متى تنتهي وليمة القتل في غزة؟

(1) هدف صعب المنال
بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول وما أحدثه “طوفان الأقصى” من تداعيات في إسرائيل والمعسكر الغربي كله، أصبح الهدف المعلن لدولة الاحتلال هو القضاء على “حماس”، ولم ينكر حلفاؤها الغربيون عليها هذا الهدف، وكانت الذريعة المعلنة هي الدفاع عن النفس ضد “حماس الإرهابية“.
وحين بدأت دولة الاحتلال في تنفيذ وعدها بالانتقام، بعد ضمان الدعم الأمريكي الكامل لها معنويًا وعسكريًا، حولت غزة إلى مسلخ، قتل حتى الآن ما يقرب من 12 ألف شهيد، عدد الأطفال فيهم حوالي 5 آلاف، وعدد النساء يزيد عن 3 آلاف بالإضافة إلى أكثر من 29 ألف جريح، وخرجت معظم مستشفيات غزة عن الخدمة بسبب القصف المتواصل عليها، وكذلك عدم وجود وقود لتشغيل الكهرباء فيها وندرة المستلزمات الطبية والأدوية، كما أعلنت منظمة الـ”أونروا” أن عدد موظفيها الذين قتلوا في غزة هو الأعلى في تاريخ الأمم المتحدة ولقد تجاوز الـ100، وكذلك تجاوز عدد الصحفيين الذين قتلوا جراء القصف الإسرائيلي الـ30، وتم تدمير أكثر من 200 ألف بناية سكنية دفنت جثامين ساكنيها تحت الركام، أرقام مروعة خلال مدة قصيرة جدًا لا تتجاوز الشهر بأيام معدودة، فكيف سيكون الحال لو استمر الأمر لأسابيع أو شهور؟ وهل بإمكان الأسلحة الإسرائيلية التمييز في القتل بين مقاتلي “حماس” والمدنيين؟ أم أن الخطة هي إبادة جماعية لسكان غزة حتى تتأكد إسرائيل أنها بالفعل قضت على “حماس”؟ وهو هدف صعب المنال.
(2) أمريكا والغرب خسرا كثيرًا
أمريكا فقدت مصداقيتها في المنطقة العربية، فهي في نظر شعوب المنطقة شريك فيما يحدث في غزة، لأنها الراعي الأول لإرهاب الدولة العبرية، بدعمها غير المحدود واستخدامها حق “الفيتو” ضد أي قرار أممي لوقف إطلاق النار، إدارة بايدن فقدت جزءًا كبيرًا من صورتها كقطب أعظم يحمي الحقوق والحريات، المظاهرات المنددة بالحرب على غزة في الغرب وفي جميع أنحاء العالم تحمّل الولايات المتحدة الأمريكية وزر استمرار القتل الوحشي الممنهج ضد الفلسطينيين في غزة، وكذلك ملاحقتهم في الضفة الغربية، فجرائم إسرائيل بدعم أمريكي. الحرب على غزة والقتل العشوائي للمدنيين العزل يجعل العالم الغربي ولأول مرة ومنذ زمن طويل أمام مرآة الحقيقة الموجعة، الغرب الذي يحاول أن يظهر للعالم أنه الأحق بالريادة والقيادة، لأن لديه منظومة قيم للحقوق والحريات هي الأفضل بين الحضارات والثقافات الأخرى، يبدو الآن أنه مأساة دكتور جيكل ومستر هايد، ازدواجية المعايير تجعله مرشح للسقوط الأخلاقي.
(3) انتهاء الحرب مرهون بحل القضية الفلسطينية
نأتي الآن لسؤال متى تنتهي هذه الحرب وكيف؟ إن كان الهدف المعلن هو القضاء على “حماس”، إذن في حال تحققه ستتوقف الحرب، لكنه هدف مستحيل ولن يحدث أبدًا، وإن حدث افتراضيًا سترث “حماس” حركة مقاومة أكثر راديكالية وكراهية للكيان الصهيوني من بين أطفال غزة الذين شاهدوا أقرانهم وأقاربهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة بسبب القصف الإسرائيلي للقطاع، وعاشوا الدمار الذي أحدثه هذا القصف. إسرائيل في كل مرة تلقي فيها قنبلة على قطاع غزة ترمي معها بذور الكراهية والرغبة في الانتقام التي ستنمو مع الوقت. “حماس” حين شنّت هجومها في السابع من أكتوبر/تشرين الأول كان هدفها الأول حلحلة الموقف ودفع القضية الفلسطينية إلى المقدمة بعد أن كادت أن تنسى، لكن ربما لم تضع “سيناريو” طويل الأجل لما بعد زلزال “طوفان الأقصى” أو أهدافًا محددة يمكن البناء عليها، ربما تصورت أن الرهائن الذين في حوزتها يمكن أن يكونوا وسيلة لتحرير المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال، أو ربما راهنت على أن “طوفان الأقصى” سيحفز الدول العربية والإسلامية على اتخاذ موقف موحد يمكنه إجبار إسرائيل على الجلوس إلى مائدة المفاوضات لإيجاد حل نهائي لقضية طال انتظار الحكم فيها، ربما أشياء كثيرة لكن الأمر الواقع يؤكد أن لا أحد لديه القدرة أو الأدوات أو الإرادة السياسية لإيقاف آلة القتل الإسرائيلية التي تذخرها أمريكا التي تدمر البشر والحجر في غزة، وهذا يدفعنا للتساؤل: وماذا بعد؟ ومتى تتوقف هذه الحرب الانتقامية ضد كل من يحمل هوية فلسطينية؟ وما أهداف إسرائيل الاستراتيجية من الحرب على غزة؟ هل هي احتلال غزة؟ أم ترويض أهلها وتكليف فلسطيني عميل لدولة الاحتلال ليديرها نيابة عنهم؟ التفكير في مستقبل غزة لا يمكن أن يكون مقطوع الصلة بالتفكير في القضية الفلسطينية ككل غير مجزأ، و”طوفان الأقصى” أظهر أنه مهما طال الزمن فسيأتي فلسطينيون مقاومون يحاربون من أجل حقوقهم المشروعة. الحرب على غزة هذه المرة ليست كالمرات السابقة، الصراع فيها يبدو أكثر وضوحًا وجلاء للعالم أجمع، ولا يمكن غض البصر عنه، إنه صراع بين الحق الفلسطيني وبين صلف المحتل الصهيوني، هذه المرة إيقاف إطلاق النار ليس النهاية، والجميع يعرف أنه ستكون هناك جولات أُخر لو لم يتم حل القضية الفلسطينية حلًا جذريًا وهو أمر صعب، لكنه ليس مستحيلًا لو توافرت الرغبة والإرادة لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وتحولت من شريك حرب إلى راعي سلام واستقرار في المنطقة، كما يجب التفكير في مستقبل أهل غزة حين تضع هذه الحرب أوزارها، فإعمار غزة وتنميتها ضرورة حتى لا تظل سجنًا كبيرًا لأهل غزة غالبيتهم من الشباب، ولدى هؤلاء طاقة وطموح لحياة أفضل، وإن لم يجدوا متنفسًا لتحقيق أحلامهم فمن الطبيعي أن يحمّلوا دولة الاحتلال الذنب فيما هم عليه، ويفكروا في الانتقام منها بالوسائل المتاحة كلها، لتظل دائرة العنف مستمرة.
