بيان القمة والكلمات الناقصة.. الآن وإلا

لما كان اليوم السادس والثلاثين من حرب الإبادة الشاملة، والجريمة الإنسانية التي يقترفها جيش الاحتلال للكيان الصهيوني بحق أهلنا في فلسطين وفي قطاع غزة اجتمع في الرياض عاصمة السعودية ما يقارب من رؤساء ومسؤولون من 60 عربية وإسلامية. ولم تتح لهم الظروف أن يتخذوا قرارا باللقاء قبل هذا الموعد إذ أنشعل كل القادة بمتابعة العرض القائم على الشاشات في غزة!
أخيرا توافقت المواعيد والتقى الجمع في لقاء انتظره الجميع لعل الجبل يتمخض فينجز شيئا غير معتاد، ويتغير الحال فتصدر قرارات فارقة، لا بيانات تشبه ما تصدره الصحة في غزة.
في يوم القمة وطوال ليلتها كانت قوات الاحتلال تشن حربا شعواء على مجمع الشفاء الطبي في غزة (أحد أهم معاقل وجود الأطفال والمدنيين ويستهدفهم الاحتلال وعصاباته الصهيونية في حربه على الشعب الفلسطيني) وكأنها تحارب جيشًا.
نجحت قوات العصابات الصهيونية في قطع المياه والكهرباء وقصف متوالٍ على ساحات الثكنة المدنية المليئة بأطفال فلسطين ونسائها والعجائز المدنيين الذين لجؤوا إلى ساحة المجمع الطبية هربا من القصف الجوي، لذا توافق اجتماع القادة العرب والمسلمين على إيقاع مشاهد تدمير المستشفى، وقتل أطفاله بقطع وسائل العلاج، أو بقتلهم بسلاح الجو والقناصة الصهاينة، ويا لها من لحظات مثيرة لعقد القمة العربية الإسلامية!
بيانات.. بيانات!
ليلة عقد القمة العربية الإسلامية لم يتوقف سيل البيانات التي أصدرتها الكثير من القوى السياسية العربية والإسلامية، وصلني ما يقرب من خمسة بيانات من قوى عربية وإسلامية مختلفة التوجه السياسي.
كانت كل هذه البيانات تناشد رؤساء الدول المجتمعين بالرياض باتخاذ قرارات تقف أمام حرب الإبادة الشاملة لشعبنا في غزة، وأمام هذه الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الصهيوني في حق الإنسانية. وقد اتفقت كل الاتجاهات السياسية العربية من قوميين وناصريين وإسلاميين على أنه لابد من موقف حاسم يخرج من القمتين المشتركتين الآن وليس غدا بقرارات قادرة على التصدي للعدوان على الشعب الفلسطيني.
لا أنكر عليك أنني لم أكن متفائلا لخروج قرارات من القمتين، فالواقع الذي أخر عقدهما إلى اليوم السادس والثلاثين للحرب لا يمكن أن يُنبئ عن اتخاذ قرارات لصالح فلسطين. ورغم تفاؤلي من وجود بعض القادة العرب والمسلمين من إيران، تركيا، الجزائر، تونس ، قطر، والعراق، إلا أني لم أعول كثيرا، أولا لوجود ما يسمى بقرارات الإجماع في بيانات وقرارات القمة العربية، والثاني وجود الكثير من الدول العربية التي لا يزال موقفها من القضية الفلسطينية، والمقاومة غير واضح، إن لم تكن ضد المقاومة والنضال من أجل فلسطين محررة من النهر إلى البحر.
ربما كان تاريخ القمم العربية غير مشجع لمتابعة مثل هذه الاجتماعات، إذ لم تخرج تلك القمم بقرارات واضحة وحاسمة طوال تاريخ “خيار السلام الاستراتيجي” الذي بدأ في بداية التسعينيات، مرورا بكل خيارات ومبادرات السلام العربية مع الكيان الصهيوني.
ربما كان آخر قمتين بهما قرارات للتنفيذ هما اللتان أعقبتا هزيمة يونيو/حزيران 1967، وحرب النصر في أكتوبر/ تشرين 1973. ومن ذلك اليوم صارت مخرجات القمم العربية عبارة عن بيانات، إدانة، شجب، مطالبات، دون قرارات تنفيذية أو عملية، فلماذا إذن نعول على قمة الرياض، بهذا المنطق تلقيت بيانات القوي السياسية العربية والإسلامية التي سبقت هذه القمة.
الآن.. وإلا
ما بين أم المعارك الصهيونية ضد مستشفيات غزة وأطفالها التي يشاهدها العالم المتحضر ولا يحرك ساكنا، وبين قمتين بهما نحو 60 دولة أمضيت يوم السادس والثلاثين من معركة صمود الشعب الفلسطيني ضد عصابات الكيان الصهيوني.
كانت الليلة مبشرة إذ تواصلت البسالة والمقاومة لأبطال حماس وكتائب القسام الذي أبلوا بلاء عظيما في تصديهم للهجوم البري الصهيوني، وكلمات السادة أصحاب الفخامة من الرؤساء العرب والمسلمين الذين اجتمعوا أخيرا في الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية بعد أن قرروا ضم القمة العربية الاستثنائية وقمة منظمة التعاون الإسلامي في قمة واحدة تجمع بينهم لخطورة ما يحدث في فلسطين والأرض المحتلة.
توالت كلمات السادة أصحاب الفخامة على مدار اليوم، وقد تناولت أغلب الكلمات توصيف للجريمة الإنسانية التي يقوم بها جيش الاحتلال، وجاءت معظمها متعاطفة مع أهلنا في فلسطين (شكر الله سعيكم).
الحقيقة أن أكثر الكلمات التي استطاعت أن تقدم توصيفا حقيقيا للواقع كانت كلمات الرئيس التركي وأمير دولة قطر، أما أقوى الكلمات فكانت كلمة الرئيس الإيراني والذي أكد في كلمته على شراكة الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب على غزة وفلسطين، وكذلك تحيته للمقاومة الفلسطينية وحماس وكتائب القسام، كما أكد على قيام دولة فلسطين من النهر إلى البحر وهو ما تفاداه معظم الموجودين في القمتين، والبيان الصادر عنهما.
أخيرا جاءنا البيان التالي من اجتماع أصحاب السيادة والفخامة، بيان طويل جدا استفاض في شرح وبيان الأوضاع والجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال من استهداف المدنيين والمستشفيات والأطفال، وإبادة الشعب الفلسطيني، وطالب البيان، ودعا البيان، وأدان البيان.
شجب الرؤساء، ونددوا جميعا بما يحدث، ثم أكدوا جميعا على تمسكهم بقرارات الأمم المتحدة (كتر خيركم) وتمسكوا بالمبادرة العربية للسلام (يا سلام) المطروحة منذ عشرين عاما ولم تحقق شيئا، ودعا أصحاب الفخامة إلى فتح معبر رفح وتوصيل المساعدات الإنسانية لقطاع غزة (رغم أن صاحبة قرار فتح المعبر كانت حاضرة) لا أدري دعوا من ليفتح المعبر؟!
جاءنا البيان من القمتين مطالبا وداعيا ومنددا مثله مثل مئات البيانات التي خرجت من قمم ومؤتمرات شبيهة، ولكن خلا البيان من أهم كلمتين ممكن أن يقالا في مثل هذه الجريمة التي تحدث ونقف عاجزين أمامها.
البيان خلا من توقيت لأي مطالبات فكان غياب كلمة الآن وفورا يجب إيقاف الحرب على غزة. الآن يجب أن تفتح المعابر لغزة. الآن يجب أن يتوقف قصف المنشآت الصحية والمدنيين. الآن سندخل إلى غزة مع المساعدات الإنسانية، ولن نتوقف حتى نعيد الحياة إلى كافة المنشآت الصحية، (الآن يعني حالا.. توا.. دلوقتي).
أما الكلمة الغائبة الثانية ولها ارتباط وثيق مع (الآن) هي كلمة (إلا) فكنا ننتظر: “وإلا سنقطع العلاقات الدبلوماسية والسياسية الآن، و”إلا سندخل غزة معا ولتضربنا القوات الصهيونية الآن”، و”إلا سنقطع العلاقات الاقتصادية الآن”، و”إلا سنقاطع الأمم المتحدة وأمريكا وكل المؤسسات الدولية”.
وقد أجاد أحد الأصدقاء حينما قال: عندما رأي أحد الفلسطينيين البيان قال: لا نريد بيانا نريد غذاء ومياها وكهرباء.
