومة وتطورها؛ فلم ينزلوا بكل أوراقهم ببداية المعركة واحتفظوا ببعضها، وأضافوا إلى التفوق العسكري تفوقًا إعلاميًّا واضحًا لم نره سابقًا.

من الرهان الخاسر أن زيارة “بايدن” للصهاينة ستلقي الرعب في قلوب فلسطين، إذ إنها “أشعلت” التحدي، وراهنوا على أن حزب الله لن يتدخل لانشغاله بأزمات لبنانية داخلية؛ فتدخل وأربك حساباتهم.

راهنوا على قوة المستوطنين وكانت النتيجة مخيبة للآمال؛ فقد نقلت صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية عن المستوطنين عند الحدود مع لبنان قولهم: “نعيش طوال الوقت في خوف من إطلاق النار والتسلل ولا توجد خطة واضحة للإجلاء؛ فالكثير من المستوطنين غادروا المنطقة قبل صدور تعليمات الرحيل”.

النصر هو عدم الانكسار أمام إرادة العدو وفعل كل ما يمكن لقهره في الوقت الحالي والسعي لتفتيت قدراته وقواه المعنوية تمهيدا للأكثر مستقبلا والاستعداد له وهو ما يحدث في فلسطين.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان