هل تشعل أمريكا حربا إقليمية بالتصعيد في غزة؟

بعد دخول الحرب على غزة شهرها الثاني، ما زالت الولايات المتحد المتحدة تقدم كل شيء للاحتلال الإسرائيلي لمواصلة مجازره والإبادة الوحشية ضد المدنيين في غزة، بعد هزيمة طوفان الأقصى.
تقدم واشنطن نفسها كضامن بألا تتوسع الحرب، لكنها تؤججها نحو حرب إقليمية، خاصة في ظل عدم ضمانة خطأ هنا أو هناك قد يشعل المنطقة برمتها، وربما يتجاوز إلى حرب عالمية.
تؤكد واشنطن أنها شريك في الحرب على غزة، بل أنها فاعل أصيل في هذا العدوان الهمجي غير المسبوق، فالجنرالات الأمريكيون موجودون في تل أبيب يديرون الحرب، والسلاح الأمريكي هو الذي يقتل ويبيد المدنيين العزل من الأطفال والنساء والشيوخ. ولا يعدو ما تفعله واشنطن على كافة الأصعدة أكثر من محاولة لشراء الوقت؛ لتواصل إسرائيل فتكها بالمدنيين، وتدمير كل مظاهر الحياة في غزة، في محاولة يائسة لتهجير السكان وإخلاء القطاع، تتهاوى أمام الصمود الأسطوري لأهل غزة، وإصرارهم على البقاء مهما كان الثمن.
والحقيقة الواضحة هي أن إسرائيل مجرد أداة بيد الولايات المتحدة المسؤولة كليًّا عن المجازر في الماضي والحاضر، فالنخبة الأمريكية المنفصلة عن شعبها والمستسلمة للصهيونية العالمية تستثمر في الحرب، وتتعيش على الدماء، وتدعي فقط أنها تعمل لأجل السلام.
لم تكن الولايات المتحدة يوما وسيطا نزيها، وإذا تدخلت في صراع فهي لا تتدخل للحل؛ بل تدير الصراع وفقا لمصالحها دون وازع من أخلاق أو إنسانية.
تملك أمريكا قرار إيقاف الحرب على غزة إن أرادت، ولكن تستثمرها النخبة المتصهينة، فالحرب في غزة تريد أمريكا من خلالها توظيف وحشية إسرائيل وجنونها بعد طوفان الأقصى؛ لإعادة صياغة إسرائيل كوكيل على رأس المنطقة، تقود دولها وتوظفها في إطار حرب أمريكا العالمية، لاستعادة هيمنتها المترنحة في مواجهة الصين وحلفائها؛ روسيا وإيران وغيرهم من القوى، وكل ذلك عبر المجازر في قطاع غزة.
الخداع الأمريكي
يوما بعد آخر، تتزايد أعدد الشهداء في غزة؛ فالعدد مرشح لأن يتجاوز 11 ألف شهيد، بينهم ما يصل إلى قرابة 4500 طفل.
وفي الوقت الذي تملأ التصريحات الأمريكية الفضاء عن هدنة إنسانية، تعلن الخارجية الأمريكية تزويد الاحتلال الإسرائيلي بشحنة جديدة من قنابل ذكية بقيمة 320 مليون دولار، لتضاف إلى 430 مليون دولار قيمة أسلحة ومعدات عسكرية ضُخّت للكيان المحتل في حربه على غزة!
بلينكن، والإدارة الأمريكية، يمارسان أكبر عملية كذب وخداع للرأي العام العالمي والأمريكي، ستؤدي استمراريتها إلى تفجير المنطقة.
إسرائيل باتت لا تكترث حتى بمصير الرهائن، وتواصل توحشها وتصعد من غيها بمباركة أمريكية؛ فالموقف الأمريكي تصريحي إعلامي، ورجع صدًى يتردد بالتظاهر بالعمل الإنساني، دون أثر في الواقع.
القفز على النتائج
ومن العجيب أنه في الوقت الذي لم تضع فيه الحرب على غزة أوزارها، وتذيق المقاومة قوات الاحتلال البأس، يقفز بلينكن والإدارة الأمريكية على النتائج بطرح سيناريوهات ما بعد الحرب، المبنية على افتراض هزيمة المقاومة.
تطرح أمريكا سيناريوهات ما بعد الحرب، وخلق نظام مرتبط بالاحتلال، وكأنها ضمنت انتهاءها لمصلحة إسرائيل، وهذا ما لن يحدث، وتؤشر له كافة المعطيات على الأرض، ومنها الاستعصاء العسكري لقوات الاحتلال الإسرائيلي، التي لا تقدر على الاستيلاء على أمتار معدودة في غزة والتمركز فيها!
تصريحات بلينكن والإدارة الأمريكية، لا تمثل سوى محاولة للضغط النفسي على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية والرأي العام العالمي بافتراض هزيمة الفلسطينيين!
قراءة متأنية لسيناريوهات ما بعد الحرب
القراءة المتأنية للقفز الأمريكي على نتائج ما بعد الحرب، تؤكد شعور واشنطن بخيبة كبيرة -وليس العكس- من مجريات المعارك على الأرض في غزة، فالأصل أن طرح مثل هذه السيناريوهات لا يكون إلا بعد انتهاء الحرب، وهذا هو المنطقي عمليا؛ ولذلك لا يمكن نزع التداول الإعلامي لسيناريوهات ما بعد الحرب من سياق الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد غزة، ضمن الحرب النفسية والمعنوية.
ومن الخطأ الاستراتيجي، ومما يُعد ضربا من العبث، وخطيئة تاريخية، أن تتجاوب الدول العربية مع أطروحات مفترضة لما بعد الحرب، فأمريكا تفترض ثبات العوامل على الأرض، رغم أن المتغيرات واقعيا تتوالى لصالح المقاومة وفلسطين.
على جانب آخر، تسعى أمريكا لتوسيع دائرة حمالي أوزار الحرب وتبعاتها، وجرهم معها أيضا في معركتها التي تقف وراءها أهدافها المعلنة والمتوارية، وبغرض امتصاص الغضب العالمي من الجرائم الوحشية في غزة، وتعالي الأصوات في أنحاء العالم لوقف إطلاق نار فوري، مما يؤكد الصلف والغرور الأمريكي، والاستهزاء بكافة قواعد النظام الدولي والإنساني.
الخلاصة
بعد خطاب الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، تلقف الجميع مضامينه بقراءات مختلفة، تدور بين اكتفاء حزب الله بالمناوشات على الجبهة، وعدم دخوله ومحور المقاومة في عملية توسيع لدائرة الحرب. لكن الخلاصة التي رشح بها خطاب السيد حسن نصر الله، أنه قذف كرة النار في ملعب أمريكا وإسرائيل، وإما أن تقوم أمريكا بإطفائها، أو تتدحرج منها فتشعل المنطقة بأسرها، وقد تجر إلى حرب عالمية.
هدف القضاء على المقاومة في غزة يبدو مستحيلا، وأبعد ما يكون من منال إسرائيل والولايات المتحدة والحلفاء الغربيين، والمقاومة بأدواتها البسيطة جعلت أمتارا بسيطة في غزة محرقة لجنود الاحتلال ومقبرة دباباته وآلياته.
مُخطئ من يظن أن أساطيل واشنطن وحلفائها تكبح تمدد الحرب، فقد غاب عن أمريكا أنها لم تعد كما كانت، وأن مرور الوقت يخصم من قوتها باستمرار، ولم تعد المنطقة كلأ مباحا كما كانت، فهناك خصوم باتوا أكثر قوة وندا بند، ولن يسمحوا بسقوط المقاومة؛ لما لذلك من تبعات كارثية.
سأستعير تشبيها مجازيا من البعض. “عندما تجلب جماعة من الأفيال إلى مكان مملوء بالخزف وتظن القدرة على إبقائها هادئة، فأنت واهم، ولك أن تتخيل ماذا يمكن أن يحدث؟”. وهكذا تشعل أساطيل أمريكا وحلفائها جذوة حرب أوسع، لا تطفئ نيرانها.
ما بعد طوفان الأقصى لن يكون أبدا كما كان قبلها، ووجب على أمريكا أن تعي الدرس.
