الفاتح محمد.. الانتصارات الكبرى تضحيات كبيرة

كان حلم فتح القسطنطينية عزيزًا لدى المسلمين من أبطال الفتوحات، منذ بشّر الرسول الكريم ﷺ بفتحها في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن بشر عن أبيه أن الرسول ﷺ قال “لتُفتحن القسطنطينية، فلَنِعمَ الأميرُ أميرُها، ولَنعِمَ الجيشُ جيشُها”. ومنذ بداية عصر الفتوحات كانت القسطنطينية (إسطنبول) التفاحة الكبرى للفاتحين، وقد بدأت محاولات فتحها منذ عصر الصحابة الكرام، وفي إسطنبول وبالقرب من أسوارها الضخمة يوجد قبر الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري الذي كان في طليعة أول جيش إسلامي يحاول فتح القسطنطينية.
محمد الفاتح
كان الأمير محمد بن مراد الثاني، حفيد باني الدولة العثمانية المؤسس عثمان بن أرطغرل، هو ذلك الأمير الذي أشار إليه الحديث الشريف، ومنذ طفولته كان حلم محمد هان (الفاتح) هو دك أسوار المدينة التي هي مفتاح أوروبا وامتداد الفتوحات الإسلامية لها لبناء الدولة الإسلامية الكبرى.
منذ استقدام السلطان مراد الثاني عالِم النبات والطب والصيدلة الصوفي محمد شمس الدين بن حمزة الشهير بـ”آق شمس الدين” ليُعلّم ابنه الصغير (محمد) أصول العلوم والدين، اكتشف العالِم حلم الطفل الصغير، وسر تعلقه بالمدافع الضخمة، وهدفه من بناء أسوار القسطنطينية في حجرته بقصر الخلافة.
يُعَد آق شمس الدين هو الأب المعنوي لفتح القسطنطينية الذي تم في 31 مايو/أيار 1453، بعد محاولات عديدة كان آخرها قبل هذا التاريخ بسنوات عدة، حينما حاصر مراد الثاني المدينة ولكنه فشل بسبب قوة أسوارها التي دُكت على يد الأمير الصغير الذي كان في الثالثة والعشرين من عمره حينما دخلها.
الفتح العظيم، كما يُطلَق على الحدث، هو محور عملين أُنتجا في الدراما التركية، الأول هو مسلسل (الفتح العظيم) الذي بدأ عرضه منذ أشهر على شاشة التلفزيون الحكومي التركي (TRT)، ويتناول قصة حياة محمد الفاتح منذ طفولته، واستدعاء السلطان مراد الثاني الشيخ آق شمس الدين لتعليمه حتى فتح القسطنطينية (إسطنبول).
أما العمل الثاني الذي يتناول الحدث، فهو فيلم (الفاتح محمد 1453) الذي أنتجته السينما التركية عام 2012، من إنتاج وإخراج فاروق أكصوي، وشارك فيه عدد من الممثلين أصحاب الشهرة في الدراما التركية.
يتناول الفيلم الأحداث من وفاة السلطان مراد الثاني، وتولي محمد ابنه الأصغر الخلافة حتى دخول محمد الفاتح المدينة وكنيسة آيا صوفيا، وكان محمد قد أصبح ولي العهد بعد وفاة أخيه الأكبر مصطفى وهو صغير. ويُذكر أنه بعد وفاة الأمير دخل مراد الثاني في عزلة، وفي تلك الأثناء كان محمد في عمر الثانية عشرة، فتولى الحكم وسط معارك عديدة، ورغم نبوغ الفتى فإن مستشاري السلطان ضغطوا عليه ليعود إلى الحكم ويعزل ابنه حتى توليه الحكم بعد وفاته في عام 1451.
معضلة الفتح
كان أهم ما واجه السلطان محمد الفاتح في معركة القسطنطينية أسوار المدينة التي لم تستطع أي قذائف مدفعية تحطيمها والدخول إليها، فكان عليه أن يستعين بمن يستطيع أن يصنع له مدافع البازيليك الضخمة لكي يقتحم الأسوار، فاستعان بالمهندس أوريان أحد المهندسين المسيحيين لينفذ خطته في عمل المدافع.
كان العائق الثاني في تلك الحملة التي بدأت بمجرد توليه الحكم هو صراع الأمراء العثمانيين على الحكم، وخاصة عمه الأمير أورجان بن الغازي عثمان الذي تحالف مع قسطنطين ملك القسطنطينية من أجل توليه الحكم، وكذلك طمع حكام الولايات العثمانية في توسيع ولاياتهم، وطمعهم في السلطان الشاب الذي سوف ينهيه حلمه بفتح التفاحة الحمراء (القسطنطينية).
كانت المدينة مفتاح أوروبا، فتحالفت كل الدول الأوروبية ضد فتحها، الإنجليز والفرنسيون والبابا في روما، حتى المجر وبلغاريا المتحالفتان مع الدولة العثمانية أيضًا، اتحدوا جميعهم ضد السلطان محمد في غزوته لفتح المدينة، فالخوف من استمرار غزوات العثمانيين على أوروبا جمع كل الأعداء في الداخل والخارج الأوروبي، حتى أن البابا أقنع قسطنطين الملك باتحاد المذهب الكاثوليكي والأرثوذكسي معًا في مواجهة الجيش العثماني.
منذ لحظة توليه السلطة، بدأ السلطان محمد خان الاستعداد للفتح ببناء أسطول بحري كبير ليكون قوة بحرية في البحر الأسود وخليج القرم، واستعان بكل من يستطيع أن ينفذ خطته في عمل المدافع الجديدة التي تستطيع دك أسوار المدينة التي عجزت كل المدافع السابقة عن تحطيمها، عامان من العمل الشاق من أجل الفوز بالفتح.
قام محمد الفاتح ببناء قلعة عثمانية في خليج القرم ليبدأ حصار القسطنطينية، وإيقاف السفن القادمة من البحر الأسود إلى أوروبا والمدينة، وبذلك تحولت الدول جميعًا ضده، وكان عليها أن تقوم بتحطيم الأسطول العثماني وإحراقه، وكانت تلك أولى الصعوبات التي واجهت الأمير الشاب، وفي المقال القادم نتناول قصة الهزائم التي لا تقف في سبيل الانتصار في المعارك الكبرى، وكيف تخطى السلطان الشاب بحلمه الكبير الانكسارات والخسائر ليصل إلى هدفه ويحقق أحلامه.
ثلاث ساعات من المتعة الفكرية والبصرية، من العمل على النصر والسعي له بالإيمان والعلم، إلى النضال من أجل الاستعداد، من هزائم كبيرة وتضحيات كبرى في ساحة المعارك، وخسائر لا يحتملها مرجف أو مستسلم، إلى نصر كبير وفتح أكبر لا يقف أمامه حجم الخسائر ولا الهزائم، بل القيمة الكبرى في الانتصار، وعمادها الإيمان والعمل والتضحيات. إنها قيمة الدراما والأعمال السينمائية التاريخية التي تهتم بها الدولة التركية، وتقدمها الآن لشعبها والشعوب الإسلامية لتنمية روح الانتصار.
