خمسون عاما على نصر أكتوبر.. أين الوثائق؟

في مثل هذه الأيام قبل ربع قرن حضرت الندوة الكبرى للقوات المسلحة المصرية بمناسبة “اليوبيل” الفضي لنصر أكتوبر 1973، التي استمرت على مدى 3 أيام، واكبتها احتفالات أخرى وعروض عسكرية برية وبحرية وجوية تليق بتلك المناسبة، وزاد من ألق تلك الندوة والاحتفالات الأخرى مشاركة كبار قادة الحرب فيها أمثال المشير محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة العمليات في الحرب، وآخر وزير للحربية، وقادة الجيوش الميدانية فؤاد عزيز غالي، وعبد المنعم واصل وعبد المنعم خليل، وقادة ميدانيين آخرين مثل المشير أبو غزالة والفريق يوسف صبري أبو طالب، واللواء حسين طنطاوي، وتحسين شنن، إلخ.
كان المأمول أن تكون مناسبة “اليوبيل” الذهبي أكثر ألقًا، لكنها تحولت إلى مهرجانات انتخابية، ناهيك عن تغييب الموت لقادة الحرب، فأصبح المتاح إما ضباطًا كانوا في رتب صغيرة وقت الحرب، أو أنهم انضموا للخدمة العسكرية بعد نهاية الحرب.
مفخرة العسكرية الحديثة
نصر السادس من أكتوبر العاشر من رمضان 1973 هو بحق مفخرة العسكرية المصرية الحديثة، فقد جاء بعد سلسلة من الهزائم بدأت بنكبة 1948 التي كانت أحد أسباب تحرك ضباط مصريين للإطاحة بالحكم الملكي والانتقال إلى حكم جمهوري، ثم كانت هزيمة 1956 (العدوان السياسي) التي انتهت معاركها بإنذار أمريكي سوفيتي لدول العدوان، غير أن ما خفف من الهزيمة العسكرية هو الانتصار السياسي بانسحاب المعتدين، وغروب شمس الإمبراطورية البريطانية، ثم كانت الهزيمة المروعة في 1967 التي لا تزال مصر والأمة العربية تدفع “فواتيرها” حتى اليوم، وتبعتها معركة الاستنزاف التي كبدت مصر الكثير من الخسائر المادية والبشرية أيضًا.
يحلو للبعض اعتبار ما حدث في أكتوبر 1973 هزيمة للجيش المصري، بسبب ثغرة “الدفرسوار” التي مكنت جيش الاحتلال من العبور غرب القناة لمسافة أكثر من 100 كيلو متر، وحصار الجيش الثالث الميداني، بينما كانت القوات المصرية قد تقدمت شرق القناة باثني عشر كيلو مترًا فقط شرق قناة السويس، ولكن الحقيقة أن مثل هذه الثغرات تحدث أحيانًا في بعض الحروب، ويتم التعامل معها، والعبرة بالنتيجة النهائية للحرب، وقد كانت تحرير القوات المصرية لقناة السويس تمامًا والتمركز شرقها لتأمين الملاحة فيها التي عادت للتشغيل في العام 1975.
إنصاف السادات
بعد خمسين عامًا من الحرب أعتقد أن الرئيس السابق أنور السادات لم يكن يستحق كل ما تعرض له من تشويه، وقد كنت شخصيًا من معارضيه، وممن شاركوا في الحملات ضده، بالتأكيد للرجل أخطاؤه، فهو ككل البشر يخطئ ويصيب، وبالتأكيد كان الرجل متوترًا للغاية في سني حكمه الأخيرة، وترجم ذاك التوتر في قرارات فردية مثل زيارة إسرائيل وتوقيع معاهدة سلام منفرد معها، وقرارات انفعالية قمعية للأصوات المعارضة، لكن كل ذلك ما كان ينبغي أن ينسينا دوره الحاسم في تحقيق نصر أكتوبر الذي غسل عار الهزائم السابقة التي أذلت أعناقنا لعقود، كما أن السادات هو من فتح المجال السياسي ولو نسبيًا بعد إغلاق ممتد من العام 1952 وحتى منتصف السبعينيات، وهو من أطلق سراح آلاف السجناء السياسيين، إلخ.
بعد خمسين عامًا من الحرب لا تزال أسرارها مدفونة في أدراج غرف مغلقة، صحيح أن كثيرًا من قادة الحرب كتبوا مذكراتهم، ولكن تلك المذكرات نقلت جوانب من المشهد دون أخرى، فكل قائد نقل ما يخصه، أو ما علم به، لكن الوثائق الرسمية لا تزال حبيسة الأدراج، وليس هناك مبرر مقنع لاستمرار ذلك الحبس.
إتاحة الوثائق الإسرائيلية
لقد أفرجت إسرائيل مؤخرًا وفي المناسبة ذاتها (50 عامًا على الحرب) عن أرشيفها السري الكامل التزامًا بقانون التقادم لديها الذي يحدد 50 عامًا للوثائق السرية جدًا، ونشرت بالتالي روايتها المتكاملة المتماسكة عن الحرب، بينما لا نزال نحن نحتاج إلى رواية مصرية متماسكة أيضًا من خلال الوثائق الرسمية من محاضر جلسات وبرقيات، وأوامر قيادية، وخطط تحرك.. إلخ، لم يعد نشر تلك الوثائق خطرًا على الأمن القومي، ولم يعد مفيدًا للعدو، لكنه بالتأكيد مفيد لنا حتى نتعلم من تاريخنا ولا نكرر أخطاءنا، وحتى يستفيد ضباطنا الذين لم يشاركوا في تلك الحرب.
لم يشعر العدو الصهيوني بأي خطورة من نشر وثائقه السرية الكاملة عن الحرب، وجعلها متاحة للعامة لأول مرة، وهي تضم مئات الآلاف من الصفحات التي توثق لحظيًا الأحداث في المجالات جميعها: السياسية والعسكرية والدولية والعامة والمدنية، كما تتضمن محاضر مداولات الحكومة، المشاورات السياسية العسكرية (مجلس الوزراء الحربي)، مداولات لجان الكنيست (البرلمان)، مراسلات وزارة الخارجية، الوثائق العسكرية والسياسية والمدنية والشهادات والتقارير والمناقشات وتقييمات الوضع فيما يتعلق بسير الحرب والدفاع المدني وإعداد الجبهة الداخلية خلالها، بالإضافة إلى صور “فوتوغرافية” وتسجيلات صوتية وأفلام.
وثائق الحروب السابقة
الغريب أن الوثائق السرية لحرب أكتوبر ليست هي فقط التي لا تزال حبيسة الأدراج، بل حتى الوثائق السرية لحرب 1967 وحتى حرب 1956، أي أن الشعب المصري محروم من معرفة دقائق ما حدث في تلك الحروب الثلاثة، وهذا لا يحدث إلا في ظل نظم عسكرية تعد كل شيء أسرارًا لا يحق للمدنيين الاطلاع عليها، ولكن الغريب أن هذا الحظر يطال أيضًا العسكريين الذين لم يشاركوا في تلك الحروب، فيكررون أخطاء سابقيهم نفسها دون تعلم الدروس، ويدفع الوطن والشعب ضريبة ذلك كله.
