العرب يمكن أن يغيروا العالم.. ولكن!

كان أخطر نتائج الاستعمار الثقافي الذي تعرضت له الأمة العربية خلال القرنين السابقين، أنها فقدت الوعي بتاريخها ومصادر قوتها ومميزاتها وقدرتها على بناء حضارة عالمية.
لكن أهم الإنجازات التي حققتها المقاومة الفلسطينية، أنها برهنت على أن الأمة العربية تستطيع أن تكون فاعلا في بناء مستقبل العالم، وأنها تستطيع أن تغير، والسؤال الذي يمكن أن نبحث عن اجابة مبتكرة له هو: إذا كان آلاف من المؤمنين بالله تمكنوا من إنتاج الصواريخ، والأسلحة التي قهروا بها جيشا يروج لنفسه طوال عقود في وسائل الإعلام بأنه لا يقهر.. فماذا تستطيع الأمة العربية التي يزيد عددها على 300 مليون إنسان أن تفعل عندما تمتلك إرادتها وتتحرر من الهزيمة النفسية.
المؤمنون الصابرون في غزة لم يمتلكوا يوما ثروات مادية يمكن استخدامها في بناء القوة الصلبة، لكنهم كانوا يمتلكون حلما وأملا وإيمانا وإرادة وعقولا وقلوبا، فقرروا أن يقاوموا اليأس والإحباط والهزيمة والوهن، وأن يخططوا لتحرير فلسطين، وتمكنوا من إنتاج أفكار جديدة لم يكن جيش الاحتلال المغرور بقوته يتوقعها.. ماذا يعني ذلك؟!
كانت كل قوى الطغيان تفرض الحصار على غزة، لكن لم تدرك تلك القوى أن عقول الرجال يمكن أن تواجه التحديات؛ فتفكر في حلول جديدة للمشكلات، وأن الإنسان يمكن أن يحقق انتصارات عظيمة، عندما يمتلك الإيمان والعزيمة والإرادة.
شجاعة القلب والضمير
أدرك أبطال المقاومة الفلسطينية أن شجاعة القلب والضمير أهم مصادر القوة، فكل طواغيت العالم لا يستطيعون هزيمة رجل تعلق قلبه بالله، وآمن بأن النصر بيده وحده، وأن الله ينصر من ينصره ويؤمن به.
الثقة في نصر الله تملأ القلب قوة، فيتطلع دائما إلى السماء، ولا يخاف من قوة الاحتلال المادية، فالمقاتل المؤمن يصعد فوق الدبابة، ليضع على سطحها عبوة متفجرة، ويستخدم الولاعة (القداحة) ليشعل النار فيها، وهو يفعل كل ذلك بهدوء وطمأنينة.
إن رجلا يمتلك الشجاعة خير من ملايين يملأ الخوف والجبن والوهن قلوبهم، والشجاعة ترتبط بالإيمان والعقيدة، لكن الفكر الغربي لا يهتم بذلك لأنه يرتبط بالمادة.
متى تغير الأمة العربية واقعها؟!
التجربة التي قدمتها المقاومة الفلسطينية كانت نتيجة لدراسة التاريخ، فالرجال تحت الحصار في غزة قرؤوا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفتوحات الإسلامية بعمق؛ ففهموا وفقهوا وأعدوا ما استطاعوا من قوة، وأطلقوا لخيالهم العنان؛ فخططوا لتحقيق هدف تحرير القدس لسنوات طويلة، فكان انتصار 7 أكتوبر/تشرين الأول الذي يشكل بداية لعصر جديد، فالمقاومة الفلسطينية يمكن أن تقود كل أحرار العالم بالمثال والقدوة للتحرر من كل أشكال الاستعمار، ومن أهمها الاستعمار الثقافي.
دراسة الواقع توضح أن الأمة العربية تملك القوة الصلبة لكنها لم تستخدمها بعد؛ لأن الحكام لا يمتلكون الشجاعة والجرأة على استخدامها، فاكتفت النظم الحاكمة بتقديم عروض مبهرة للطائرات والدبابات، واستعراض مئات الآلاف من الجنود في المناسبات الرسمية التي تشبع رغبات الحكام في تخويف شعوبهم، وإثارة الرعب في قلوب الحالمين بتحرير فلسطين.
ومعظم النظم العربية الحاكمة تغرق في الديون مع أن هناك ثروات في أرضها يمكن أن تشبع البشرية كلها، وتحول جميع العرب إلى أغنياء. لكن استخدام القوة الصلبة يحتاج إلى إرادة، ولا تملك تلك الإرادة سوى قيادة أصيلة تفخر بانتمائها العربي، وتعرف نسبها وتاريخها وتؤمن بربها وتتمسك بعقيدتها، وتتطلع إلى المجد والعزة وتحقيق الانتصارات، وترفض الاستقرار الزائف القائم على التبعية لأمريكا والخضوع لمخططاتها.
والأمة العربية تستطيع أن تغير الواقع، وتحقق الانتصارات عندما تختار قياداتها بإرادتها لتعبر عن حلمها المشروع في الحرية وتحرير فلسطين.
ولا يمكن أن تختار الأمة قياداتها إلا عندما تنتفض، وتقهر خوفها من قوة الحكام الغاشمة، وترفض العبودية لغير الله، وتصرخ بكل قوة في ميادين التحرير: الله أكبر.. والله لن نستعبد بعد اليوم.
وعندما تنتفض الأمة العربية وتختار قياداتها؛ فلن تترك غزة وحدها، ويومها ستضطر دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، وتتفاوض على الجلاء من الأراضي التي تم احتلالها بعد عام 1967، لتتم إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة عليها، ويومها ستتفاوض الأمة العربية من موقع القوة وتفرض شروطها.
السيناريو الوحيد الممكن!
أعتقد أن هذا هو السيناريو الوحيد الذي يمكن أن يتحقق، فهناك غضب عام على كل الحكام، ولم يعد أمام الأمة العربية سوى أن تنتفض دفاعا عن كرامتها وهي تشاهد دماء الفلسطينيين تتدفق، والطائرات تقتل أطفالهم ونساءهم، ولم يعد في قوس الصبر منزع، والموت في الميادين شهادة أفضل من حياة الذل والقهر.
السيناريو الوحيد الممكن هو أن تنتفض الجماهير العربية وتعبر عن إرادتها، وتختار قادة يتطلعون لبناء المجد وتحقيق الانتصارات، فلم يعد أحد يريد الاستقرار أو الأمن، ولم يعد أحد يصدق الانتخابات الزائفة المفبركة.
ويجب أن يتذكر الجميع أنه لم يكن أحد يتوقع الربيع العربي، ولم يصدق العالم بعد أن ألفا من المجاهدين الفلسطينيين استطاعوا أن يقهروا قوة جيش الاحتلال الإسرائيلي الغاشمة، وأن غزة ما زالت صامدة، وتقاوم وتنتصر، وكلما طال أمد العدوان تزايد غضب العرب حتى ينفجر في وجه الاستبداد والاستعمار والتبعية.
