الفقراء والمجرمون.. مخزون استراتيجي للأنظمة الديكتاتورية

الفنانة عبلة كامل في فيلم «خالتي فرنسا»

بدا واضحًا أن الأنظمة الديكتاتورية اكتشفت القيمة الكبيرة للفقراء والمجرمين في آن واحد، كونهم كنزًا ثمينًا، أو مخزونًا استراتيجيًا، قررت الاستفادة منهم، بالتالي لم يعد هناك مبرر لتقليص أعدادهم أو الحد من وجودهم، العكس هو الصحيح، أصبحت هناك تنمية في قدراتهم، قدرات الفقر والجريمة، يجب أن تستمر هذه الحالة في الأقاليم كلها، في الأحياء كلها، في كل شارع، هم في حقيقة الأمر قوة كبيرة، على غرار قوات “فاغنر” في روسيا، أو الدعم السريع في السودان، وإن اختلف الشكل، قوة موازية للقوات الرسمية، مناهضة للحركات الشعبية بشكل خاص.

المواطنون الشرفاء

في مصر على سبيل المثال، يطلقون عليهم (المواطنون الشرفاء)، هذا المسمى جاء على لسان السلطة الرسمية في أعقاب قيام هؤلاء وأولئك بالاعتداء ذات يوم على متظاهرين، وبعد اتهامات من المتظاهرين بأنهم “بلطجية” يعملون لحساب جهات الأمن، خرج من يعلن أنهم مواطنون شرفاء يدافعون عن الوطن، إلا أن الصور “الفوتوغرافية والفيديوهات” كانت كاشفة لكل حالة على حدة، ما بين فقير يعمل في مقابل الطعام، ومسجل خطر ينفّذ التعليمات في مقابل التستر على جرائمه والأحكام الصادرة بشأنه.

سوق المواطنين الشرفاء في مصر يزدهر في المواسم السياسية، مزدهر هذه الأيام أمام مقار الشهر العقاري حيث توكيلات المرشحين للرئاسة، لن تشاهدهم داخل هذا المقر أو ذاك، لأن هدفهم ليس التوكيل، إنما إعاقة من يريدون عمل توكيلات للمنافسين، سوف يتحرشون بك، سوف تسمع منهم ألفاظًا نابية سبًا ولعنًا، سوف تتعرض للضرب المبرح إذا اقتضى الأمر، تمامًا مثلما يفعلون أمام اللجان الانتخابية في الماضي والحاضر والمستقبل، إلا إنهم خلال أيام الانتخابات يحصلون على أموال سخية، قد تصل يومية أحدهم أو إحداهن إلى أكثر من 1000 من الجنيهات.

الدراما المصرية تناولت هذه الحالات بوضوح، منذ عام 2004، فيلم (خالتي فرنسا) للكاتب بلال فضل كان كاشفًا، بطولة الفنانة الكبيرة عبلة كامل، والفنان عمرو واكد، والممثلة منى زكي، كان الفيلم نموذجًا صارخًا لهذه الآفة التي أصبحت جزءًا من الحالة السياسية، اختلطت فيها -كما جاء في الفيلم- أعمال “البلطجة” مع تواطؤ الأمن، مع المال الفاسد لرجال الأعمال، مع وهن الشارع، على الرغم من أنها لم تكن في ذلك الوقت قد أصبحت ظاهرة أو حالة عامة كما هو الوضع حاليًا، إلا إنه يحسب لنظام ما قبل 25 يناير 2011 أنه كان يوافق أو حتى يتغاضى عن إنتاج مثل هذه الأفلام، التي يستحيل مجرد التفكير في تكرارها الآن.

في الماضي كان (المواطنون الشرفاء) مجرد مجموعات تعمل لحساب الشرطة وتحديدًا الأمن العام، الآن تستطيع أن تجزم بأن كيانات رسمية عديدة أصبحت تستخدم هؤلاء وأولئك، حتى الأحزاب السياسية أصبحت تستخدمهم، أحزاب السلطة بالتأكيد، من هنا غابت أجهزة الأمن الرسمية عن مشهد الشهر العقاري، لم يتدخل الأمن من قريب أو بعيد، لم يمنع أحدًا ولم يعتد على أحد، المشهد نفسه قد نراه في الانتخابات، المسؤولية أصبحت ملقاة على عاتق الفقراء يرفعون الصور ويهتفون ويهللون، أما المسجلون خطرًا فيمنعون الناخبين من الوصول إلى اللجان الانتخابية ويتشاجرون ويعتدون.

حدث ولا حرج

خلال أحداث 25 يناير 2011 كانت الأرقام الرسمية تتحدث عن ما يزيد على 200 ألف مسجل خطر في بر مصر، كان لمعظمهم دور كبير في أحداث السرقة والنهب والقتل والحرق، خصوصًا بعد هروب عدد كبير منهم من السجون، وهو الأمر الذي فاقم من حالة العنف في الشارع، التي استمرت سنوات عدة فيما بعد ذلك، إلى أن تم إلقاء القبض على الغالبية العظمى منهم، وإعادتهم إلى السجون مرة أخرى، وتحدثت الوزارة في عام 2015 عن فحص وإلقاء القبض على 120 ألف مسجل خطر، بعد مقتل 138 شرطيًا في ذلك العام، وكان المسجلون خطرًا هم المتهم الأول.

أما عن الفقراء من قاطني المناطق العشوائية بشكل خاص، فحدث ولا حرج، خصوصًا مع تزايد نسبة الفقر والفقراء إلى أعلى مستوياتها في السنوات الأخيرة، بما يصل إلى 66% حسب بعض الإحصائيات، وهو ما جعل من “كرتونة” صغيرة معبأة بالمواد الغذائية مصدر سعادة للغالبية العظمى منهم، ونشاهدهم يتناحرون فيما بينهم في زحام الحصول على “الكرتونة”، فما بالنا إذا تعلق الأمر بمئات عدة من الجنيهات مقابل الحضور أمام اللجان الانتخابية طوال اليوم، أو افتعال مشاجرة هنا والاعتداء على أحد المرشحين هناك.

في الأحوال كلها نحن أمام سلوك رسمي لا أخلاقي من الوجوه كلها، وهو المتعلق باستغلال فقر الفقراء، لتحقيق مكاسب سياسية، أو استغلال “البلطجية” للاعتداء على منافسين ومناوئين في غياب العدالة والقانون، والأهم هو تصدير مثل هذا السلوك للتعاملات اليومية بين طوائف الأمة، سوف نراه أمرًا طبيعيًا في الأنشطة التجارية والصناعية أو حتى الرياضية، وتحت ستار رسمي أيضًا، يطلق عليه شركات الأمن، والحراسة، والخبرة الشرطية، والاستشارات الأمنية، وما شابه ذلك، ولا عجب أن نسمع عن “بلطجية” قاموا بتأسيس مثل تلك الشركات، أو شرائها، أو حتى يعملون فيها.

على أية حال، قد نكون أمام عملية مخاض تمر بها دائمًا الأنظمة التي تفتقد إلى الديمقراطية، إلا أن الخطير في الأمر، هو مدى ضمان عبور مثل هذه المرحلة دون خسائر كبيرة على المستويات كلها، في ظل وجود هذه النسبة المرتفعة من الفقر، وهذا العدد الكبير من المجرمين، بعد تأهيلهم على المستوى الرسمي للصدام والتخريب، وعدم اعتدادهم بالقوانين أو بالأعراف، وهو ما يجعلنا على شفا جرف هار، قد يهوي بالجميع بين عشية وضحاها.. وهو الخطر الأعظم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان