نتنياهو يغرق في “طوفان الأقصى”

نتنياهو (رويتر)

تُعبِّر تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، عن تضاربه بعمق، وتشوشه بدرجة أعمق بشأن سيناريوهات المستقبل، سواء مستقبل مسارات الحرب العُدوانية على قطاع غزة المحاصر، وكذلك بشأن ما سينجم عنها من متغيرات سياسية، وما يتصل بذلك حتميًا من تداعيات على مستقبله السياسي.

الواضح حتى الآن، فيما يخص الحرب البرية المرتقبة، أن إسرائيل لا تعرف أين تضع أقدامها؟ فالعمليات العسكرية تقتصر على نوبات توغل محدودة النطاق، يعقبها انسحاب وتقهقر، ويصاحبها وقوع خسائر في الآليات والأرواح، ومشاهد فيلمية موثقة، تحرص كتائب القسام على تصويرها وبثها، فتحرز بذلك انتصارات مهمة في الحرب النفسية.

لكن هذا “الواضح” يبدو ملتبسًا ضبابيًا، أمام ناظريّ رئيس الحكومة الأكثر تطرفًا في تاريخ دولة الاحتلال، الأمر الذي ينعكس جليًا في تصريحاته المتأرجحة، ما بين الموقف وعكسه، من دون فاصل زمني، أو تغيرات تستدعي بدورها مواقف جديدة.

من تصريحات “نتنياهو” التي يمكن تصنيفها في إطار الغرائب والعجائب، ما أدلى به مؤخرًا، من أن إسرائيل ستتولى المسؤولية الأمنية في قطاع غزة بعد استئصال شأفة حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، ومعها فصائل المقاومة جميعها.

في التصريح ثلاث ملاحظات غاية في الغرابة، الأولى أنه يتناقض مع تفاهمات إسرائيلية أمريكية، بشأن عدم إعادة احتلال القطاع، وفق ما أكده وزير خارجية البيت الأبيض أنتوني بليكن، على هامش زيارته المنطقة، بداية الشهر الجاري.

والثانية أنه يفترض أن القضاء على “حماس” صار قاب قوسين أو أدنى، وهو الأمر الذي تنفيه شواهد الواقع، إذ تكشف المواجهات المباشرة بين مقاتلي “القسام” وجنود الاحتلال، تفوقًا واضحًا للطرف الفلسطيني، هذا متى كانت المواجهة بين “رجل ورجل”، أو حتى بين “رجل ودبابة”، كما رأى العالم في العملية المدهشة التي أطلقت عليها المقاومة: “المسافة صفر”.

والمؤكد وفق الخبراء العسكريين، أن حربًا برية ضد “حماس” لن تغدو نزهة على رمال سواحل المتوسط في غزة، بل إن وزراء حكومة نتنياهو أنفسهم، ومنهم وزير الدفاع يواف غالانت يرى أن المدى الزمني للعمليات العسكرية في القطاع، قد يمتد عامًا كاملًا، وطبيعي أن هذا الكلام معلوم لرئيس الحكومة.

أما الملاحظة الثالثة، فتتمثل في أنه حتى إذا كان القضاء على “حماس” ممكنًا وكذلك قريبًا، فإن الاحتلال المباشر للقطاع، وفرض السيطرة الأمنية عليه، ستتطلب بالضرورة وجودًا كثيفًا لقوات الشرطة والجيش الإسرائيلي، وسيكون وجودهم هذا وسط كتلة بشرية، لها ثارات حارة مستعرة، جراء الجرائم التي اقترفتها آلة القتل الإسرائيلية، ضد المدنيين منذ إعلان عملية “السيوف الحديدية”.

 

الضياع الإسرائيلي في متاهات غزة

عندئذ سيكون الجنود الإسرائيليون فرائس سهلة للمقاومة، وهي ليست حكرًا بالطبع على حركة “حماس”، بل إن المقاومة تعد حقًا أصيلًا للفلسطينيين جميعهم، فكل ذي ثأر سيلجأ إلى الوسيلة التي تتاح له كي يشفي غليله، وكل موتور خسر المأوى وشيّع ذوي القربى، قد يتحول إلى عبوة ناسفة في لحظة يأس.. لحظة شعارها: “عليّ وعلى أعدائي”.

على أن تصريحات نتنياهو رغم ذلك، لا تنطلق من عدم إدراك للواقع، فقد تكون “بضاعة فاسدة” يحاول بيعها للمستوطنين الغاضبين، الذين يعتبرون أنه “فاشل بدرجة امتياز”، وعليه أن يحمل عصاه ويرحل إلى “ستين مصيبة”، بعد أن تسببت سياساته الحمقاء في “نكسة السابع من أكتوبر/تشرين الأول”، المتعارف عليها إعلاميًا باسم “طوفان الأقصى”.

الضغوط الداخلية على نتنياهو لم تكن في أي مرحلة كما هي الآن، حتى إن استطلاعًا للرأي، أجرته القناة الإسرائيلية 13 أظهر أن 67% من المستوطنين يريدون منه التقدم باستقالته.. هنا قد تستدعي الذاكرة العربية ما للرقم 67 من مدلولات سلبية، لكنها بالطبع مفارقة ليست ذات دلالة، ولا تعدو إلا أن تكون ملاحظة عارضة.

أيما يكن، إن نتنياهو إذ كان يدلي بما ذهب إليه، لم يكن غائبًا عن الوعي، أو مغشيًا عليه، فالمؤكد أنه ملم بأدق التفاصيل، ويعلم علم اليقين أن جيشه إزاء مهمة بالغة الصعوبة، إذ سيخوض حرب شوارع، في بيئة اجتماعية كارهة، وضد فصيل مقاوم تعد هذه الحرب بالنسبة له مسألة وجودية.

كما يعلم أن حكومته آيلة للسقوط، ولن تصمد أمام “نفخة”، وما من شك في أن ارتفاع فاتورة الخسائر البشرية في غزة، ستكون أكثر من “نفخة”، ستكون طوفان غضب داخليًا، بالتوازي مع “طوفان الأقصى”، ذلك مع مراعاة أن جبهة “حزب الله” اللبنانية، لم تزل فيما يمكن تسميته على طريقة ملاعب كرة القدم، تؤدي عملية “الإحماء” تمهيدًا لخوض النزال بكامل قوتها، إذا ما اقتضت الضرورة.

لكن هل يدلي نتنياهو بتلك التصريحات لتهدئة الداخل الإسرائيلي فحسب؟

ظني أن نتنياهو مأزوم نفسيًا، إلى درجة شديدة الإيلام، وهو إذ يلجأ إلى تلك التصريحات التي تتحدث عن سيناريوهات “خرافية”، إنما هو يلوذ بآليات الإنكار المتعارف عليها في نطاقات علم النفس، وهي حيل دفاعية يلوذ المريض عبرها، بنفي الحقائق رغم وضوحها، فإذا هجرته حبيبته مثلًا، يقنع نفسه بأنها غاضبة بعض وقت، وسوف تعود متى تسكن ثورتها، وإذا أصيب بداء عضال، يدعي أنها وعكة طفيفة سرعان ما سيتماثل للشفاء منها.

انفصال نتنياهو عن واقع الأحداث

واللافت أن تضارب تصريحات “نتنياهو” لا يقتصر على تولي الملف الأمني، وما نحو ذلك من هرطقة مستحيلة، إذ يقول أيضًا إنه مستعد لهدنة إنسانية قصيرة المدة في القطاع، ذلك بعد تصريحات مكثفة بأن لا هدنة قبل إطلاق سراح الأسرى.

هدنة أم لا هدنة.. نحن إزاء نسختين إذن من نتنياهو، واحد لا يرفض تنفيذ هدنة مؤقتة، وواحد يرفض الهدنة، ويضع شرطًا تعجيزيًا للقبول بها، وهو تحرير الأسرى، والمؤكد أن المستحيل بعينه هو أن ترمي “حماس” ورقة ضغط ثقيلة كهذه، من دون أن تنتزع مكتسبات في المقابل، وهذه المكتسبات لن تقتصر على وقف إطلاق النار.

المفارقة أن “نتنياهو” إذ يتشبث بإطلاق سراح الرهائن، يتحدث كأنه يملي شروط منتصر على مهزوم، ذلك رغم أن المواجهات حتى الآن، لا يبدو أن طرفًا حسمها، والعمليات الإجرامية التي ينفذها جيش الاحتلال في القطاع، في إطار استراتيجية يمكن تسميتها: “قتل لا قتال”، لم تزحزح المقاومة عن مواقفها قيد أنملة.

إن قصف المدنيين ودور العبادة والمستشفيات، سلوك لا يلجأ إليه جيش منتصر، بل مأزوم مهزوم، والهدف الإسرائيلي المعلن والمتمثل في استئصال “حماس” لن يتحقق منه أقل القليل، عبر هذه الجرائم الخسيسة، وما من حلحلة للموقف المتأزم تلوح في الأفق.

تمعن العمليات العسكرية، أو بالأحرى ما وراء هذه العمليات من دوافع، يؤكد أن الكيان بأسره، صار بغير عقل، في شقيه السياسي والعسكري معًا، بل إن عملية اقتحام مستشفى الشفاء، بذريعة وجود الأسرى فيه، قد كشفت عن تخبط استخباري يضاف إلى قائمة الخيبة الثقيلة، التي بدأت يوم “طوفان الأقصى” ولم تنته بعد.

مع هذه العملية، التي تحرك بغير شك، مشاعر الضمير الإنساني في كل مكان وزمان، ومع فشلها الذريع، ومع حجم الوحشية التي أظهرتها إسرائيل، وحجم صمود الإنسان الفلسطيني، ثمة تخلخل خارجي، وثمة أصوات شعبية ونخبوية تعلو هنا وهناك، لإدانة هذا التشكيل الإجرامي، الذي يملك جيشًا.

هذا انهيار إضافي، انهيار أخلاقي يضاف إلى أرصدة الانهيار الأخلاقي الإسرائيلي، وهكذا فلا ظهير خارجي يمكن أن يستند إليه نتنياهو وقت سقوطه الوشيك.

صحيح أن فاتورة الدماء الفلسطينية بلغت مبلغًا كبيرًا من الفداحة، وما من شك في أن طاقة أهل غزة على الصمود قد يعتريها الوهن، خاصة مع الحصار الاقتصادي الذي يجوّع عيالهم، ويحرم مرضاهم من قرص “الأسبرين”.

لكن على الجانب الآخر، فإن الإسرائيليين ليسوا في بحبوحة الحياة، ونعيم العيش، فالحرب كبّدت الموازنة حتى الآن، عجزًا لا يقل عن 6 مليارات دولار، وأعداد الهاربين من “أرض الميعاد” بلغ وفق صحيفة “ذا ماركر” العبرية 230 ألفًا، ناهيك من الرعب الذي أحدثته عملية “طوفان الأقصى”، هذا إلى جوار الاشتباك السياسي بين المعارضة اليسارية والحكومة، وكذلك الأزمة الأخلاقية التي تزداد تداعياتها تفاقمًا، كلما طال أمد العدوان، ومن تجلياتها تلك المظاهرات الحاشدة ضد جرائم الاحتلال، في عواصم غربية طالما كانت موالية، وهي مظاهرات يتوقع أن تزيد اشتعالًا بعد اقتحام مستشفى الشفاء.

في ظل هذه المعطيات، فأغلب الظن أن نتنياهو ليس أمامه إلا أن يدرس العرض الذي تقدم به المتحدث العسكري باسم كتائب “القسام” أبو عبيدة، تحت عنوان: “الكل مقابل الكل”.. أي تسليم “حماس” أسرى عملية “طوفان الأقصى”، في حين تسلم إسرائيل الأسرى الفلسطينيين في سجونها.

كل هؤلاء من دون استثناء، مقابل كل هؤلاء من دون استثناء.

الخسارة مؤكدة في الرفض والقبول

والمفارقة أن قبول “نتنياهو” العرض، سيُظهره في هيئة المنصاع المهزوم، الأمر الذي سيدق المسمار الأخير في نعش مستقبله السياسي، في حين سيؤدي الرفض إلى استمرار القتال، ومن ثم سقوط المزيد من القتلى في صفوف الجيش، وبالتالي سيرتفع منسوب الغضب الداخلي، وهكذا تصير حكومة الاحتلال إزاء طوفانين: طوفان الأقصى، وطوفان المستوطنين الذين يحمّلونها مسؤولية الفشل.

وبما أن الشاردة تجلو الواردة، كما يقول المتصوفة، فإن نتنياهو حتى الآن يتهرب من الحديث عن مسؤوليته تجاه الهزيمة المذلة التي مُني بها الاحتلال يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بذريعة أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وهو إذ يستنسخ المقولات العربية القمعية، إنما يبتغي التهرب من المواجهة، كونه يعلم يقينًا، أنه المدان رقم واحد إسرائيليًا.

أما فيما يتعلق بموقف “حماس” فإن التنازل عن تحرير الأسرى الفلسطينيين جميعًا، لم يعد ممكنًا بعد سقوط نحو 11 ألف شهيد فلسطيني، فالثمن فادح والمقابل لا بد أن يكون لائقًا بالتضحيات، كما إن التنازل سيدفع المتشدقين العرب من مناهضي المقاومة، ومعظمهم بالمناسبة من “شيعة العدو”، إلى صب جام الغضب عليها، ما يفقدها مكتسبًا مهمًا، ألا وهو التعاطف الشعبي الذي حازته من الخليج إلى المحيط بصورة غير مسبوقة.

بعبارة واضحة، إن الطرفين ليس أمامهما خيارات، والمعادلة غدت صفرية، وما من منطقة وسطى يمكن لأي منهما أن يذهب إليها، ومن ثم فالحرب البرية وحدها هي التي ستحسم سيناريوهات المستقبل، والأرجح في ظل الوضع الراهن، والمعطيات على الأرض أن المقاومة تعرف جيدًا ما عليها فعله، في حين لا يعرف نتنياهو، أو يعرف لكنه ينكر، خوفًا من مواجهة الحقيقة.. والحقيقة أن مستقبله السياسي انتهى، في الحالات جميعها، وأنه أول الغارقين وليس آخرهم في “طوفان الأقصى”.

 

 

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان