الآثار السلبية لانخفاض التصنيف الائتماني المصري

شهد العام الحالي خفض كل من وكالتي التصنيف موديز وفيتش التصنيف الائتماني لمصر، وهو الخفض الذي يحدث للمرة الأولى منذ عام 2013، كما عدلت وكالة استاندر آند بورز النظرة المستقبلية لمصر من “مستقر” إلى “سلبي”، ولم تكتف موديز بخفض تصنيف مصر بل وضعتها قيد المراجعة للخفض حتى نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

ونظرا إلى مجيء موعد إعلان المراجعة لموديز قبل الانتخابات الرئاسية المصرية، وهي الانتخابات التي أجلت تنفيذ مرونة سعر الصرف التي يشترطها صندوق النقد الدولي، لإجراء المراجعة الدورية المؤجلة منذ شهر مارس/ آذار الماضي، فقد تسبب استمرار نقص العملات الأجنبية، وصعوبة قيام المستثمرين الأجانب في مصر بتحويل أرباحهم إلى بلدانهم الأصلية، في إعلان عدة مؤسسات دولية عن اتجاهها إلى خفض تصنيفها للأسواق المصرية.

فقد أعلنت مؤسسة مورغان استانلي في يونيو/ حزيران الماضي، احتمال إعادة تصنيف السوق المصرية من ناشئة إلى مبتدئة أو مستقلة، وفي نفس الشهر أعلنت شركة مؤشرات الأسهم العالمية إم إس سي آي، إعادة تصنيف مؤشراتها لمصر من ناشئة إلى مبتدئة أو مستقلة، وفي الشهر الماضي أعلنت جي بي مورغان النظر في استمرار إدراجها للسندات المصرية في مؤشرها للسندات للأسواق الناشئة.

وفي الشهر الماضي أيضا قالت شركة فوتسي راسل لمؤشرات الأسهم العالمية، إنها من المحتمل أن تنقل مصر من الأسواق الناشئة إلى غير المصنفة، وفي الشهر الحالي قام بنك مورغان استانلي بالفعل بخفض نظرته إلى أدوات الدين الحكومية المصرية، من موقف الحياد إلى موقف عدم التحبيذ.

 آثار سلبية على الأسهم والسندات

ويظل السؤال حول الآثار السلبية لتلك القرارات المتتالية من قبل تلك المؤسسات، على الأسهم والسندات الخارجية المصرية، حيث توجد الأسهم المصرية بنسبة قليلة داخل مؤشر مورغان استانلي، وهو المؤشر الذي تعتمد عليه صناديق استثمار وصناديق معاشات أجنبية، لتكوين محافظ مالية بنفس نسب مكونات المؤشر.

ومن هنا فإن استبعاد مصر منها يقلل من استثمار تلك الصناديق بالأسهم المصرية، كما ينعكس سلبا على شهادات الإيداع الدولية لعدد من الشركات المصرية المطروحة ببورصات خارجية، ويساهم في عزوف الأجانب عن الاستثمار بالبورصة المصرية، ويجعل من الصعب تنفيذ برنامج طروحات الشركات الحكومية المصرية من خلال البورصة.

ونفس الأثر السلبي مع خفض مورغان استانلي لنظرتها للسندات المصرية المطروحة بالخارج، من موقف الحياد إلى موقف عدم التحبيذ للاقتناء، خاصة أن السندات تعاني أصلا منذ العام الماضي، انخفض قيمتها السوقية عن قيمتها الاسمية التي صدرت بها، خاصة السندات الطويلة الأجل التي يصل أجلها إلى 30 سنة و40 سنة، والتي استمرت في الانخفاض خلال العام الحالي، وهو الانخفاض الذي جاء نتيجة خفض وكالتي التصنيف الائتماني موديز وفيتش تصنيفها لمصر.

ولهذا يتطلب الأمر التعرف على تصنيف مصر الحالي لدى وكالات التصنيف الائتماني الثلاث الرئيسية بالعالم، حيث تضع تلك الوكالات تصنيفات للدول تتراوح بين: أعلى درجة وتأخذ رمز (أ أ أ) وتعني أفضل حالة للقدرة على سداد التزامات القروض من فوائد وأقساط، وتتعدد رموز التصنيف بعد ذلك من (+ أ أ) حتى تنتهي برمز (د)، الذي يشير إلى حالة من التعثر وعدم القدرة على سداد القروض، ويصل عدد درجات التصنيف إلى 22 درجة، تأخذ كل منها نسبة مئوية تبدأ بنسبة 100% لرمز (أأأ)، وتنتهي بنسبة صفر بالمائة لرمز (د).

     درجة مصر 25% حسب موديز حاليا

ويختلف مركز تصنيف مصر الحالي حسب تلك الوكالات، فهي حسب وكالة موديز بعد خفض تصنيفها، وصلت إلى رمز (ب 3) تحت المراجعة للخفض، وهو ما يمثل المرتبة الخامسة عشرة من بين المراتب الاثنتين والعشرين، وتأخذ درجة 25%.

أما مركز تصنيف مصر حاليا لدى وكالتي استاندر آند بورز وفيتش، فهو (- ب) أي أنها في المرتبة السادسة عشرة من المراتب الاثنتين والعشرين، لتصل درجتها إلى 30%.

ومراتب التصنيف الاثنتين والعشرين لدى الوكالات الثلاث تنقسم إلى قسمين هما: درجة الاستثمار التي تخص المراتب من الأولى حتى العاشرة، أي من درجات (أأأ) حتى ( _ بي بي بي )، والنوع الثاني هو درجة المضاربة التي تبدأ من المرتبة الحادية عشرة وما يليها، وتعني درجة الاستثمار أن تلك الدولة صالحة للاستثمار في أدوات دينها وفي أنشطتها الاقتصادية، في حين تعني درجة المضاربة أن من يستثمر في هذا البلد هو أقرب إلى المغامر، لأن أمواله معرضة للخطر أي أنها توجه إلى عدم الاستثمار بذلك البلد، سواء في ما يطرحه من أدوات دين كالسندات والصكوك، أو الاستثمار في أسهم شركاته أو في الأنشطة الاقتصادية به.

ويقع ترتيب مصر داخل قسم المضاربة منذ سنوات، وهي تحتاج إلى الصعود ست درجات حتى تصل إلى القسم الاستثماري حسب تصنيف موديز لها، كما تحتاج إلى الصعود خمس درجات حتى تصل إلى الدرجة الاستثمارية، وهو ما يعد أمرا بالغ الصعوبة في الوقت الحالي.

وعادة ما تلحق وكالات التصنيف بتصنيفها للبلد بنظرتها المستقبلية له، على المدى المتوسط الذي يتراوح بين ستة أشهر و24 شهرا، وهي النظرة التي تأخذ ثلاثة أشكال: تبدأ من النظرة الإيجابية التي تعد الفضلى، وتليها النظرة المستقبلية المستقرة، وفي المؤخرة تأتي النظرة المستقبلية السلبية.

    نظرة مستقبلية سلبية لدى استاندر وفيتش

وها هي النظرة المستقبلية لمصر لدى وكالتي التصنيف استاندر آند بورز وفيتش تصبح نظرة سلبية، أي أنها نظرة متشائمة، وقد وضعت موديز مصر تحت المراجعة للخفض أي استعدادا لخفض درجة تصنيفها الشهر المقبل، رغم تدني تصنيفها لديها حاليا.

من كل ما سبق تتضح الآثار السلبية لتدني تصنيف مصر لدى وكالات التصنيف الائتماني الثلاث، حيث يعزف الموردون لمصر عن منح تسهيلات للمستوردين المصريين، ويطلبون السداد الكامل المسبق للصفقات قبل شحن البضائع، كما ترتفع قيمة التأمين على البضائع المستوردة، وتطلب البنوك الأجنبية فوائد أعلى في حالة إقراضها لمصر، بإضافة نسبة فائدة نظير المخاطرة التي تتحملها.

كذلك يصعب على مصر دخول أسواق الدين الدولية كما فعلت عقب اتفاقها مع صندوق النقد الدولي عام 2016، وطرحها حينذاك العديد من إصدارات السندات بالخارج خلال السنوات التالية للاتفاق، لكنها لم تستطع طرح سندات بالأسواق الدولية منذ اتفاقها الأخير مع صندوق النقد الدولي نهاية العام الماضي، واقتصر الأمر على طرح صكوك سيادية مضمونة بأصول حكومية في فبراير/ شباط الماضي، مدة ثلاث سنوات بفائدة تقترب من نسبة 11% بقيمة 1.5 مليار دولار.

وذلك بعد أن كانت فائدة السندات التي طرحتها عام 2019 مدة أربع سنوات تقل عن نسبة 5%، حيث تسبب انخفاض التصنيف السيادي لمصر، في ارتفاع سعر الفائدة التي يقبل بها المستثمر لشراء تلك الصكوك، سواء من قبل صناديق الاستثمار أو صناديق المعاشات أو المؤسسات الأجنبية المختلفة.

وها هو المستثمر الأجنبي في الوقت الحالي يطلب فائدة على السندات المصرية المطروحة بالخارج بنسبة 11.7%، أعلى من الفائدة المتاحة على سندات الخزانة الأمريكية، وهو ما يسمى عائد هامش المخاطرة، نظرا إلى ارتفاع مخاطر الاستثمار بالسندات الخارجية المصرية.

وذلك نتيجة لزيادة توقعات عدم استطاعة الحكومة المصرية سداد فوائدها المستحقة في المواعيد المقررة، وسداد قيمة أصل السندات بعد حلول أجل استحقاقها، حيث إنه مطلوب منها سداد فوائد وأقساط ديون خارجية متوسطة وطويلة الأجل بقيمة 29 مليار دولار العام المقبل، فضلا عن فوائد وأقساط القروض القصيرة الأجل.

وربما يتساءل البعض: كيف يحقق المستثمر تلك الفوائد العالية من السندات المصرية رغم أنها ثابتة العائد عند إصدارها وحتى موعد استحقاقها؟

يتأتى ذلك بانخفاض قيمة شراء تلك السندات عن سعر طرحها، فإذا كان العائد المقرر على السندات 8% عند إصدارها بقيمة مئة دولار للسند، فإنه يشتري نفس تلك السندات بقيمة خمسين دولار للسند.

وهنا فإن حصوله على العائد الثابت البالغ 8%، يعني حصوله على عائد 16% من نفس تلك السندات، حيث حصل على ثمانية دولارات كعائد، وبقسمة هذا العائد على الخمسين دولارا التي دفعها يصل عائده إلى 16%، وهو العائد الذي لا يرضى المتعاملون بأقل منه حاليا للسندات المصرية الطويلة الأجل الموجودة بالخارج.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان