المسافة صفر والعقيدة العسكرية لحماس

أبو عبيدة (رويترز)

أصبح تعبير “المسافة صفر” لصيقا بمعارك المقاومة الفلسطينية ضد العدو الصهيوني في غزة أكثر من أي شيء آخر، وهو تعبير يعني في مفهومه البسيط القتال وجهًا لوجه، وقد يكون ذلك عبر مسافة قصيرة، لكن ما جرى خلال الأيام الماضية ضيَّق هذا المفهوم المرن لتكون المسافة “صفرا” فعلا بالمعنى المادي، أي ملامسة الهدف باليد مباشرة كما رأينا في صور ربط العبوات الناسفة بالمدرعات الإسرائيلية.

القتال من المسافة صفر أصبح أحد ملامح العقيدة العسكرية للمقاومة وعلى رأسها حركة حماس لإدراكها أن عدوها يجبن عن المواجهة المباشرة، وهذا ما يدعونا إلى البحث في مرجعيات هذه العقيدة العسكرية القتالية للحركة التي أنتجت معركة طوفان الأقصى بإمكانيات محدودة.

العقيدة العسكرية في أحد تعريفاتها العملية هي “السياسة العسكرية العليا، التي ينطلق منها فن وعلم إعداد واستخدام القوات العسكرية، وحشد جميع القوى المساندة لها، لدولة، أو لجماعة عسكرية تحرُّريّة، في إطار قيمها؛ بغرض تحقيق المصالح العليا لها” (المعهد المصري للدراسات). ميزة هذا التعريف أنه شمل حركات التحرر إلى جانب الدول والجيوش النظامية التي كان التعريف يقتصر عليها فقط من قبل.

الوثيقة التأسيسية والأهداف العليا

بالعودة إلى الوثيقة التأسيسية لحماس (دستور الحركة) المعدلة في 2017 سنجد بعض محددات العقيدة العسكرية للحركة التي ترى (البند 2) أن فلسطين بحدودها من نهر الأردن شرقًا إلى البحر المتوسط غربًا، ومن رأس الناقورة شمالًا إلى أمّ الرشراش جنوبًا وحدة إقليمية لا تتجزّأ، وهي أرضُ الشعب الفلسطيني ووطنُه، وأنَّ طردَ الشعب الفلسطيني وتشريدَه من أرضه، وإقامة كيانٍ صهيونيّ عليها، لا يلغي حقَّ الشعب الفلسطيني في كامل أرضه، ولا ينشئُ أي حق للكيان الصهيوني الغاصب فيها، وإنَّ قيام “إسرائيل” باطلٌ من أساسه، وهو مناقضٌ لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، ولإرادته وإرادة الأمة، ولحقوق الإنسان التي تكفلها المواثيق الدولية، وفي مقدّمتها حقّ تقرير المصير (البند 18)، وأنه “لا اعترافَ بشرعية الكيان الصهيوني؛ وإنَّ كلّ ما طرأ على أرض فلسطين من احتلال أو استيطان أو تهويد أو تغيير للمعالم أو تزوير للحقائق باطلٌ؛ فالحقوق لا تسقط بالتقادم” (البند 19)، وأنه “لا تنازلَ عن أيّ جزء من أرض فلسطين، مهما كانت الأسباب والظروف والضغوط، ومهما طال الاحتلال”. وترفض حماس أي بديلٍ عن تحرير فلسطين تحريرًا كاملًا، من نهرها إلى بحرها، لكن الحركة استدركت بإضافة لهذا البند افي 2017 ، وهي القبول بخطوط الرابع من يونيو حزيران 1967 كصيغة توافقية وطنية مشتركة لحدود الدولة الفلسطينية المستقلة والكاملة السيادة وعاصمتها القدس، مع عودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم التي أخرجوا منها.

ووفقًا لهذه الوثيقة أيضا فإن “مقاومة الاحتلال، بالوسائل والأساليب كافة، حقّ مشروع كفلته الشرائع السماوية والأعراف والقوانين الدولية، وفي القلب منها المقاومة المسلحة التي تعدُّ الخيارَ الاستراتيجي لحماية الثوابت واسترداد حقوق الشعب الفلسطيني (البند 25)، كما تضمنت الوثيقة في بندها التالي 26 “رفض حماس المساس بالمقاومة وسلاحها، وتأكيدها على حق الشعب الفلسطيني في تطوير وسائل المقاومة وآلياتها. وإنَّ إدارة المقاومة من حيثُ التصعيدُ أو التهدئة، أو من حيث تنوّعُ الوسائل والأساليب، يندرج كلّه ضمن عملية إدارة الصراع، وليس على حساب مبدأ المقاومة”.

الباعث الإيماني

لا تخفي حماس هويتها الإسلامية بل تفاخر بها، بل هي ظاهرة في اسمها “حركة المقاومة الإسلامية”، وقد عرفت نفسها في البند الأول من وثيقتها بأنها “حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، مرجعيَّتها الإسلام في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها”، وهذا هو ما يحدد كل تصرفات وسياسات وممارسات حماس السياسية منها والعسكرية، فقتال العدو الصهيوني هو جهاد، والجهاد هو ذروة سنام الإسلام، ومن مات في الجهاد فهو شهيد، وللشهيد منزلة رفيعة، تغري أي مؤمن بالسعي لنيلها، وهذا ما يحرك المقاومة الإسلامية سواء كانت حماس أو الجهاد أو غيرهما، وبالتالي فإن من يسعى إلى الشهادة لا يهاب الموت بل يسعى إليه، شريطة أن يكون هذا السعي ذا هدف مثل تحرير الوطن، أو الدفاع عن العرض أو المال أو النفس إلخ.

من هذا المنطلق الجهادي والاستشهادي يمكننا أن نفهم أن حماس تعتمد بشكل أساسي على الفرد المجاهد، المهيأ نفسيا للاستشهاد، غير المتردد عند مقابلة العدو، وتمثل الأدوات العسكرية والقتالية والبيئة المحيطة نسبة أقل، في حين يعتمد جيش الاحتلال بشكل أساسي على الأسلحة والأدوات القتالية، وبنسبة أقل كثيرا على الفرد المقاتل الذي لا يقوى على المواجهة المباشرة من المسافة صفر كما هي كتائب القسام.

ضمن العقيدة العسكرية لحماس وكتائبها حصر معاركها وعملياتها داخل الأراضي الفلسطينية، وضد العدو الصهيوني مباشرة، فلم تقم الحركة بأية عمليات عسكرية في دول أخرى كما فعلت منظمات مقاومة فلسطينية أخرى (فتح أو الجبهة الشعبية أو الديمقراطية أو القيادة العامة إلخ) خلال العقود الماضية، فالحركة تدرك أن الضربات في القلب أكثر تأثيرا من الأطراف.

مواصفات خاصة للكتائب

تختار القسام أعضاءها بناء على مواصفات متشددة على رأسها الالتزام الديني الراسخ، من حيث الأداء التام للفرائض والسنن، والمرور ببرامج تربوية إيمانية وجهادية خاصة لا يقوى عليها الكثيرون، هذه التعبئة الإيمانية الخاصة إضافة إلى التدريب القتالي العالي هي التي تنتج هذا المقاتل الذي خاض عمليات استشهادية لفترة من الزمن هزت أركان الكيان، والذي يقاتل الآن عدوه وجها لوجه، ويمتلك الجسارة ليلاحق مدرعاته، ويزرع على مؤخراتها العبوات التفجيرية في أدق تجسيد لمفهوم “المسافة صفر”.

بهذه النوعية من الكتائب، وبهذه العقيدة العسكرية استطاعت حماس أن تطور سلاحها من الحجر والسكين في الانتفاضة الأولى إلى الصواريخ الموجهة والطائرات المسيّرة، وإلى تحقيق النصر المفاجئ في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2013 لكن عقيدتها الدينية لا تجعلها متعلقة بالأسباب البشرية فقط، بل قبل ذلك بمعية الله في المعركة التي مهما امتلكت فيها حماس من أدوات قوة تظل غير متكافئة مع إمكانيات العدو.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان