“الصهاينة العرب” والوقيعة بين المقاومة وأهل غزة

برز مصطلح “الصهاينة العرب” في محيطنا الثقافي منذ مدة، وبخاصة بعد “كامب ديفيد”، وقد زاد انتشاره بعد موجة التطبيع مع الكيان الصهيوني في الآونة الأخيرة، وهو ما تحدث عنه المفكر الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري، وهو يتحدث عن يهودي الوظيفة، وهو شخص منا يحمل شكلنا نفسه، وهو يقوم بالوظيفة وهي: خدمة الصهاينة، فهو يتحدث بلسانهم، ويعبّر عن أهدافهم، أو بما يخدمها، بما يبدو للسامع أنه كلام منطقي وعاقل، وهو من باب الحرص على مصلحتنا، أو مصلحة الشعب الفلسطيني.
التفرقة بين المقاومة وأهل غزة:
آخر ما حاوله هذا الصنف من “الصهاينة العرب”، هو محاولة الوقيعة بين المقاومة وأهل غزة، بلغة تبدو لسامعيها: الحرص والشفقة على أهل غزة المدنيين، الأطفال منهم والنساء، وما يصيبهم من قصف لبيوتهم وتدمير، بينما –حسب ما يعلنون– قيادات “حماس” والمقاومة في أمان تام، بل هم تحت في الأنفاق وفي المخابئ، ثم إلقاء اللوم على المقاومة وقيادتها تحديدًا، وتحديد أسماء أشخاص منها، بأنهم خارج غزة.
عبارات وشبهات يطلقها إعلاميون ظاهرهم عرب، وباطنهم: “صهاينة عرب”، بل تتبناها فضائيات أيضًا عربية، ودخل على الخط: بعض من قدموا أنفسهم كنشطاء، أو بعض من يدعون التنوير في بلادنا، فالعمل على قدم وساق يتم عن طريق: تقديم خطاب يعلي من شأن أهل غزة، ويتعاطف معهم، ولا مانع من إدانة المجازر التي يقوم بها الاحتلال، ولكن، يتم بعدها مباشرة، الحط من شأن المقاومة، وتقديمهم على أنهم مجموعة من الانتهازيين، كي تمر حيلتهم، وتقع الوقيعة أو دق الإسفين.
حيلة مكشوفة وفاشلة:
وهي حيلة ربما تنطلي على بعض البسطاء، لكنها مكشوفة لمن يعرف تاريخ المتكلمين وطريقتهم، فقد كان لهؤلاء مثل هذا الأسلوب مع القضايا الدينية، ومثال ذلك: السنة النبوية، فتراه يحط من شأن الصحابة، وتحديدًا رموز الرواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فتراه يكيل الافتراء والجهل والطعن في أبي هريرة -رضي الله عنه- مثلًا، وهو يسعى لهدف مكشوف، فهو يبدأ بالبخاري، ثم يثني بأبي هريرة، ثم يثلث بالسنة كعلم، ثم ينتهي لشخص النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن بشكل يبدو من ظاهره تناولًا علميًا، والهدف واضح منذ البداية، وما هي إلا خطوات يسلم بعضها بعضًا، ولسنا -هنا- نشبه المقاومة بالمقام نفسه، ولكنه مثال ونموذج لطريقة عمل “الصهاينة العرب” في بلادنا، فهي طريقة محفوظة ومكرورة.
واقع المقاومة يكذب “الصهاينة العرب”:
وهي حيلة فاشلة لا تنطلي على أهل النضال من أهل فلسطين ومؤيديها، لأن أهل غزة، تعرف جيدًا المقاومة أفرادًا وقادة، فإن قافلة الشهداء في غزة يوميًا، لا تخلو من أهل قادة المقاومة، ومن الدرجة الأولى، فطوال الأيام الماضية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، نجد عائلات كاملة تستشهد، وكلها من عائلات المقاومة، ويعرف أهل غزة ذلك جيدًا.
بل إن أحدهم خرج على وسائل التواصل الاجتماعي يطعن في قادة المقاومة، ويدعوهم للدخول إلى غزة بعد لقائهم في مصر بمسؤولين سياسيين، ومارس الخطاب نفسه في الطعن بالمقاومة، ثم بعد بثه بساعات قلائل يتم الإعلان عن استشهاد حفيدة إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لـ”حماس”، ومن قبل “طوفان الأقصى” والمقاومة تفقد قيادات لا حصر لها، فمسألة الشهادة في غزة وأهل فلسطين، أصبحت مسألة فخار وشرف بين العائلات، ويشعر من لا شهيد في عائلته بحرج وخجل.
ثم منذ متى ومقاومة المحتل تكون في مكان مكشوف؟ وهل الجيوش العربية التي ينتمي إلى بلدانها “الصهاينة العرب” تقوم بأعمالها العسكرية في طرق مكشوفة؟! ومن الذي ألجأ المقاومة للعمل في أنفاق؟ أليست بلدانًا عربية أغلقت عليها المعابر، وتركت القرار يرتهن بيد الاحتلال، وإذا كانت الأنفاق هي أحد أهم عوامل صمود المقاومة، وتحقيق إنجازات يشيد بها الخبراء العسكريون كلهم عربيًا وعالميًا، فلصالح من يبتز “الصهاينة العرب” المقاومة بالتخلي عن الأنفاق؟! ثم هل المقاومة هي التي قتلت المدنيين؟ وهي التي قصفت المستشفيات؟ وهي التي أغلقت المعابر، ومنعت قوافل الإغاثة؟ هذه الأسئلة كلها هي الأولى بالطرح، ولكن “الصهاينة العرب” يريدون بالجماهير الابتعاد عنها.
وبدل من توجيه “الصهاينة العرب” اللوم للقاتل الحقيقي وهو الاحتلال وأعوانه، ولمن يصمت عن إجرامه ويعينه، سواء بالعون السياسي أو العسكري، أو سلبيًا بمنع كل ما يوقف هذا العدوان، فهو الأولى بالنقد واللوم، ولكنهم لا يجرؤون، لأنهم يعلمون مصير فعلهم، ومصيرهم -على كل حال- معلوم، فهم أدوات وأبواق ليست إلا، وقد لفظتهم الجماهير، بل واحتقرتهم.
