لا أقل من وقف التطبيع

جنود إسرائيليون يقومون بدورية على طريق قريب من الحدود مع غزة (الفرنسية)

7 أكتوبر 2023 “طوفان الأقصى” حدث كبير في تاريخ الصراع العربي الصهيوني والمنطقة، لن تتضح أبعاده وتداعياته وآثاره كلها في المدى القريب المنظور، وغافل من يظن أن الأحوال الراهنة ستبقى دون تغييرات أبعد من ميدان الحرب الجارية الآن والمنخرطين فيها، ومن كان يتوقع أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة ديسمبر 2008 يناير 2009 وفي أعقابها مباشرة أن تهتز العديد من قصور الحكم في عواصم عربية تحت وقع انتفاضات وثورات شعبية؟ تطلب التغيير والديمقراطية وتداول السلطة وحقوق المواطنين في صناعة القرار، ومنها قرارات في صميم العلاقة مع إسرائيل.

وواجب الوقت الآن، يدعو للنقاش الجاد، والعمل من أجل نصرة الشعب الفلسطيني وبخاصة في قطاع غزة المهدد بعدوان أكثر خطورة من آلة إرهاب الدولة الإسرائيلية دولة العقيدة الصهيونية العنصرية وجيشها النظامي المؤسس من عصابات إجرامية (الهاجاناة وإتسل وليحي) ووفق تقاليدها، والمنفلت من أي خطوط حمر أو قانون دولي أو إنساني، فبعد مفاجأة تل أبيب وصدمتها بهجوم المقاومة الفلسطينية غير المسبوق على جوار قطاع غزة، أصبحت غزة بمدنييها العزل وأطفال ونساء على موعد مع “جبة التدمير المجنون” للعمارات السكنية والمستشفيات ومدارس “الأونروا” وسيارات الإسعاف، وكذا مع قطع الكهرباء والمزيد من الحصار، وغيرها من أساليب العقاب الجماعي المحرمة دوليًا.

 

الإرهاب الإسرائيلي بين الأيديولوجيا

وأن الشعب الفلسطيني حقيقة

 

ولا مفاجآت هنا، وكما كتبت في “الأهرام” خلال عدوان سابق على غزة وفي عدد 5 أغسطس 2014، ومن خبرة المساهمة في مداخل الإرهاب والمجازر الصهيونية الإسرائيلية بموسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية” للراحل الدكتور “عبد الوهاب المسيري” الصادرة من القاهرة عام 1999:

ـ “يفيد تاريخ الإرهاب الصهيوني بأن قطاع غزة كان هدفًا لمجازر الجيش الإسرائيلي قبل تأسيس حركة (حماس) عام 1988، وفي الموسوعة رصدنا ست مجازر على الأقل وقعت بالقطاع بين عامي 51 و1956″.

ـ ” الهجوم المتكرر بالطائرات والمدفعية على الأحياء والمخيمات السكنية ذاتها في قطاع غزة يؤكد استمرار الطابع الإبادي للإرهاب المؤسس على العقيدة الصهيونية العنصرية القائمة على مقولة أيديولوجية مركزية هي أن (فلسطين أرض بلا شعب)، ولأن التاريخ والواقع ليس هكذا أبدًا فإن الإرهاب هنا ليس إلا محاولة تلو أخرى للقفز على المسافة بين أوهام الأيديولوجيا وحقائق الواقع، ولذا تجد هذه العقيدة تحديًا يجن له جنونها في أي نوع من مقاومة هذا الشعب للاحتلال الاستيطاني الإحلالي، ولأن هذه المقاومة هي تأكيد لوجود الشعب الفلسطيني، وعلى أنه صاحب الأرض، وتهديد لجاذبية الكيان الاستعماري الاستيطاني للمهاجرين اليهود”، وهذا ما قد يفسر حالة عدم التناسب في استخدام القوة مع استهداف المدنيين الفلسطينيين في القطاع، التي ظلت قائمة بشكل صارخ حتى “طوفان الأقصى”، في حين تظل خسائر إسرائيل تتركز بالأساس بين العسكريين الذين تستهدفهم هجمات المقاومة.

 

البعض ما زلت عنده

مشكلة مع “حماس”

ولقد استدعيت هذه النصوص، لأنه يتضح لليوم كون البعض من المناهضين للصهيونية وإرهابها ودولتها، ومن بين المعارضين في مصر، ما زالت لديهم مشكلة مع “حماس” وحساسية تجاهها، وبالتالي جناحها العسكري “كتائب عز الدين القسام”، ولا يتوافر بعد ما يفيد تفهمهم لأنه مهما يكن الاختلاف مع “حماس” في قضايا تتعلق بتاريخها ونشأتها وعقيدتها وممارساتها في غزة على صعيد الحريات الاجتماعية والفردية، فمن غير المنطقي الاستمرار في الخلط بينها وبين جماعة “الإخوان المسلمين”، وحشر الحركة ومقاوميها عنوة وبالكذب والزيف والباطل في الصراع بين الجماعة وبين سلطة الدولة وقطاع من النخب، وكما جرى ابتداء من صيف 2013.

ولا تخلو ردود الفعل الصادرة في بيانات من مصر خلال 24 ساعة من حرب “طوفان الأقصى” من هذه الحساسية، فالمواقف الأفضل والأقوى غيبت “كتائب القسام/حماس” حين جاء توجيه التحية والتقدير “للمقاومة الفلسطينية”، وهنا أضرب على نحو خاص أمثلة ببيان “الأزهر” الأهم والأجرأ في دعم المقاومة بين مواقف مؤسسات الدولة كلها، وكذا بيانات حزبي “التحالف الشعبي الاشتراكي” اليساري و”الكرامة” الناصري، والمواقف المشابهة عند مرشحي الرئاسة المحتملين “أحمد الطنطاوي” و”فريد زهران”، وهذا علاوة على بيان نقابة الصحفيين المصريين، محل التقدير بدوره لتوكيده مشروعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال.

وثمة ملاحظة أخرى على تفاعل الكيانات غير الرسمية في مصر مع تطورات الحدث الفلسطيني الكبير الجاري، وهي أن أيًا منها، وحتى كتابة هذا المقال، لم يطلب طرد السفير الإسرائيلي من القاهرة، وهو المطلب الذي ظلت تتمسك به التعبيرات المعارضة بكل ألوانها ليبرالية ويسارية وقومية وناصرية ويسارية منذ معاهدة 1979، وإلى ما قبل نحو عشر سنوات، والحالة الراهنة من هذا الامتناع أو التجاهل تعد بدورها تراجعًا جديدًا إضافيًا من هذه “المعارضات” بعد التخلي عن المطالبة بإلغاء اتفاقات كامب ديفيد، كما كانت مواقفها من قبل.

ولعل الوصول إلى مربع تجاهل “حماس”، والامتناع عن المطالبة بطرد السفير الإسرائيلي أو سحب السفير المصري من تل أبيب معًا يجد تفسيرًا في هذا الانشقاق والشقاق الذي ضرب مقاطعي إسرائيل بين “الإخوان” وخصومهم، ونزل أيضًا بسقف مطلبية “المعارضات” جميعًا، وكأنه لم يعد حتى متصورًا تكرار سحب الرئيس الأسبق المخلوع “حسني مبارك” بالفعل في غير مناسبة لسفيره من تل أبيب.

 

مقارنة بين مصر والأردن

في خلفية ماضي مصر القريب وراهنها، يبدو المجتمع المدني المصري بنقاباته وجمعياته وقواه السياسية غير الرسمية وقد أصيب بالوهن جراء انخفاض سقف الحريات والاستقلالية عن السلطة، وبالتالي فقد هامش الحركة والقدرة على البذل والعطاء والتضامن لدعم صمود قطاع غزة خصوصًا والشعب الفلسطيني عمومًا، مع كل صعود لمنحنى الإرهاب الصهيوني الإسرائيلي، وهذا على الرغم مما راكمه على مدى عقود المصريون المنخرطون في تنظيمات هذا المجتمع المدني وحولها من خبرات مهمة، بما في ذلك سلاسل كسر الحصار وتوصيل المساعدات للقطاع، وهي منذ سنوات أصبحت مهدرة أو محاصرة، تمامًا كحصار غزة.

وثمة في هذا السياق اليوم بعض الفروق بين أولى الدول العربية تطبيعًا (مصر) وثانيها (الأردن)، ففي الحالة الثانية يمكن للمواطنين التظاهر احتجاجًا في الشارع وعلى مقربة من السفارة الإسرائيلية، وكما حدث بعد ساعات من بدء “طوفان الأقصى”، مطالبين بطرد السفير، كما لدى الأردن برلمان (مجلس نواب) اتخذ في 22 مارس الماضي قرارًا بطرد السفير، وهذا بصرف النظر عن امتناع الحكومة والملك عن الاستجابة.

لكن حتى مصر بظروفها الأصعب نسبيًا، وبعدما اندثرت لجان دعم الشعب الفلسطيني ومقاومة التطبيع، وأصبح من الصعوبة بمكان إحياؤها واستعادة وتطوير تقاليدها، وبعضها يعود إلى نهاية عقد السبعينيات، ستظل قطاعات شعبية هائلة من شعبها تحافظ على ميراث العداء للصهيونية وإسرائيل، وتعض عليه بالنواجذ، وإن افتقدت فرص التعبير في الفضاء العام والمنظم، كما حتى قبل نحو عقد كامل، ولذا ليس مستغربًا ولا مستبعدًا أن تظل مصر تفاجئ الجميع بين حين وآخر بتمرد المجبرين على “التطبيع” من الشباب المواطنين البسطاء على التزامات “الدولة” التطبيعية وسياستها الرسمية، وقيود الطاعة النظامية، وكما حدث من شرطي الإسكندرية بعد يوم واحد من “طوفان الأقصى”، والشهيد المجند على الحدود في سيناء “محمد صلاح”، وغيرهما من قبل، وهم جميعًا أمس واليوم محاطون بتعاطف جموع المصريين وتقديرهم.

 

فوق الأسقف المنخفضة

وبصفة عامة وأبعد من مصر والأردن، إذا كانت لدينا حكومات وجامعة دول أنظمة عربية لا يتخطى حدود خطابها ومواقفها في الأغلب والمعتاد سقف الدعوة “لضبط النفس” و”التهدئة” مع التمسك ببيع أوهام “السلام المستحيل” في زجاجات “الدولة الفلسطينية”، فعلى الأقل لنترك الشعوب وقواها المنظمة الحية في المجتمع المدني تقول وتسمع العالم أصواتها، وتفعل ما تستطيع فوق هذه الأسقف المنخفضة.

على الأقل، اتركوا الناس في كل دولة عربية أقدمت على التطبيع أو في طريقها لأن تعبّر عن رفضها، وتطالب، ولو لن تستجيبوا، ولا تجبروهم على التطبيع، وكفى أننا نواجه عدوًا عنده برلمان حقيقي نافذ الكلمة والقرارات وحكومات منتخبة وحقوق مضمونة للمعارضة والتظاهر والتنظيم، وفيما الشعوب العربية مجردة من هذا كله، ومن التأثير في صنع قرارات الصلح والتطبيع. لا أقل من وقف التطبيع غير الرسمي والمطالبة بوقفه الرسمي منه، وإشهاره سلاحًا في مواجهة إرهاب الدولة والمستعمرين الصهيوني الإسرائيلي.

ومن قصر النظر ألا يدرك الجميع عندنا بأنها فلسطين، وأن الغضب الساطع قادم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان