لا تشاهد التلفاز في “واحة الديمقراطية”

الدبابة لم تعد وحدها قادرة على الحسم، فيجب تكميم الإعلام (رويترز)

 

تتعدد مظاهر الحزن وإعلان الحداد في عالمنا العربي الممتد من المحيط إلى الخليج، لكن بعض مجتمعاتنا العربية تَعُد مشاهدة التلفاز ترفيهًا لا يليق في وقت الحزن، ويُعَد -وفقًا لذلك- إغلاق التلفاز والمذياع علامة واجبة لإظهار الحزن عند وفاة قريب أو جار أو صديق.

ومع تنوع طقوس الموت والجنازات في العالم، فإن قليلين يمكنهم أن يتصوروا أنه في عالمنا الحديث هناك دولة يتجه نوابها إلى إصدار تشريع يمنعك دومًا -لا في وقت الحداد فقط- من مشاهدة التلفاز أو الاستماع للمذياع أو حتى مطالعة رسالة على هاتفك سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مكتوبة، ويَعُدك التشريع المقترح مسؤولًا عن ما بها سواء كنت تعرف المرسل معرفة وثيقة أو لا تربطك به أي صلة.

ووسط مئات الأخبار التي تتدفق على مدار الساعة عبر وكالات الأنباء والقنوات الفضائية لتغطية الحرب البربرية التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، وما بين دمار وقتل وأحداث مأساوية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تسلل خبر عن تعديل تشريعي يُعِده برلمان الكيان الصهيوني لم يأخذ حظه من التركيز الإعلامي والمناقشة، إذ توارى خلف مأساوية قصف إسرائيل للبشر والحجر في قطاع غزة.

ورغم أن الحديث مكرَّر وقديم عن عنصرية القوانين في الكيان الصهيوني والتمييز الذي تقننه ضد مواطنيها الفلسطينيين، ولا جديد فيه سوى مزيد من تأكيد بشاعة نظام الحكم في إسرائيل، فإن التعديل الجديد الذي يعتزم نواب الدولة العبرية إقراره، هو تطور خطير في عالم التشريعات إذ إن ما به من غرابة وشذوذ يجعله “إحدى النوادر” في علوم القانون.

فعل سلبي

والتعديل الجديد لا يحاسبك أو يضعك تحت طائلته لأنك فعلت أو هممت بفعل مُجرَّم في القانون، ولكن يَمَسُّك أثره وما يفرضه من عقوبات لو قمت بفعل يوصف في علوم الاتصال بأنه “فعل سلبي” وهو المشاهدة مجرد المشاهدة، أو الاستماع مجرد الاستماع لمواد يصفها القانون الجديد بأنها “إرهابية”.

وفي خضم صفارات الإنذار التي تدوي في “تل أبيب” و”نتانيا” وحالة الفزع التي تجتاح الكيان الغاصب بفعل الصواريخ التي تطلقها المقاومة الفلسطينية من غزة، وافق الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي في 25 أكتوبر الماضي، بالقراءة الأولى على تعديل في مواد قانون “مكافحة الإرهاب” الذي صدر سنة 2016، وينص التعديل المقترح على تجريم “استهلاك مواد إرهابية”، ومعاقبة من تثبت عليه هذه التهمة بالسجن.

غرابة التشريع الجديد هو أنه يعاقب على الاستهلاك بمعنى الاطلاع (المشاهدة أو الاستماع)، ويفرض التعديل المقترح عقوبة تصل إلى السجن عامًا لمن يستهلك أو يتصفح ما يَعُدها القانون “مواد إرهابية”.

ويُجرّم القانون الإسرائيلي نظريًّا مشاركة المواد التي يَعُدها “داعمة للإرهاب” على شبكات التواصل الاجتماعي، وفي التطبيق يمكن تصنيف مشاركة أو نشر آيات من القرآن الكريم، أو أي محتوى يتضامن مع الفلسطينيين في غزة، جريمة تستوجب العقاب حتى لو كانت مقابلة تلفزيونية مع أحد قادة حماس أو أغنية تمجد المقاومة. لكن التعديل الجديد يتوسع أكثر من ذلك ليُجرّم مشاهدة هذه المواد أو الاستماع لها، ويضع عقوبة على المستخدم أو المستهلك تصل إلى السجن.

ومفهوم أن تعديلات قانون مكافحة الإرهاب تستهدف العرب في إسرائيل الذين يستهلكون المنشورات المؤيدة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وباقي فصائل المقاومة، ولجعل “استهلاك المواد الإرهابية” جريمة جنائية.

ويحظر مشروع القانون على الأشخاص “الاستهلاك المنهجي والمستمر لمنشورات منظمة إرهابية في ظل ظروف تشير إلى الارتباط بهذه المنظمة الإرهابية”.

ووافق الكنيست على مشروع تعديل القانون بأغلبية كبيرة، وهو التعديل الذي يحدد حركة حماس الفلسطينية وتنظيم الدولة (داعش) على أنهما المنظمتان “الإرهابيتان” اللتان تنطبق عليهما الجريمة، ويسمح لوزير العدل بإضافة المزيد من المنظمات إلى القائمة بالاتفاق مع وزارة الدفاع، ويجب أن توافق عليه لجنة الدستور والقانون والعدل في البرلمان.

الأكثر فظاعة

المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل (عدالة) رأى أن هذا المقترح من أكثر محاولات الكنيست فظاعة، ليس فقط لتقييد حرية التعبير، ولكن أيضًا للرقابة بوضوح على الأفكار الداخلية للمواطنين.

لم يتوقف الاستنفار التشريعي في الكيان الصهيوني على تعديل “استهلاك مواد الإرهاب”، فقد أعلن وزير الدفاع “يوآف غالانت” ووزير العدل “ياريف ليفين” في حكومة الاحتلال أنهما يسعيان لتوسيع قانون مكافحة الإرهاب، للسماح باستهداف الأفراد بالعقوبات المالية التي يفرضها القانون على الجماعات التي تَعُدها إرهابية.

وسيسمح التعديل الذي ترعاه الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل بتصنيف الأفراد -وليست المنظمات فقط- ناشطين إرهابيين، والتأكد من خضوعهم للعقوبات نفسها التي تم تطبيقها على المنظمات الإرهابية في الماضي.

ويسمح قانون مكافحة الإرهاب، الذي تم إقراره قبل سبع سنوات، لوزير الدفاع بتصنيف جمعية أو مؤسسة “منظمة إرهابية”، وكذلك تصنيف أنشطتها “أعمالًا إرهابية” دون أن يحدد القانون بدقة ماهية ما يوصف بأنه “عمل إرهابي”.

ويمكن القول إن خلاصة التعديلات التي ستشق طريقها بسرعة -دون شك- للإقرار في “الكنيست الإسرائيلي” هو أن تكون هناك جريمة اسمها “مشاهدة القنوات التلفزيونية الفلسطينية أو العربية”، وأن تتضمن لائحة الاتهام أن المذكور قام بـ”الاطلاع على قنوات معادية تُروّج للإرهاب”، وأن تكون أدلة الاتهام هي كل ما تحمله من تعاطف مع القضية الفلسطينية ومع الضحايا الأبرياء الذين تتفرق دماؤهم وجثثهم في أنحاء قطاع غزة المنكوب.

وسيتضمن بالتبعية سجل الجرائم التي يعاقب عليها القانون الإسرائيلي أن تستمع لأغنية تمتدح المقاومة الفلسطينية أو تتفحص رسالة تتضمن مقطع فيديو لاستهداف دبابات الاحتلال في قطاع غزة أو مسمع لخطبة تدعو إلى التضامن مع أهل غزة حتى لو جاءتك من مصدر لا تعرفه.

ووفقًا للتعديل الأول، سيكون الاطلاع جريمة تستوجب السجن. ووفقًا للتعديل الثاني، سيكون من حق وزير الدفاع تصنيفك “شخصًا إرهابيًّا” ينطبق عليك ما ينطبق على المؤسسات التي ترد على لائحة الإرهاب من مصادرة الأموال وتتبُّعها.

ولا نحتاج إلى شرح أن الفلسطينيين في الكيان الصهيوني هم المستهدَفون بهذه التعديلات، وأنها حلقة جديدة في سلسلة القوانين التي تميّز ضد “عرب الداخل”، وتستهدف حصارهم والحجر على هويتهم.

ولكي تعيش بسلام في الدولة العبرية بينما قوميتك هي العربية فيجب ألّا تستعمل هاتفًا ذكيًّا متصلًا بالإنترنت، وأن تحاول استعادة تراث بداياتك مع هاتف (نوكيا 3310)، وألّا تشاهد قنوات الجزيرة أو العالم أو الفضائية الفلسطينية، ومن الأفضل أن تتجنب الشبهات حرصًا على حياتك، وألّا تشاهد التلفاز أصلًا حفاظًا على سجلك الجنائي، لأنك تعيش مواطنًا عربيًّا في “إسرائيل” التي يَعُدها الغرب “واحة الديمقراطية”.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان