عندما يصلي اليهودي معك العشاء..!

ابتسم العالم الجليل الدكتور عبد الوهاب المسيري قبل سنوات، وهو يجلس على المنصة محاضرا عن توغل اليهود والصهاينة في حياتنا بالعالم العربي، ورغم أنه ضحك لكنه لم يكن يمزح عندما قال “ليس شرطا أن يأتيك اليهودي وهو يرفع شعار ‘نجمة داود’ بل إنك قد تُفاجأ بأنه مسلم مثلك وأنه أتى ليصلي معك العشاء”.
يتجدد الحديث عن النفوذ الصهيوني المباشر أو غير المباشر في العالم العربي، وعن التطبيع بين العرب وإسرائيل كلما طفا على سطح الأحداث ونشرات الأخبار صراع الوجود المزمن بين العرب وإسرائيل.
إن ما جرى يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حين اقتحم رجال المقاومة الفلسطينية السياج الحدودي بين قطاع غزة والكيان الصهيوني وهاجموا قوات الاحتلال الإسرائيلي وعددا من المستوطنات في ما يُعرف بغلاف غزة وما استتبعه من رد صهيوني بهجوم بربري على مدن قطاع غزة ومخيماته أسفر عن عشرات الآلاف من الضحايا بين شهيد وجريح ومفقود تحت الأنقاض، هو مناسبة توجب الحديث عن التغلغل الصهيوني في العالم العربي من السياسة إلى الاقتصاد ومن الإعلام إلى الزراعة ومن المحيط إلى الخليج.
“اليهودي الوظيفي”
إن جدلا لن ينتهي عن وجود سفارات للكيان الصهيوني في عواصم عربية عدة، وما يستتبعه ذلك من حديث متواتر عن أولويات السياسة وضرورات الاقتصاد، والعالم الذي أصبح قرية صغيرة، والمصالح التي ينبغي أن تتصالح، وعدم جدوى المقاطعة، وعن ارتباط إسرائيل بالولايات المتحدة، وأنه لا يمكن الفكاك من أسر شبكة العلاقات مع الدول الغربية في مختلف المجالات.
يصف الدكتور المسيري من يؤدي خدمات للمشروع الصهيوني دون أن يكون يهوديا بأنه “اليهودي الوظيفي”.
وفي إعلامنا العربي أصوات نشاز تعشق التغريد خارج السرب وشق الصف وتقديم المعوج واختيار الغريب وغير المتواتر من الآراء وإطلاقها في كل الفضاءات، بحثا عن الاختلاف وإثارة الزوابع كأمر مطلوب في حد ذاته، شغلا للساحات والمساحات، وتلبية لرغبات نرجسية في الظهور والتموضع بعيدا عن عموم الناس.
تطل هذه الأصوات في أوقات “اللاحرب واللاسلم” لتلقي مقولات بائدة ثبت كذبها، ولكنها تجد من يرددها ويكررها أو تقذف في وجوهنا بأطروحات عقيمة مطلوب منها أن تتناسل وتلد في كل محفل ومرصد للكلام.
وأما في وقت الحرب التي يشنها الاحتلال الصهيوني بإجرام غير مسبوق على قطاع غزة، فإن هذه الأصوات تطل علينا من بين ركام البيوت ودماء الشهداء ودموع الأطفال، لتتحدث عن خطأ المقاومة الفلسطينية في استهداف المدنيين الإسرائيليين يوم السابع من أكتوبر.
يتحدث هؤلاء -وهم عرب بالاسم فقط- تماما كما يتحدث الإعلام الغربي بأصواته الكثيرة والعالية التي تؤيد الكيان الغاصب، عن أن ما جرى من رد فعل للمقاومة على الاحتلال هو فعل بدأ يوم السابع من أكتوبر الماضي، وأنه بلا ذاكرة أو جذور أو خلفيات، وأنه مقطوع الصلة بما قبله من حصار وتجويع وتطويق لكل متطلبات حياة البشر في غزة.
قد يكون طبيعيا أن تنحاز قنوات غربية لتبرير ممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلي، وقد يكون معتادا في إعلام يعبّر عن مصالح الغرب ذلك التمرير المريب لرواية واحدة منحازة في صراع ضارب بجذوره وامتدادات تشعبه لسنوات منذ ما قبل النكبة الكبرى عام 1948.
لكن الأمر الذي لا ينبغي أن يمر بسهولة هو أن تجد تلك الروايات صدى لها في عالمنا العربي من أبواق تعيش بيننا، يطالها مهما انعزلت صرخات الأطفال والنساء وانفجار القنابل وقصف البيوت واستهداف المستشفيات.
سيتكئ “اليهودي الوظيفي” على مقعده الوثير وهو يضبط حمالات سرواله، وربما أمسك سيجارا فاخرا أو غليونا، ليؤكد أن حماس قامت باختطاف القرار الفلسطيني وأنها ارتكبت أعمالا إرهابية، لكنه سيعود ليلمح أن المقاومة كسرت كبرياء إسرائيل.
سيردد “الوظيفي” أن حركة حماس لا تدافع عن القضية الفلسطينية، وأنها تدافع عن مشروعها الإسلامي وأفكارها، لكنه سيعود ليؤكد أنها تواجه حكومة بنيامين نتنياهو المختلة.
سيتحدث بلغتنا العربية وفي صوته نبرة حزن مفتعلة عن المجزرة التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة، لكنه سيعود ليؤكد أن حركة حماس هي التي أتاحت لإسرائيل فرصة لارتكاب المجزرة بهجومها الذي لم يحسب رد فعل قوات الاحتلال.
نحتاج إلى أتباع “ناطوري كارتا”
الحرب الوحشية التي تدور بآلات القتل الغربية على جثث الشعب الفلسطيني في غزة فارقة بكل ما تعنيه الكلمة، حيث لا ينفع إزاء ما يجري أي تبرير أو تمرير، ولا يصح وقوف مائع في المنتصف مع كل هذه الدماء وكل هذا الدمار، وكل هذا الصمت والتواطؤ الدولي.
لا نحتاج إلى من يدافعون عن “نجمة داود” دون أن يجعلوها شعارا لهم، ولا من ينسبون إلى المقاومة الفلسطينية كل خطيئة وينزعون عنها كل فضيلة ويلقون بها في غيابات الانتحار السياسي، دون حساب أو فهم لما يتكبده الشعب الفلسطيني من خسائر وأوجاع ومعاناة يومية بفعل الحصار والاحتلال.
لا نحتاج إلى تلك الأصوات التي ترى في التبادل التجاري والاقتصادي مع إسرائيل ميزة أكبر من التبادل الثنائي بين الدول العربية، ولا من يفضلون رضا الولايات المتحدة الأمريكية عن رضا الشعوب التي ترى في “بلاد العم سام” حاميا وراعيا للدولة العبرية يجعلها تضع كل القوانين والاتفاقيات الدولية في سلة المهملات بأمان كامل دون خوف من عقاب أو عاقبة.
لا نحتاج إلى من يبرر لحكومة الاحتلال قصف المستشفيات أو محاصرتها بحجة أن المقاومة تختبئ في أنفاق تحتها، ولا من يبرر هدم البيوت والأحياء وتسويتها بالأرض بحجة أن المقاومة تستخدم السكان دروعا بشرية، ولا من يرى في المقاومة الفلسطينية “حركة إرهابية” تستهدف قطعان “المستوطنين المسالمين” ومعظمهم جنود احتياط في جيش الدفاع الإسرائيلي.
لا نحتاج إلى ذلك “اليهودي الوظيفي” الذي لا يحمل “نجمة داود” لكنه يدلف معنا إلى المسجد ليشاركنا صلاة العشاء، وربما كنا نحتاج إلى ذلك اليهودي الحقيقي الذي يقيم صلواته في الكنيس لكنه يرى في الكيان الصهيوني دولة احتلال بغيضة، كما نحتاج إلى أتباع “ناطوري كارتا” وهي حركة يهودية صغيرة ترفض الصهيونية بكل أشكالها وتعارض وجود دولة إسرائيل، وتنادي بإنهاء سلمي للكيان الإسرائيلي، وإعادة الأرض إلى الفلسطينيين، وهم يعتقدون ذلك ويتظاهرون لأجله دون أن يضطر أحدهم إلى دخول المسجد ليصلي معنا العشاء.
