جدوى المنظمات الدولية وعضوية العرب فيها

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش

أعتقد أنه قد آن الأوان للتفكير العربي خارج الصندوق، والتعامل مع الواقع، بالبحث في جدوى العضوية في المنظمات الدولية والإقليمية، وخاصة المنظمة الأم (منظمة الأمم المتحدة)، والمجلس الأهم (مجلس الأمن الدولي)، وما ينبثق عنهما من منظمات ومجالس ولجان وهيئات فرعية، خصوصًا في ضوء هذا العدوان على الشعب الفلسطيني الشقيق في قطاع غزة، وسط تأييد أمريكي غربي حقير من ناحية، وإخفاق واضح للمنظمات الدولية في وقف ذلك العدوان من ناحية أخرى.

وقد تابعنا أخيرًا الفشل الذريع لمجلس الأمن الدولي في استصدار أي قرار في هذا الشأن، تحت تأثير ما يسمى “الڤيتو” العجيب وغير العادل، وأيضًا فشل منظمة الأمم المتحدة في تنفيذ قرارها المتعلق بالهدنة الدائمة، على الرغم من صدوره بأغلبية 120 دولة، مقابل اعتراض 14، وهو ما يمثل إهانة للمنظمة الدولية وللدول التي صوتت بالموافقة في آن واحد.

التجمعات الهشة

في البداية تجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من التجمعات الهشة، التي تعمل في نهاية الأمر لصالح الدول الكبرى، كان قد بدأ بإنشاء ما سُمي “عصبة الأمم” عام 1919 في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وانعقاد مؤتمر باريس للسلام، وكان ذلك بهدف الحفاظ على السلام العالمي، ومنع قيام الحروب، والحد من انتشار الأسلحة، وتسوية المنازعات عبر المفاوضات، إلا أن هذا التجمع الذي ضم 58 دولة آنذاك قد فشل فشلًا ذريعًا، نتيجة هيمنة الدول الكبرى على صناعة القرار، وعرقلتها للقرارات التي تتعارض مع مصالحها!!

وما لبثت هذه العصبة أن تبخرت عام 1946، خصوصًا مع إنشاء الأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول عام 1945، التي جاءت بدايتها أيضًا بتصديق من الدول الكبرى في سان فرانسيسكو (الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والاتحاد السوفييتي، والصين، وفرنسا)، التي فرضت لنفسها حق الاعتراض (الڤيتو) على حساب 193 دولة عضوًا بالمنظمة الآن.

ربما كانت القضية الفلسطينية تحديدًا، المتعلقة بتهجير شعب لاستبدال آخر به في وضح النهار، هي النموذج الأكثر وضوحًا في عدم جدوى مثل هذه المنظمات؛ ذلك أن كل القرارات ذات الصلة، الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن على السواء التي تصدر على مدى 75 عامًا، لا تعيرها دولة الاحتلال أي اهتمام، ويكفي أن القرار الأخير الذي صدر في 27 من الشهر الماضي، المتعلق بالوقف الفوري للعدوان، قد قوبل بتعليق رسمي غريب من دولة الاحتلال، وهو “ألّا شرعية للأمم المتحدة”، على الرغم من أنها دولة عضو في المنظمة، التي كان يجب أن تبادر على الفور بتعليق عضويتها حتى تمتثل لتنفيذ القرار.

على الجانب الآخر، فإن 56 ڤيتو استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية بمجلس الأمن الدولي ضد مشاريع قرارات تتعلق بإدانة إسرائيل، كانت كافية هي الأخرى لإعادة النظر عربيًّا في جدوى العضوية بمثل هذه المنظمات والمجالس، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار على سبيل المثال، أن الغزو الأمريكي البريطاني للعراق الشقيق عام 2003 لم يحصل على موافقة أي منظمات أو مجالس، وتم تحت سمع وبصر العالم، في إطار “بلطجة” منقطعة النظير، راح ضحيتها ما يصل إلى مليوني نفس بشرية، بخلاف الخسائر المادية التي لا تقدر بثمن، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار تدمير ثروة العراق التاريخية من تراث وآثار، وثروة العراق العلمية من علماء تم استهدافهم بدم بارد، وثروة العراق البشرية، التي تم تقسيمها إلى شيع وأحزاب.

وإذا وضعنا في الاعتبار حجم الرسوم السنوية التي يسددها العرب نظير العضوية في هذه المنظمات، فإننا أمام مبالغ مالية كبيرة يمكن التبرع بها لأطفال فلسطين، أو لمخيمات اللاجئين في سوريا، أو حتى للمنظومة الصحية باليمن، وغير ذلك من أوجه إنفاق عديدة يحتاج إليها المجتمع العربي، كما أن جملة ما ينفق على البعثات الدبلوماسية العربية في كل من نيويورك وسويسرا وحدهما كفيل بالإنفاق على أوجه كثيرة من مصارف الزكاة والصدقات في بلادنا.

كما يجب الوضع في الاعتبار، أننا في حالة الانسحاب من هذه المنظمات سوف نسجل موقفًا تاريخيًّا، ربما يكون سببًا في إعادة النظر في هذه الأوضاع كلها، بدءًا مما يطلق عليه “الڤيتو” مرورًا بذلك التدليل الحاصل لدولة الاحتلال وعدم تنفيذ القرارات الصادرة بشأنها، وانتهاءً بذلك التجاهل لوجود هذه المنظمات من قبل الدول الكبرى، مثلما حدث خلال غزو العراق وأفغانستان وغيرهما.

ما جدوى جامعة الدول العربية؟

لكننا إذا أردنا التعامل مع هذه القضية بجدية، فإننا في الوقت نفسه يجب أن نبدأ بجامعة العرب (جامعة الدول العربية) وجدوى وجودها من الأساس، من خلال دراسة ما تحقق عبر اجتماعات وزارية وأخرى على مستوى المندوبين على مدى 78 عامًا، هي عمر الجامعة التي أنشئت في مارس عام 1945، أي قبل إنشاء الأمم المتحدة بنحو سبعة أشهر، مع وضع حجم نفقات الجامعة في الاعتبار أيضًا، من حيث الرسوم السنوية للدول الأعضاء، وحجم نفقات البعثات الدبلوماسية للدول الـ22، وغير ذلك من أمور أخرى.

أعتقد أن أمامنا الكثير من النماذج السياسية في هذا الصدد، التي أصابها العطب عقب فترة وجيزة من الإعلان عن إنشائها من بينها: اتحاد الجمهوريات العربية، الذي ضم مصر وليبيا وسوريا عام 1972، ولم يتم تطبيقه عمليًّا، واختفى عام 1977، بعد الخلاف على زيارة الرئيس السادات للقدس، وكذلك الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) عام 1958، حتى انفصلت سوريا عام 1961، وحلف بغداد عام 1955، الذي ضم العراق وتركيا وإيران وباكستان والمملكة المتحدة، ومجلس التعاون العربي الذي ضم عام 1989 مصر والأردن والعراق واليمن الشمالي آنذاك، والاتحاد المغاربي الذي تأسس عام 1989 من الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وموريتانيا، وكلها من الماضي الآن للأسباب نفسها التي سقناها فيما يتعلق بالكيانات القائمة حاليًّا، الإقليمي منها والدولي.

من هنا كان على الدول العربية تحديدًا، إعادة النظر في منظومة (التخدير السياسي) هذه، نظرًا لأنها كانت الأكثر تضررًا من ممارسات الدول الكبرى، التي كانت سببًا مباشرًا في ضياع حقوق الشعب الفلسطيني بشكل خاص، وربما كانت العلاقات الثنائية بين الدول، والاتفاقيات السياسية والاقتصادية، واتفاقيات التعاون والدفاع المشترك بينها، أكثر نفعًا من ذلك التهريج الحاصل في الأروقة الدولية، التي لم يعد يعول عليها المواطن في أي من أنحاء العالم، بعد أن تحولت إلى منابر للخطابة، لا تسمن ولا تغني من جوع.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان