الديكتاتور.. والسيئ.. والقبيح

(1) فيلم رعب على مرأى من العالم
تنقل لنا الفضائيات على مدار الساعة ما يحدث في غزة، بث حي لفيلم رعب تعجز هوليوود عن إنتاج مثيل له، الفظاعات التي تُرتكب في حق أهل غزة من الفلسطينيين العزل لا يتقبلها عقل ولا ضمير، كيف يمكن لدولة، عضو في الأمم المتحدة، أن تقوم بالقتل والتدمير بهذا الشكل، دون أدنى احترام للقانون الدولي أو الإنساني، كيف يتم قصف المستشفيات ودور العبادة وبيوت المدنيين على مرأى من العالم والكل عاجز عن إيقاف آلة القتل والانتقام الوحشية، أي حرب تلك؟ في الحقيقة ليست سوى حرب إبادة تعيد إلى الذاكرة ما فعله المستوطنون الأوروبيون في أمريكا بحق السكان الأصليين من الهنود الحمر الذين تمّت إبادتهم بدم بارد، حتى لم يتبق منهم سوى أعداد قليلة مستأنسة تُمثل بقايا زمن ولّى. دولة الاحتلال الإسرائيلي تقوم بالدور نفسه في فلسطين، لكن مصير الفلسطينيين لن يكون هو نفسه مصير الهنود الحمر، لأنه كما قال أحدهم عن الفلسطينيين: كيف يمكن أن تنتصر على شعب يجد أن الموت ليس النهاية.
(2) حين قال بايدن لشي: يا “ديكتاتور”
تابعت ما نشرته وكالات الأنباء عن قمة الساعات الأربع التي جمعت بين الرئيسين الأمريكي جو بايدن والصيني شي جين بينغ في كاليفورنيا على هامش منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (آبيك). العلاقة بين البلدين يسودها التوتر منذ ولاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، كما أن تحليق منطاد صيني في المجال الجوي لأمريكا الشمالية مطلع هذا العام زاد الطين بلّة، وأدي إلى تبادل الاتهامات بين البلدين ورفع درجة التوتر بينهما. كان العالم ينتظر نتائج إيجابية لهذه القمة التي تُعقد بين أهم اقتصادين في العالم بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وزيادة معدلات التضخم التي أدت إلى صعوبات معيشية في العديد من بلدان العالم سواء الدول المتقدمة أو النامية. نتائج القمة جاءت متواضعة للغاية، ولعل أهمها أن اتفق الرئيسان الأمريكي والصيني على بقاء خط التواصل بينهما مفتوحا. رغم ذلك فقد صرَّح الرئيس الأمريكي بعد القمة بأنها كانت “بناءة ومثمرة”، مكررا مع ذلك أنه لا يزال يَعُد الرئيس الصيني “ديكتاتورا”. من حق بايدن أن يصف الرئيس الصيني بما يجده متوافقا مع القيم الأمريكية التي يدعي أنه يحكم بمقتضاها، لكن يا تري بماذا يمكن أن تصف الشعوب العربية والإسلامية “جو بايدن” شخصيا بعد مشاركته العلنية والفعلية لإسرائيل في حرب الإبادة التي تشنها علي الفلسطينيين في غزة؟ وهل يا تري السيد “بايدن” يجد أن ما تقوم به الصين مع المسلمين الإيغور في إقليم شينجيانغ أكثر بشاعة وعنصرية مما تفعله إسرائيل في غزة ؟ من قبل وصف بايدن الزعيم الروسي بوتين بالديكتاتور، وأخيرا شبَّهه بحماس في مقال نشره بصحيفة واشنطن بوست، جاء فيه “يقاتل كل من بوتين وحماس من أجل هدف واحد مشترك، وهو محو ديمقراطية مجاورة من بلديهما من على الخريطة “. بايدن لا يلتزم بالوقائع والحقائق، فإذا أردنا تشبيه حماس برئيس فسيمثلها الرئيس الأوكراني زيلينسكي الذى يدافع عن وطنه وليس العكس.
خلط الأوراق وترويج الأكاذيب والمعايير المزدوجة في المعاملات الدولية أصبح سمة من سمات دولة أمريكا العظمي، ولا أعرف ما الوصف الذي ينطبق على الرئيس الأمريكي بايدن، ربما الأقرب إليه حاليا هو السيئ THE BAD، تشبُّها بشخصية القاتل المحترف في الفيلم الشهير (The Good, the Bad and the Ugly).
(3) القبيح
وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت يستحق بجدارة لقب القبيح، في الفيلم السابق ذكره “القبيح “هو شخص خارج عن القانون، غادر ومراوغ، لا يلتزم بوعد أو عهد. وفي المعجم، القبيح: كل ما ينفر منه الذوق السليم ويأباه العرف العام، ويكون شائنا ومخجِلا، وهو ما ينطبق على ما يقوم به جيش الاحتلال في غزة. قبل تنفيذ عملية القصف العنيفة على مدرستي الفاخورة وتل الزعتر، وفي مخيم جباليا، التي أدت إلى مقتل نحو ألف من المدنيين الفلسطينيين في يوم واحد، ردد غالانت في حديثه مصطلح “تغيير الوعي الفلسطيني”، والمقصود به تغيير المفاهيم والعقائد المعادية لإسرائيل، بحيث يقتنع الفلسطينيون بأن هجوم حماس على إسرائيل هو الذى تسبب لهم في الدمار والموت، وأن حماس إرهابية. وزير الدفاع الإسرائيلي بالفعل “قبيح” لأنه لا يخجل مما يقول، يتصور أنه يمكن أن يقوم بما قام به الحلفاء في نهاية الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا واليابان، حين دمروا مدنا ألمانية ويابانية وقتلوا آلافا من الألمان واليابانيين ليعطوا الدوليتين درسا قاسيا لا يُنسى، يغيّر مفاهيمهما إلى الأبد ويكون رادعا دائما لهما، ولكن وزير الحرب الإسرائيلي وكل مسؤول في دولة الاحتلال العنصرية النازية يُغفل الحقيقة، وهي أن الفلسطينيين لم يطمعوا في وطن غيرهم، ولم يحاربوا من أجل احتلال دولة أخرى، وأن الإرهابيين والنازيين هم جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون المتطرفون الذين يريدون ابتلاع كامل الأرض الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين من وطنهم الأصلي، ولكن الحق سيعود مهما طال الزمن إلى أصحابه، فهذا وعد الله، ووعد الله حق، وحتى ذلك الحين علينا جميعا أن لا ننسى من هو السيئ ومن هو القبيح، وأن الديكتاتور يمكن أن يكون أهون الثلاثة شرّا، وأن اللغة العالمية المعترَف بها هي القوة، لذا علينا أن نُعِد ما استطعنا منها للحفاظ على حقوقنا المشروعة.
