غزة تحارب وحدها!

القمة العربية الإسلامية

هل أدار العرب والمسلمون ظهورهم لغزة، وتركوها تحارب إسرائيل وحلفاءها الغربيين وحدها؟ هذا هو السؤال الذي يردده الجميع، بعد انعقاد القمة العربية الإسلامية الطارئة في الرياض، في الحادي عشر من نوفمبر/تشرين الثاني.

قمة عربية إسلامية رأى الجميع أنها كانت يجب أن تنعقد عقب اندلاع الحرب مباشرة، ولكنها تأخرت أكثر من شهر كانت ردود الفعل الباهتة والرخوة هي الحاكمة للمشهد خلال هذه الفترة، وبعد أن انعقدت أجمع الشارع العربي والإسلامي أنها لم تزده إلا إحباطًا، ويقول الذين خبروا شأن القمم السابقة إنهم لم ينتظروا من القمة شيئًا، فشأنها كشأن سابقتها.

جعجعة بلا طحن

لقد عُقدت القمة العربية الإسلامية في لحظة استثنائية في تاريخ المنطقة والعالم، ولأول مرة يجتمع قادة 57 دولة عربية وإسلامية، تملك دولهم من القدرات ما يمكنها –إن توافرت الإرادة- من ممارسة أعلى مستويات الضغط، وتوجيه ضربة قوية لوقف جرائم الإبادة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي بدعم غير مشروط من حلفائه الغربيين -خاصة أمريكا وبريطانيا-، وفي الوقت ذاته تعيش شعوب هذه الدول ومعها العالم الحر حالة غليان ضد الممارسات الصهيونية في غزة، توفر ظهيرًا شعبيًا لاتخاذ القرارات الجريئة وتفعيلها على أرض الواقع، ولكن المأمول وما يجب أن يكون لم يكن له على الأرض من أثر.

خلال هذه القمة التي حضرها زعماء الدول العربية والإسلامية الأكثر تأثيرًا، هناك دول رفعت سقف الخطاب، كما طالب الجميع بضرورة الوقف الفوريّ لإطلاق النار، وإدخال المساعدات لقطاع غزة، ورفض فكرة التهجير التي يدعو لها الاحتلال الإسرائيلي، وتأكيد حقوق الشعب الفلسطينيّ، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، لكن ذلك كله تحول بعد انتهاء المؤتمر وصدور البيان الختامي إلى جعجعة بلا طحن، وضجيج بلا عمل!

قرارات تعكس التباينات بين الدول

واحد وثلاثون بندًا اشتمل عليها قرار قمة الرياض، كانت بمثابة استعراض خطابي، سيضاف إلى سجل القرارات التي خذلت تطلعات الشارع العربي والإسلامي، حيث دارت أبرز بنود البيان الختامي بين إدانة الهجوم على غزة، ومعارضة ذريعة حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، وطلب وقف بيع السلاح لإسرائيل، دون تسمية الدول التي تقوم بذلك وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا ودول غربية أخرى، ومطالبة المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق، ومطالبة الأمم المتحدة بإصدار قرار يدين إسرائيل، كما أعاد قرار القمة التأكيد أن السلام هو الحل الوحيد للصراع مع الاحتلال، وتأكيد مبادرة السلام العربية، وحل الدولتين، ودعا القرار لتنظيم مؤتمر للسلام في أقرب وقت ممكن!

على جانب آخر، هناك من رأى أن بيان قمة الرياض –العربية الإسلامية- خرج بحصيلة عامة تعد موقفًا متقدمًا، في ظل حالة الوهن العربي والإسلامي، كما أشارت بعض التقارير إلى وجود تباينات بين الدول، حيث رفضت دول عربية اعتماد تدابير جدية، منها المقترح الجزائري بحظر تصدير النفط إلى إسرائيل، إضافة إلى حظر استخدام المجال الجوي العربي لنقل أسلحة إلى الاحتلال الإسرائيلي.

ومنذ صدور البيان الختامي لقمة الرياض، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يُتخذ أيُ إجراء فعلي من الـ57 دولة، ولم تنعقد لجنة متابعة تنفيذ قرارات القمة، علمًا أنها قرارات لم تلبِ الحد الأدنى مما يجب اتخاذه من إجراءات.

وهن عربي وإسلامي

منذ اتفاقيات إبراهام التي عقدتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق ترامب، عام 2020، بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، شملت الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، يطرح كثيرون تساؤلات حول دافع هذه الدول للتطبيع، على الرغم من أنها لا تجاور فلسطين ولا تشتبك في صراع مع الاحتلال الإسرائيلي، ولم تدخل معه في حالة حرب، ومن ثم فالاتفاقيات المبرمة مع الاحتلال الإسرائيلي ليست اتفاقيات سلام تنهي حالة صراع، ولكنها اتفاقيات تتعلق بأمور مختلفة تشمل الجوانب الدبلوماسية، والتعاون الأمني والعسكري، والتجاري والمالي، وتم إبرامها وإضفاء الصفة الرسمية عليها، استجابة للضغوط الأمريكية في هذا الاتجاه، دون حتى ربط ذلك بالقضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في أرضه.

يعكس عموم الموقف الرسمي العربي والإسلامي حالة الضعف والوهن الشديد، فعلى مدار مواجهات عديدة مع الاحتلال الإسرائيلي كانت غزة تحارب وحدها، وتنتقل المقاومة من معركة إلى أخرى إلى وضع أفضل من الذي قبله.

اليوم تبدو غالبية العواصم المؤثرة في الموقف العربي والإسلامي أحرص على عدم إغضاب الولايات المتحدة، أكثر من حرصها على وقف حرب الإبادة الإسرائيلية ضد أهل غزة.

فرغم ما يحدث من مجازر، لم تتخذ واحدة من الدول المؤثرة حتى اللحظة قرارات جادة للضغط على الولايات المتحدة والحلفاء الغربيين، لوقف دعمهم الأعمى لإسرائيل في حربها الإبادية بحق المدنيين في غزة.

ورغم المسؤولية التاريخية الكبرى الملقاة على عاتق الدول العربية، لم ترق المواقف العربية إلى مستوى اللحظة التاريخية الفارقة، فالحكومات العربية، ومن منطلقات ضيقة، عجزت أو تعاجزت عن مواجهة هذا العدوان النازي الوحشي ضد الشعب الفلسطيني في غزة، كما عجزت عن أن تتوافق مع شعوبها التي تغلي غضبًا مما تراه من مجازر الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، ولكن الأدهى والأمر، أن الواقع يشير إلى أن المطبعين لا يزالون بعد “طوفان الأقصى” يعوّلون على الكيان الصهيوني -رغم هزيمته الساحقة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول-، ويصطفون مع الرؤية الأمريكية للحرب، ويرون في انتصار المقاومة تهديدًا لمصالحهم، ومن ثم يجدون في الحرب الإسرائيلية على غزة فرصة للقضاء على المقاومة.

ختامًا

لقد قدمت معركة “طوفان الأقصى”، والصمود الأسطوري لأهل غزة فرصة للأمة العربية والإسلامية لاستثمار التحولات التي يعيشها العالم، ورسم مستقبل جديد، يمكن للعرب والمسلمين أن يتحولوا خلاله إلى قطب دولي وقوة عالمية في التعددية القطبية التي تنشأ ويتجه العالم نحوها، فتحدي أمريكا لم يعد مشكلة كبيرة، والدليل على ذلك ما حدث لإسرائيل، التي لم تعد ذات وزن أو قيمة أمام ما فعلته المقاومة.

لن يضر المقاومة في غزة أن تحارب وحدها، ولن يخسر الفلسطينيون أكثر مما خسروا طوال عقود طويلة، فغزة اليوم تقود صحوة عربية وعالمية ضد ما يأفك سحرة الاستعمار والهيمنة، والرضوخ للاحتلال، وصمود غزة والشعب الفلسطيني سيكون عصا موسى التي تلقف ما يأفكون.

 

المصدر : الجزيرة مباشر