طوفان الأقصى.. أكتوبر وهزيمة جديدة لإسرائيل

سكان غزة يحتفلون بالاستيلاء على مركبة إسرائيلية

 

ما أشبه الليلة بالبارحة، فبعد خمسين عاما، وفي ذكرى نصر أكتوبر المجيد عام 1973، وعبور الجيش المصري قناة السويس، وتدمير خط بارليف، يأبى أكتوبر إلا أن يكون شهر الانتصارات، وشاهدا على هزيمة جديدة للاحتلال الإسرائيلي، ولكن هذه المرة على يد المقاومة الفلسطينية في غزة، عبر معركة تاريخية جديدة هي “طوفان الأقصى”، في فجر السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي عبرت خلالها المقاومة الفلسطينية إلى منطقة غلاف غزة، لتقوم بعملية غير مسبوقة على الإطلاق، أفقدت الاحتلال الإسرائيلي توازنه، ومثلت صدمة على جميع المستويات للاحتلال وداعميه الدوليين.

منذ خمسين عاما، كانت حرب السادس من أكتوبر مفاجأة صاعقة للعدو الإسرائيلي، أفقدته توازنه، وغيرت موازين الصراع العربي الإسرائيلي، وأعادت إلى مصر والأمة العربية الهيبة المفقودة منذ هزيمة يونيو/حزيران 1967.

واليوم تعيد المقاومة في غزة الكَرّة مرة أخرى، وتأخذ زمام المبادرة ردّا على انتهاكات الاحتلال، في تحول استراتيجي يرسم خارطة مستقبلية لشرق أوسط جديد، سيكون حتما طال الوقت أو قصر خاليا من الاحتلال الإسرائيلي.

ليست مجرد عملية عسكرية

عملية “طوفان الأقصى” ليست مجرد عملية عسكرية كسابقتها، بل هي معركة غير مسبوقة على الإطلاق في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فالمقاومة هي التي تبادر وتختار المكان والزمان، وتتوغل في مناطق الاحتلال، وتأسر جنودا وقادة، وتغتنم أسلحة وآليات للعدو، وكل ذلك يشاهده العالم صوتا صورة، وتبدو إسرائيل -حكومة ومستوطنين- في حالة صدمة وذهول وشلل وانعزال عن الواقع.

ضربة قوية ولطمة قاسية، تلقاها الاحتلال الإسرائيلي، تكشف عن نقاط ضعف متوارية منذ خمسين عاما، وتثبت هشاشة الاحتلال ومنظوماته.

لقد دأب الاحتلال الإسرائيلي على التباهي بقدرته على الردع، واليوم مع مفاجأة عملية “طوفان الأقصى” صار مردوعا موجوعا.

أثبتت هذه المعركة قوة المقاومة وتطور قدراتها، كما أطرت قواعد جديدة للاشتباك مع المحتل الإسرائيلي، تحت شعار “اليوم نغزوهم ولا يغزوننا”.

فقد وجهت المقاومة الفلسطينية ضربة معنوية قاتلة بعملية “طوفان الأقصى” ضد جيش الاحتلال وجنوده، وأكدت المقاومة قدراتها الاستخباراتية والعسكرية، وطرحت أرضا ما روجته إسرائيل عن جدارتها الاستخباراتية والعسكرية، وضربت بهذه العملية المنظومة الأمنية الإسرائيلية ضربة عميقة، أظهرت فشل إسرائيل الذريع، رغم كل الإمكانيات والدعم غير المحدود أمريكيا وغربيا، وأبرقت برسائل إلى المهرولين نحو التطبيع، لا شك ستوجب على الجميع إعادة النظر فيما أقدموا عليه.

رد فعل على انتهاكات الاحتلال

على مدار العقود الماضية، مارس الاحتلال الصهيوني شتى صنوف الانتهاكات ضد الشعب الفلسطيني، بينما يقف العالم متفرجا صامتا، وممنوع حتى الشجب والإدانة، ويقف المجتمع الدولي عاجزا عن تنفيذ قرار واحد من قرارات الأمم المتحدة -النادرة- لصالح الحق الفلسطيني.

واليوم، عندما تبادر المقاومة لوقف الانتهاكات، وتوجه عملياتها ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي وجنوده، تنتفض الولايات المتحدة، وينتقد الرئيس الأمريكي جو بايدن المقاومة ويصفها بالإرهاب، ولا ينتقد انتهاكات قوات الاحتلال من قصف للمدنيين والمناطق السكنية، وقتل للأطفال والنساء والشيوخ، وتدمير للبنى التحتية، بل يؤكد مساندته للاحتلال الإسرائيلي، ويعلن عن حشد فِرَقه لضمان توفير ما يحتاج إليه الإسرائيليون، وليس موقف الدول الغربية أيضا من ذلك ببعيد.

وعلى جانب آخر، تقف الدول العربية موقفا لا يجاوز منطقة الدعوة إلى التهدئة، والمناشدة، والتصريحات الباهتة، وكأن ما يحدث ليس صراعا بين محتل غاصب لأرض عربية إسلامية، يمارس شتى صنوف الانتهاكات، وشعب يقاوم بما يستطيع ليسترد حقه، ويذود في الوقت ذاته عن المقدسات.

عملية “طوفان الأقصى” ليست سوى رد فعل على الانتهاكات ضد الشعب الفلسطيني، والمقدسات الإسلامية والمسيحية، وإفشال مخطط نتنياهو لتصفية القضية الفلسطينية عبر تطبيع المحيط العربي، وتمزيق لخارطة إسرائيل التي رفعها، وتشمل الضفة الغربية والقدس وغزة والجولان المحتل.

ماذا بعد عملية طوفان الأقصى؟

لا شك أن ما بعد عملية “طوفان الأقصى” سيختلف عما كان قبلها، فما جرى أكد أن الشعب الفلسطيني مستمر في المقاومة، وأن النهج الصحيح هو نهج الكفاح والمقاومة، وهو الذي يتحقق به تحرير الأرض والمقدسات من الاحتلال الصهيوني الغاصب.

أظهرت عملية “طوفان الأقصى” حجم الارتباك الشامل والأزمة العميقة التي يعيشها الاحتلال الإسرائيلي، فقد انكسرت الصورة التي صُدّرت لعقود، وبدا واضحا أن إسرائيل كيان هش وجنوده متهالكون.

لقد بدأت المقاومة معركة “طوفان الأقصى” بعد تخطيط محكم، مدركة مواطن ضعف الاحتلال الإسرائيلي وحساسياته، المتمثلة في الخسائر البشرية والاقتصادية والمعنوية، وقد وجهت المقاومة بعملية “طوفان الأقصى” ضربة ساحقة لتلك الحساسيات، سيكون لها انعكاساتها غير المحدودة على إسرائيل وسمعتها التي روجتها على مدار عقود، على الصعيد العسكري والاستخباراتي، وعلى صعيد المبيعات العسكرية كذلك.

اليوم، وبعد أسر المقاومة 35 إسرائيليًّا أو أكثر بينهم ضباط كبار، وهو أمر غير مسبوق، يمكن القول إن هذا سيسهم في تحريك ملف الأسرى الفلسطينيين لدى الاحتلال ويسرع من تحريرهم.

لقد دقت عملية “طوفان الأقصى” مسمارا في نعش حياة نتنياهو السياسية، بعد الفضيحة المدوية صوتا وصورة، وأسر الجنود وتدمير دبابات، واغتنام آليات ومعدات عسكرية إسرائيلية.

أكدت العملية العسكرية الأخيرة في غلاف غزة، سقوط مشروع تهويد الضفة الغربية واستحالة ضمها، والقضاء على مشروع نتنياهو التطبيعي على حساب تصفية القضية الفلسطينية.

ختاما

بعد عملية “طوفان الأقصى”، عادت القضية الفلسطينية على رأس اهتمامات القوى الدولية، بعد سنوات من النسيان.

وعلى وقع الصدمة الإسرائيلية العميقة، تحاول حكومة نتنياهو استعادة التوازن بعد الضربة القاسية التي وجهتها المقاومة، وذلك بالانتقام عبر غارات جوية على المدنيين والبنايات السكنية، استُشهد فيها العشرات وأصيب المئات، لكن ذلك لن يزيد الفلسطينيين إلا إصرارا مهما تعاظمت قوافل الشهداء. كما يبدو الأمر مختلفا هذه المرة في ظل حسابات جديدة، خاصة أن المقاومة لم تستخدم إلا بعضا من إمكانياتها، وكل تصعيد سيقابله دون شك تعميق وزيادة في الخسائر الإسرائيلية.

بعد ثلاثة عقود من سراب التسوية السياسية، يثبت الواقع أن المقاومة هي الخيار الوحيد والحل الذي لا بديل عنه.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان