هيكل والأهرام.. أسئلة دون إجابات!

ليست “الأهرام” هي تلك المباني الكبيرة للمؤسسة العريقة في وسط العاصمة المصرية القاهرة، وليست أوراق الصحيفة التي قلَّ عددها وغاض عتادها، ولكنها المعاني المُركبة التي تحملها صورة الأهرامات الثلاثة بلون أحمر مميَّز وتتصدر الجريدة التي أُسست قبل 148 عامًا. الأهرام هي نموذج فقط لأحوال الصحافة يطل علينا بمناسبة مرور مئة عام على ميلاد رئيس تحريرها الأشهر محمد حسنين هيكل.
قصة الصحفي محمد حسنين هيكل مع جريدة الأهرام فيها من الدروس والعبر، ما يستلزم إحاطة بالتفاصيل وإلمامًا بالمحيط الذي ازدهرت فيه، ورصدًا للقمم التي لامستها، وللقيعان التي تجنبتها، وأخيرًا أسئلة مطروحة، وقياسًا لازمًا على أوضاع مهنة تراجعت وسقطت في غياهب السلطة خادمة مطيعة، وليست ناصحة مشيرة، حاملة للمباخر لا مشاعل التنوير.
لم يكن جمال عبد الناصر متحمسًا لانتقال هيكل إلى الأهرام، بل كان يريده أن يتولى رئاسة تحرير جريدة الجمهورية التي أنشأتها الثورة سنة 1954، لكن هيكل رفض مفسرًا “لم أكن متحمسًا للعمل في جريدة ثورة، وإنما كانت حماستي لجريدة طبيعية لها أصحاب وقراء”.
كان هذا موقف البداية، لكنه أيضًا كان موقف النهاية بالأهرام سنة 1974، عندما أصدر الرئيس أنور السادات قرارًا بتعيين هيكل -الذي اختلف معه- مساعدًا لرئيس الجمهورية، لكن الكاتب الأبرز في عصره رفض مُقرًّا بحق السادات في أن يبعده عن الأهرام باعتبارات السلطة، لكنه تمسَّك بأنه ليس من حقه أن يختار له أين يعمل باعتبارات الكرامة واستقلال القرار، وكان أن رفض هيكل العمل في رئاسة الجمهورية ليصبح “الجورنالجي” طليقًا ليس فقط خارج مناصب السياسة ولكن أيضا بعيدًا عن مواقع الصحافة، ليطل علينا السؤال الأول: كم رئيس تحرير في عالمنا العربي يستطيع أن يقول لا للرئيس (أي رئيس) في أمر يتعلق بمستقبله وحياته المهنية؟ وما بالنا بطرح آراء جريئة وربما صادمة ودفع أثمان لمواقف وتوجهات لا تنسجم مع السلطة أو تتماهى معها، كما فعل هيكل مع السادات بصرف النظر عن تقييم أي منا لموقف الاثنين الرئيس والكاتب.
أهرام تقلا
منذ أُسست جريدة الأهرام سنة 1875، كانت الصحيفة المحافظة تُعرف بـ”أهرام تقلا” إشارة إلى الأخوين المؤسسين سليم وبشارة، لكنها تحولت خلال سنوات إلى “أهرام هيكل” منذ تولى رئاسة تحريرها الصحفي الصاعد بقوة وقتها محمد حسنين هيكل الذي كان رئيسًا لتحرير مجلة “آخر ساعة” حتى عام 1956، عندما التقاه أحد المساهمين في الأهرام، وطلب منه أن يتولى رئاسة تحرير الجريدة القديمة التي كانت مثقلة بالديون وتتسبب في خسارة لمُلاكها، لكن عقدًا تم توقيعه بالأحرف الأولى لم يبدأ إلا بعد عام كامل في صيف 1957، لتحدث النقلة الأهم في حياة هيكل والأنجح في تاريخ الأهرام، ليثور تساؤل ثانٍ لا مجال لمناقشته باستفاضة الآن عن نمط ملكية الصحف في العالم العربي عمومًا وفي مصر خصوصًا، ومدى تأثيرها في جودة المهنة أو وجودها أصلًا، في أجواء لم تعد تُرحب سوى برأي واحد وتوجُّه وحيد.
التقط محمد حسنين هيكل (1923-2016) جريدة الأهرام من غيابات خسائر متوالية، وتوزيع متراجع، ومحتوى تقليدي لا تجديد فيه، وصعد بها وعبر صفحاتها خطوة خطوة، إلى درج المجد الصحفي، متكئًا على كتيبة من الصحفيين الشباب أتاح لهم فرصة الانطلاق والعمل خارج القوالب الجامدة، كما كان مقاله الأسبوعي تحت عنوان “بصراحة” محط اهتمام محلي اتسع بسرعة ليحظى بمتابعة الرأي العام العربي ثم تطاول ليلفت أنظار وكالات الأنباء العالمية وكبريات الصحف العالمية، ويكون المقال نفسه مصدرًا مهمًّا للأخبار، باعتبارات قرب كاتبه من مركز صنع القرار، أو بالأحرى مشاركته في صياغة القرار السياسي خلال عهد عبد الناصر ونحو 4 سنوات خلال عهد السادات بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي.
أصبح رئيس تحرير الأهرام لسان النظام وقلمه الأبرز، وفتحت علاقته الوثيقة بعبد الناصر الباب أمامه لسيل من المعلومات والوثائق، جعلت ما يطرحه في مقالاته ليست مجرد آراء تُطلق في سماء الصحافة، كطائر رخو لا يقوى على التحليق، وإنما سطور مصنوعة بمهنية شديدة، معبرة عن النظام وممهدة لسياساته ومعبدة لوعورة مسلكه، باحترافية شديدة تثير حسد الخصوم، ليتقدم السؤال الثالث عن الكاتب الذي يستطيع الآن تكرار تجربة هيكل في القرب من دوائر السلطة (أي سلطة) والدفاع بمنطق وإطلاع، والمشاركة بندية في توجيه السياسات، والتعبير عنها برصانة تخلو من الفجاجة والركاكة، وبمعلومات تتشح بالمصداقية، وبتأييد ليس فيه تزلف، وبهتاف عاقل دون نفاق، وبتصفيق ليس فيه ابتذال.
وخلال سبعة عشر عامًا، تربعت جريدة “الأهرام” على عرش الصحافة المصرية والعربية، حتى أن دائرة المعارف البريطانية وصفتها بأنها “نيويورك تايمز” العالم العربي، بسبب عمق التحليل ودقة الخبر وتنوع المقالات، ليطل السؤال الرابع: هل ظلت الأهرام التي تركها هيكل سنة 1974 تشبه “نيويورك تايمز” أو تقترب منها؟ وهل يمكن لدائرة المعارف البريطانية أن تستمر في تقييمها القديم لجريدة الأهرام في هذا العام الذي نحتفل فيه بمرور مئة عام على ميلاد “الأستاذ”؟
هيكل والوزارة
ظل هيكل وهو رئيس لتحرير الأهرام يقاوم الإغراءات من أجل أن يتولى منصبًا رسميًّا، وفي عام 1970، وهو العام ذاته الذي شهد وفاة عبد الناصر، وتحت ضغوط حرب الاستنزاف والموقف المتأزم بسبب استمرار احتلال سيناء، اضطر هيكل إلى قبول منصب وزير الإرشاد القومي (الإعلام) لكن بشرط ألا يبتعد عن الأهرام.
لم يكن هيكل ليقبل الوزارة ويترك مشروعه الذي اصطنعه، وأبان عن شدة تعلقه بتجربته الأهرامية في خطاب إلى عبد الناصر “أشعر وقد يكون في ذلك غرور، ألتمس منكم اغتفاره لي، أن وجودي في الأهرام في هذه المرحلة ضروري لاستمرار دوره، وحتى لو لم يكن ذلك صحيحًا، فإني أحب أن أتصوره”.
ويقفز إلى المتن سؤال خامس عن هرولة المثقفين وأصحاب الأقلام وانجذابهم وسعيهم نحو بريق مقاعد السلطة، بمجرد إشارة أو إيماءة أو طرفة عين، وكأنهم مسخرون جبرًا أو اختيارًا دونما اعتبار لما يمثلونه من قيمة إن وُجدت.
كانت هدايت تيمور هي “صاحبة الجلالة” الحقيقية في حياة محمد حسنين هيكل، وكانت جنديًا قرر أن يظل مجهولًا دون نصب تذكاري، وارتضت أن تتوارى كثيرًا وطويلًا خلف راية “مشروع هيكل”، ولم يُعرف لها أي ظهور في حياته تحت الأضواء منذ التقته لأول مرة في دار أخبار اليوم سنة 1953.
لكن الفتاة التي عرفها هيكل متطوعة في نشاط اجتماعي وأصبحت زوجته لأكثر من ستة عقود، أطلت بعد وفاته في 2016 وفاءً للذكرى وإحياءً للقصة وتوثيقًا للتراث.
كان هيكل بعيدًا عن الضعف أمام إغراءات المال والجنس، باعتراف الإسرائيليين أنفسهم، فقد حاول جهاز المخابرات الإسرائيلية “الموساد” السعي لإقناع هيكل بالاجتماع مع مسؤولين إسرائيليين، لكنه فشل.
وصف “أمير أورين” الكاتب في صحيفة هاآرتس الإسرائيلية هيكل بأنه “لم يكن من النوعية التي يمكن أن يغريها المال، ولا يوجد شيء يشير إلى إمكانية ابتزازه”، في إشارة إلى سلاح الجنس المشهور عن “الموساد” استخدامه.
إن سؤالا سادسًا يتسلل همسًا وخجلًا عن شبكات العلاقات والصلات بالأجهزة والأفراد حول أصحاب الأقلام والميكروفونات هنا وهناك، وهو حديث ذو شجون لا يتسع له المجال هنا.

