حُكْم المحايدين في مجازر غزة وفلسطين

مجازر لا تتوقف .. فهل يجوز الحياد؟!

 

من أغرب الحجج التي تُساق من بعض العرب والمسلمين، عندما تسأله عن موقفه عما يجري في غزة وفلسطين من مجازر يقوم بها العدوان الصهيوني ليل نهار، لا يخشى فيها خالقا، ولا يرحم مخلوقا، ولم يسلم فيها البشر والحجر، أن يقول لك من تتكلم معه: أنا محايد، ولست منحازا لطرف ضد الآخر!

وكأن النقاش يدور حول: أي الفرق الرياضية يشجع؟ فإن كنت تسأله عن الفرق المصرية، فهو يخشى من حساسية أن يكون أهلاويا فيكون السائل مشجعا للنادي الزمالك، فحرصا على مشاعره، لا يعلن موقفه!
أو تسأله عن الفرق الأوروبية، فيخشى أن يخبرك أنه يشجع ريال مدريد، فتكون مشجعا لبرشلونة، أو تسأله عن طعام متعلق بمنطقة معينة، هل يحبه أم لا؟ فحتى لا يقع في حرج، يقول: لا أحبه ولا أكرهه.

هذا اللون المائع والباهت من التفكير والأشخاص، امتلأت به – للأسف – ساحتنا، أو كثرت نسبة أصحاب هذا القول، بل ربما ترى آخر يقول لك إجابة متناقضة تماما، فيقول لك: أنا متعاطف مع أهل غزة، لكني أكره حماس، يقول لك: أنا مع المقاومة، لكني ضد حماس!!

جبن مغلف بالحياد:

والحقيقة أن هذا الموقف ما هو إلا لون من ألوان الجبن في اتخاذ موقف، أو الهروب من المسؤولية، وهو لا يختلف كثيرا عن أتباع الحركات النسوية في بلادنا، الذين كانوا ينشطون في كل مشكلة صغيرة أو كبيرة تتعلق بالمرأة، ما دامت مشكلتها بعيدة عن السلطة، فإذا رأوا منشورا لفتاة تتكلم عن تعرضها لتحرش، بسبب الثياب، أو أي علامة تدل على الموقف الفكري، رأيناهم ملأوا الدنيا حراكا ومواقف، بينما يتم الصمت التام عندما نشرت فتاتان مصريتان عن تعرضهما للتحرش من سائح إسرائيلي في مصر، وكذلك ما رأيناه في صمتهم التام عن الاعتداء على النساء والأطفال في غزة، وهو اعتداء على كامل الجسد، بالقتل، أو الإصابة البالغة التي تسبب عجزا تاما، أو تحرق الجسد، وكأن العدوان على المرأة في مكان ما جريمة، بينما في مكان آخر هو مسكوت عنه، فضلا عن تأييد البعض لذلك.

ومن يعلن في مثل هذه المواقف الحياد، هو في حقيقته ليس حيادا، ولا صمتا مرجعه الحكمة، أو التروي في التفكير قبل إصدار الأحكام والآراء، بل هو هروب وجبن واضح، من أن يكون للشخص موقف، لأنه لا يتحمل دفع ضريبة موقف يصنف فيه، أو يضر بمصالحه الشخصية المتعلقة بالعمل في الشأن العام.

حياد أم انحياز صامت للباطل:

فالصمت والسلبية من اتخاذ موقف، لا يعد حيادا، بل يعد انحيازا للباطل، ولكنه انحياز صامت، والحياد يكون لمن يقوم بدور يقتضي منه طبيعة عمله عدم تبني رأي معلن، مثل: القاضي، فالقاضي الذي يحكم بين خصمين، ويعلم من المجرم ومن البريء، لا يتخذ موقفا، يخدش عدالة حكمه، ولكن الحالة ليست حالة قضاء، أو مثيله، بل حالة حق وباطل، مجرم وحشي، ومعتدى عليه بريء.

ومثل هذه الحالة هي ما أخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم بحدوثها، وبيان أنها من علامات سوء حال الدنيا، وحال أهلها، فقال: “والذي نفسي بيده لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق، فيكون خيارهم يومئذ من يقول: لو ‌واريتها ‌وراء ‌هذا ‌الحائط”، فهو ليس لديه مشكلة في جريمة الزنى، لكن لديه مشكلة أنه يعطل الطريق، والكل يمر ويمضي، ولكن خيارهم يومئذ هو من يقول: لو كان ذلك في مكان مستتر!

موقف (السبهللا):

والحياد الذي لا طعم له، ولا رائحة، ولا توجه، هو ما وردت فيه الآثار، وأقوال العرب بوصف صاحبه بأنه شخص: (سبهللا)، أي: بلا رأي، ولا خطة، ولا توجه، سواء كان ذلك عن قدرة، أم عن كسل، فقد ورد الأثر: “لا يجيئن أحدكم يوم القيامة ‌سبهللا” أي فارغا، ليس معه من عمل الآخرة شىء. وتقول كتب اللغة: يقال جاء يمشي ‌سبهللا؛ إذا جاء وذهب فارغا في غير شيء.

ومنه حديث عمر: “إني لأكره أن أرى أحدكم ‌سبهللا، لا في عمل دنيا، ولا في عمل آخرة”، التنكير في دنيا وآخرة يرجع إلى المضاف إليهما وهو العمل، كأنه قال: لا في عمل من أعمال الدنيا، ولا في عمل من أعمال الآخرة. وتقول معاجم اللغة عنه: يقال للفارغ النشيط: سبهلل، يقال: جاء سبهللا لا شيء معه. وجاء فلان ‌سبهللا، إذا جاء ضالا لا يدري أين يتوجه.

القرآن وجزاء المحايد السلبي:

والقرآن الكريم ذكر لنا في قصص من مضوا، مواقف لمثل هذا الحياد السلبي، الذي يضر ولا يفيد، لأن الصمت يشجع المجرم على جريمته، بل يوحي للجاهل بأنه على حق، لأن بعض العقلاء الخائفين أعلنوا الصمت باسم الحياد، ومن ذلك ما قصه القرآن في قصة نبي الله صالح عليه السلام، فقال تعالى: “إذ انبعث أشاقها. فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها. فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها” (الشمس: 12-14)، فالضمير هنا في التكذيب وذبح الناقة، ضمير جمع، رغم أن من ذبحها هو شخص واحد، وقال عنه القرآن: (إذ انبعث أشقاها)، ولكن عند الحديث عن الجريمة والعقوبة، فجاء بالجمع، لأن هناك من حرض، وهناك من ذبح، وهناك من هلل لما يفعل المجرم، وهناك من صمت صمتا شجعه على الإقدام على جريمته.

وفي قصة أصحاب السبت، الذين حرم الله عليهم الصيد يوم السبت، فخرقوا الأمر الإلهي وذهبوا للصيد، فهناك من اقترف الجرم، وهناك من نهاهم عنه، وهناك من صمت، فقال تعالى: “وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ ‌مَعۡذِرَةً ‌إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ. فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ” (الأعراف: 164-165)، فالقرآن هنا صنّف الجريمة بحسب موقف الناس منها، فهناك المجرم، وقد ناله عقاب الله بالعذاب، والنجاة لمن نهى عنها ورفض، بينما لم يذكر القرآن مصير الساكت، لأنه لم يكن صاحب موقف، ولا ندري هل اعتبر مع المجرمين، أم أمره متروك لله تعالى، بحسب حجة كل شخص فيهم.

مواقف حرة ليهود تحرج المحايدين:

ومما يدل على عوار هذا الرأي، أنك ترى في مظاهرات، ومواد بحثية وصحفية، وإعلامية، ومقابلات تلفزيونية لأشخاص أعلنوا عن رأيهم مما يحدث، واستنكروه بكل وضوح، وهم ليسوا عربا، بل منهم غربيون مسيحيون، وملحدون، وهناك حالات غير قليلة ليهود ضد الصهيونية، وضد ما تقوم به إسرائيل من مجازر، واعتداءات في غزة وفلسطين.

هذه المواقف البينة الواضحة المبنية على الإنسانية عندهم، هي أشرف وأنبل ممن صمتوا وجبنوا عن اتخاذ موقف في مجازر لم يعد لذي عقل أو رأي حجة في عدم التعبير عن موقفه، وليس التعلل والتحجج بالحياد.

 

المصدر : الجزيرة مباشر