الشعوب الحرة تهزم عواصم العدوان

أحرار العالم يتضامنون مع غزة

 

بأي معنى سياسي أو أخلاقي كانت الدول الغربية الأربع أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا هي الشريك الرئيس في العدوان الصهيوني على غزة، منحته دعمًا كبيرًا منذ البداية، ومدت عليه غطاء سياسيًا واسعًا يعفيه من المساءلة الدولية، ويحصنه من الضغوط السياسية، ويقدمه للرأي العام العالمي بكونه جزءًا من المعركة التي يخوضها العالم ضد الإرهاب.

تبنت العواصم الأربع خطابًا سياسيًا منحطًا، لا يفتقد فقط لأي منطق سياسي أو أخلاقي، بل يحول الحرب في غزة زورًا وبهتانًا إلى صراع بين المدنية والظلام وبين التقدم والتخلف وغيرها من الأوصاف التي سبغتها هذه الأنظمة على حرب إبادة افتقدت منذ اللحظة الأولى لكل سردية مقنعة يمكن أن يتوجه بها قادتها في الكيان المحتل وداعموه إلى العالم الذي ظل طوال الأيام الأولى للعدوان يشاهد ما يحدث وهو غير مصدق، يذهله كم الدمار والقتل والترويع الذي مارسته “إسرائيل” ضد أهل قطاع غزة المحاصر.

تزوير الوقائع

مواقف “الشركاء الأربعة” المشينة وصلت إلى حد تزوير الوقائع كما حدث في اتهام رئيس الدولة الأكبر في العالم لـ”حماس” بـ“قطع رؤوس الأطفال” قبل أن يعود البيت الأبيض ليصحح المعلومات ويشكك فيما نقله الإعلام عن بايدن، بعدها كان الرئيس نفسه يؤكد أن المقاومة الفلسطينية هي التي قصفت المستشفى المعمداني في غزة الذي خلّف مئات الشهداء والمصابين.

خطاب سياسي يتماهى تمامًا مع العدوان بدرجة أفقدت الولايات المتحدة مصداقيتها عالميًا، وقدمتها للعالم بوصفها الراعي الأول لجرائم “إسرائيل” كلها.

بمقدار ما كان الدعم الأمريكي  للعدوان مطلقًا ومفتقدًا للقيم كلها الإنسانية والأخلاقية جاءت مواقف العواصم الثلاث الأوروبية على الدرجة نفسها من الانحياز الأعمى، قيادات لندن وباريس وبرلين قاموا جميعًا بزيارات إلى الكيان المحتل، ثم أطلقوا تصريحاتهم عن ضرورة القضاء على “حماس”، وتسليم إدارة غزة للسلطة الفلسطينية أو غيرها، ثم تمادوا في الدعم الكامل برفضهم للهدنة الإنسانية تحت زعم إمكانية استفادة حركة “حماس” منها دون النظر ولو للحظة واحدة لآلاف الشهداء والجرحى، ودون الحديث الجاد عن حرب الإبادة والحصار المفروض على أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة قد قطع الاحتلال عنهم الغذاء والدواء والطاقة والمياه وسبل الحياة كلها.

في حسابات السياسة لم يكن ممكنًا تعديل مواقف هذه الإدارات الغربية إلا بمتغير جديد يطرأ على مشهد الانحياز الأعمى وغير الأخلاقي، هذا المتغير ظهر بأصوات اعتراض ورفض بدأت تتعالى من داخل العواصم الغربية ذاتها على استحياء.

ثم جرت في النهر مياه كثيرة.

بدا مشهد المظاهرات الشعبية التي تفجرت في العواصم الغربية وخاصة في دول “الشركاء الأربعة” أنه لا يمكن تصديقه، مئات الآلاف من الشعوب الحرة تخرج في احتجاجات واسعة تطالب إداراتها السياسية بتغيير موقفها الأحمق بشكل لم يكن في الحسبان، مظاهرات شبه يومية في الولايات المتحدة الأمريكية تضغط بشدة على أعصاب رئيسها الذي يستعد لانتخابات رئاسية بعد نحو عام من الآن، استطلاعات الرأي تشير إلى فقدانه خمس نقاط في عشر ولايات أمريكية متأرجحة وتراجع الرضا الشعبي عن سياساته، خسارته للصوت العربي والإسلامي في الانتخابات باتت مؤكدة، قدرته على جمع ما فقده بانحيازه المطلق للاحتلال تتضاءل بسبب اقتراب موعد الانتخابات، وعلى هامش الحرب يقف خصمه ومنافسه دونالد ترامب محاولًا النيل منه والتشكيك في إدارته للأزمة، خيانته لقيم الحق في الحياة والكرامة والحرية تزداد في عيون الشعب الأمريكي كل يوم بشكل أكثر، لتثبت الشعوب الحرة أنها تؤمن -قولًا وفعلًا- بالقيم الإنسانية كلها أكثر من قادتها بمئات المرات.

في أوروبا لم يكن الوضع مختلفًا، حاصرت الشعوب الحرة “شركاء العدوان” بمظاهرات واحتجاجات حاشدة امتلأت بها كبرى الميادين في لندن وباريس وبرلين، أعلام فلسطين تنتشر وترتفع في عواصم العدوان بشكل مبهج، صدمة لم يكن يتخيلها قادة هذه الدول الذين ظنوا أن روايتهم البائسة للحرب والانحياز المطلق وغير الأخلاقي للكيان المحتل يمكن أن تصمد أمام سيل الصور و”الفيديوهات” الذي كشف الإجرام الذي مارسته “إسرائيل” ضد الشعب الفلسطيني في غزة، ونال النساء والأطفال الجانب الأكبر منه.

 

ليس لفلسطين فقط

 

في صور الشعوب الحرة كلها وهي تتظاهر دعمًا ليس للمقاومة الفلسطينية فقط، ولا للضغط من أجل وقف حرب الإبادة، بل انتصار جديد للقضية الفلسطينية ذاتها، وغطاء شعبي عظيم لحق الشعب الفلسطيني في التحرر، وإعادة لترتيب المشهد الشعبي العالمي من جديد بتأكيد مقولة واحدة وصادقة: “المشكلة تبدأ وتنتهي من الاحتلال”.

مظاهرات الشعوب الحرة الداعمة لفلسطين خلقت رأيًا عامًا جديدًا انحاز لقضية فلسطين، بل وصل الأمر ربما للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي ألا تخرج مظاهرة واحدة في أي مكان في العالم دعمًا للاحتلال، وهو الأمر الكاشف لتغيير جاد ومهم في المزاج الشعبي الغربي الذي انتبه للمرة الأولى لأصل القضية التي تبدأ من الاحتلال وجرائمه.

في أعقاب مشاهد التظاهر التي نظمتها الشعوب الحرة في أوروبا وأمريكا بدا التراجع السياسي لقادة دول العدوان ودعمهم المطلق للكيان المحتل وشيكًا، فبسبب الضغوط الشعبية اضطر هؤلاء إلى تبني خطابًا سياسيًا جديدًا أقل دعمًا للعدوان وأكثر احترامًا لرغبات شعوبهم وضغوطها، فسعت الإدارة الأمريكية إلى إقناع قادة الاحتلال بهدنة إنسانية لإيصال المساعدات للقطاع المحاصر، وبات الحديث عن ضرورة التقليل من الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين مستمرًا، وصوتت فرنسا في الجمعية العمومية للأمم المتحدة لصالح قرار بوقف الحرب، وقللت بريطانيا وألمانيا من تجاهلهما التام للشعب الفلسطيني، وباتت التصريحات الصادرة من هذه العواصم أقل دعمًا للعدوان، وأكثر حديثًا عن حماية المدنيين الفلسطينيين.

هذه المواقف الجديدة التي صدرت من عواصم العدوان ليست عادلة ولا متوازنة بكل تأكيد، لكنها أفضل من الدعم المطلق الذي استمر طيلة الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب بشكل افتقد لكل معنى أو قيمة أخلاقية.

باستمرار الحصار والقصف الصهيوني لغزة خلال الأيام المقبلة سيكون من المتوقع أن ترتفع مؤشرات الغضب الشعبية أكثر، وأن تضغط الشعوب الحرة أكثر على الدول الراعية للعدوان لإجبار الكيان المحتل على وقف ضرباته، وهو أمر في تقديري لن يستغرق الكثير من الوقت لتخرج غزة بعدها منتصرة، وتخرج القضية الفلسطينية وهي تكسب أنصارًا جددًا في العالم، ومع هذا كله فإن الرسالة التي ستصل إلى شعوبنا العربية المحاصرة بالاستبداد ستكون من جملة واحدة: “تمسكوا بالحرية ودافعوا عنها”، فالشعوب الحرة هي فقط القادرة على تغيير المعادلات السياسية وفرض إرادتها على قادة الدول مهما تمادوا في غيهم وحماقتهم، سيتعلم شعبنا العربي الرسالة الأهم وهي أن الحكومات مهما بغت فإن الشعوب التي تملك القدرة على مساءلة حكامها ستفرض الصواب في نهاية المطاف، مهما دفع العالم من أثمان هي الضريبة الطبيعية للاحتلال والفاشية وغياب الإنسانية.

 

 

 

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان