الكسل والوحدة والتقاعد: يقصفون العمر

 

(1) الأمنية الناقصة

“عقبال 100 سنة” عبارة نرددها في أعياد الميلاد، كأمنية نهديها لصاحبه.

100 عام والرقم الذي نظن أنه الأطول بالنسبة لمعظمنا، رغم أن هناك معمرين تجاوزوه، لكنه يظل رقمًا كبيرًا لا يظن أغلب الناس أنه من الممكن الوصول إليه بصحة وعافية، فأمراض الشيخوخة تهاجمنا قبل بلوغ سن المئة، والعلم يدرس كيفية محاربة الشيخوخة ووقف تأثيرها الهدام في خلايا الجسد، ليصل الناس إلى هذه المرحلة العمرية دون معاناة يحتاجون معها لعناية مستمرة وأنفاق مالي. العمر الطويل من دون صحة يتحول إلى مأساة، تعبّر عنه قصة إغريقية قديمة مفادها أن “زيوس” كبير الآلهة التقى يومًا بسيدة قدّمت له معروفًا، وأراد أن يرده إليها، فطلب منها أن تتمنى أمنية، فطلبت العمر الطويل. قبض “زيوس” بيده على حفنة رمل، وقال لها: ستعيشين بعدد حبات هذا الرمل. بعد سنوات طويلة التقى بها مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت عجوزًا تندب حظها العثر بسبب أوجاع الشيخوخة ووهن العظام وتشكو من الحياة الأبدية، واكتشفت السيدة أنها أخطأت حين تمنت العمر الطويل دون أن تقرنه بالصحة.

هذه القصة المقصد منها أن العمر الطويل وحده أمنية ناقصة إن لم تصاحبه الصحة.

(2) معمرون أصحاء

دان بيوتنر (63 عامًا) مستكشف أمريكي ومنتج ومؤلف لعدد من الكتب الشهيرة، ويحمل ثلاثة أرقام قياسية في موسوعة “غينيس” لركوب الدراجات للمسافات الطويلة.

تذكرني مسيرته الحياتية بالرحالة القدماء من أمثال ابن بطوطة، هؤلاء الراغبون في المعرفة عن طريق السفر وتدوين الملاحظات الدقيقة، ولقد قام بالعديد من الرحلات الاستكشافية بالتعاون مع مجلة “ناشيونال جيوغرافيك”. منصة “نتفلكس” عرضت له مؤخرًا مسلسلًا وثائقيًا من أربع حلقات يعرض لنا فيها “بيوتنر” ملاحظاته حول مناطق عدة في العالم يعيش فيها أطول الأشخاص عمرًا وأحسنهم صحة. الحلقات تصوّر لنا هذه المجتمعات حيث نعيش أسلوب حياة الناس هناك، وفي النهاية يستخلص لنا “بيوتنر” النتائج حول لماذا يتمتع سكان هذه المناطق بالعمر الطويل والصحة؟ وهو يعمل على هذا المشروع منذ عام 2003، وأصدر كتابًا عام 2008 بعنوان “المناطق الزرقاء: دروس للعيش لفترة أطول، أصبح من أكثر الكتب مبيعًا في “نيويورك تايمز”. بعدها وسع هذه المناطق لتضم: إيكاريا (في اليونان)، وأوكيناوا (اليابان)، وسردينيا (إيطاليا)، ولوما ليندا (كاليفورنيا)، ونيكويا (كوستاريكا)، وهي الأماكن التي عرضها عبر هذه السلسة الوثائقية، وعنوانها “العيش لمئة عام: أسرار المناطق الزرقاء” (Live to 100: Secrets of the Blue Zones)، والنتائج التي توصل إليها، خلال رحلاته بين هذه المجتمعات، الكاتب لا يقدم لنا حقائق علمية راسخة، لكن ملاحظات إرشادية ترصد نمط حياة هذه المجتمعات التي لم تخطط إراديًا لحياة طويلة وصحية، ولكن عاش سكانها  بعفوية وطبقًا لعاداتهم التي جاءت منسجمة مع بيئتهم الجغرافية، ورغم تباعد هذه المناطق جغرافيًا كان هناك عوامل مشتركة بينهم.

(3) القواسم المشتركة لطول العمر والصحة

هذه المناطق عدا “لوما ليندا” في أمريكا، مناطق بعيدة نسبيًا عن الحياة المدنية الصاخبة، تتميز فيها الحياة بالإيقاع البطيء والبساطة، وما زال سكانها يقومون بمعظم الأعمال يدويًا ويعيشون بأسلوب أجدادهم نفسه سواء في نوعية التغذية أو الحرف المتوارثة، فهي مجتمعات بعيدة عن الوفرة والرفاهية بمعناها الحديث، مجتمعات تكافلية، ليس فيها صراع بين الأجيال، بل تواصل ومحبة ووفاء، كل جيل يعرف دوره ويقدم عطاءه  للآخر بأريحية، وفي “لوما ليندا”  يعوض ذلك تغلّب النزعة التطوعية، وكذلك المشاركة المجتمعية في الاهتمام بالصحة العامة عن طريق ممارسة الرياضة التي يعوضها سكان المناطق الأربع الأخرى بالأنشطة البدنية: المشي لمسافات طويلة، الاعتناء بالحدائق الخاصة، صعود مرتفعات ونزول منحدرات بسبب الطبيعية الجبلية للمنطقة مثلًا، القيام بخدمات المنزل جميعها يدويًا، وهناك نقطة مهمة جدًا، أن الجميع في هذه المجتمعات يشعر أن له دورًا ومنفعة، فليس هناك في هذه المناطق سن للتقاعد، معناه ليس لديهم أن دورك انتهى وعطاءك للمجتمع قد توقف، إذن ماذا يتبقى لنعيش من أجله؟ الطعام في هذه المناطق من البيئة التي يعيشون فيها، وهم يبتعدون عن الأطعمة المصنعة والنكهات المخلقة، لا أحد في هذه المناطق يأكل إلى حد التخمة، كما يحدث في مجتمعات الوفرة والرفاهة في البلدان المتقدمة مثل أمريكا التي تنتشر فيها السمنة وأمراض القلب وغيرها. التوتر في هذه المناطق محدود ويمكن السيطرة عليه، الحياة البسيطة التي يعيشها سكان هذه المجتمعات لا تقدم لهم تحديات لا يستطيعون التحكم فيها مثل المدن الكبرى، يشعر الإنسان هناك باليقين والتعاطف، وأنه ليس وحده، وكل هذه المشاعر تؤدي إلى التوازن النفسي الذي له نتائج إيجابية على صحة الإنسان وطول عمره.

(4) قرية بلا قلب

بعيدًا عن المناطق الزرقاء، نجد العالم يعيش في صخب شديد نتيجة تعرض الناس لطوفان من الأخبار والمعلومات عن طريق شبكة الإنترنت التي جعلت من العالم قرية صغيرة، لكن بلا قلب ولا تكافل. نعيش أخطر تناقض عرفته الحضارة الإنسانية، فلقد أصبح الناس أكثر قربًا افتراضيًا وأبعد مسافة واقعيًا، نعيش حَيَوات الآخرين بأدق تفاصيلها عبر مواقع التواصل، وفي المقابل نغفل حياتنا الخاصة ونتجاهل حياة أقرب الناس إلينا، الكل لديه فضول ويوفر الوقت لمعرفة ما يدور من حوله، وفي المقابل عاجز عن توفير هذا الوقت لنفسه ولأقرب الناس إليه، فيعيش وحيدًا وسط الزحام ويعوض خسارته الإنسانية في الانغماس في الاستهلاك المادي.

ألم يحن الوقت لمراجعة أسلوب حياتنا؟ ليصبح أكثر إنسانية وصحة، لنردد عبارة “عقبال” 100 سنة مضافًا إليها بصحة وعافية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان