خسائر الاقتصاد الإسرائيلي أكبر من المعونات

شيكل إسرائيلي

في أغسطس/آب من العام الحالي أكدت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تصنيفها للاقتصاد الإسرائيلي عند درجة (أ) بلس، مع نظرة مستقبلية مستقرة مبررة ذلك بأنه اقتصاد متنوع ومرن وذو قيمة مضافة عالية وتمويل خارجي قوي، وفي استعراضها لنقاط الضعف في الاقتصاد الإسرائيلي جاءت المخاطر الأمنية في المرتبة السابعة.

لكن عملية طوفان الأقصى غيرت تلك النظرة تماما حيث تضاعف أثر المخاطر الأمنية؛ مما جعل وكالات التصنيف الثلاث الرئيسية تخفض النظرة المستقبلية للاقتصاد الإسرائيلي، وتضعه قيد المراجعة من قبل وكالتي موديز وفيتش، نتيجة الآثار السلبية التي لحقت به في العديد من المجالات كالصادرات والسياحة والاستثمار والعملة والاحتياطيات والصناعة والزراعة والتجارة وغيرها.

ورغم دفاع البنك المركزي عن الشيكل الإسرائيلي من خلال ضخ عشرات المليارات من الدولارات في السوق من الاحتياطيات، فقد لحق الانخفاض بالعملة الإسرائيلية، وأدى استدعاء نحو 360 ألفا من قوات الاحتياطي للخدمة العسكرية، إلى التأثير سلبا في قطاعات التجارة والصناعة والزراعة، وواكب ذلك توقف وصول العمالة الفلسطينية التي كانت تصل من الضفة الغربية، والتي يصل عددها إلى 110 آلاف شخص، إضافة إلى العمالة القادمة من غزة وهي أقل عددا.

ومع قلة العمالة تراجعت الطاقات الإنتاجية بالمصانع، كما تراجع الإنتاج الزراعي خاصة بعد فرار عمال الزراعة التايلنديين من المزارع، كما تأثر قطاع البناء الذي يعتمد بنسبة 25% من عماله على العمالة القادمة من الضفة الغربية؛ مما أدى إلى الاستعانة بعمالة صينية، والتشاور مع الهند لاستقدام عمالة بناء.

   تأثر سلبي لقطاع التكنولوجيا المتقدمة

وأثرت ظروف الحرب وتوالي إطلاق صفارات الانذار في الحركة التجارية ومعدلات الإنفاق؛ مما زاد أسعار السلع الغذائية، وهو ما يتوقع استمراره في ضوء توقع ارتفاع تكاليف تأمين شحنات السفن القادمة إلى إسرائيل، بعد اختطاف الحوثيين لسفينة يملكها رجل أعمال إسرائيلي.

وعندما تكون المسافة بين ميناء أسدود وغزة 20 كيلومترا الذي يتم من خلاله تصدير معظم السماد، فمن الطبيعي أن تتأثر تلك الصادرات في ضوء وصول صواريخ المقاومة الفلسطينية إلى المنطقة، كما كان إغلاق حقل تمارا لإنتاج الغاز الطبيعي أحد عوامل انخفاض صادرات الغاز الطبيعي.

ومن الطبيعي أن تتأثر السياحة رغم أن شهر نوفمبر/تشرين الثاني كان يمثل الذروة السياحية عادة؛ فإذا كان سكان مستوطنات غلاف غزة وسكان المستوطنات المجاورة لجنوب لبنان قد انتقلوا إلى الفنادق، فإن إنفاق هؤلاء لا يقارن بالسياح، الذين أصبحوا يتركزون في العاملين بوسائل الإعلام لتغطية أحداث الحرب، كما ستتأثر الإيرادات الضريبية مع موازنة مصابة بالعجز المزمن منذ سنوات طويلة، وبالمقابل زيادة نفقات الدفاع والتعويضات لأسر القتلى والمصابين والنازحين من مستوطناتهم المجاورة لأماكن الحرب.

ومع طول أمد الحرب الذي بلغ 46 يوما قبل الهدنة، فقد تأثرت البورصة الإسرائيلية وزاد خروج استثمارات من قبل صناديق استثمار تستثمر في الأسهم الإسرائيلية، وكذلك تأثر الاستثمار الأجنبي المباشر، وقطاع التكنولوجيا المتقدمة الذي يشغل 14% من القوة العاملة، وكان هذا القطاع قد تأثر سلبا قبل الحرب الأخيرة بعوامل أخرى تشمل تباطؤ الاقتصاد العالمي، وانهيار بنك سيلكون فالي الذي كان يؤدي دورا مهما في تمويل شركات رأس المال المخاطر الإسرائيلية.

وجاءت أزمة التعديلات القضائية وما سببته من مظاهرات وانقسام في زيادة المخاوف؛ مما أدى إلى انخفاض قيمة ما جمعته الشركات الناشئة من تمويل خلال شهور العام الحالي قبل الحرب، عما جمعته بنفس الشهور من العام الماضي أو العام الأسبق، وكانت أزمة التعديلات القضائية قد دفعت وكالة موديز للتصنيف الائتماني إلى تعديل نظرتها المستقبلة، للاقتصاد الإسرائيلي من إيجابية إلى مستقرة في إبريل/نيسان من العام الحالي.

المعونات تشكل نسبة صغيرة من الاقتصاد

ومن الطبيعي أن يقول البعض إن المعونات الأجنبية سوف تتكفل بتغطية تكلفة تلك الخسائر، خاصة أن المعونات الأمريكية وحدها تتخطى 14 مليار دولار، وهي معونات لم تتوقف منذ قيام إسرائيل، وقد بلغت 145.5 مليار دولار حتى نهاية العام الماضي.

ولكنه من المعروف أن أي اقتصاد لا يمكنه أن يعتمد على المعونات وحدها، خاصة اقتصادا مثل الاقتصاد الإسرائيلي الذي بلغ حجمه العام الماضي 522 مليار دولار، محتلا المركز الثامن والعشرين دوليا، أي أنه أكبر من اقتصاد أي دولة عربية سوى السعودية، وبلغ به متوسط دخل الفرد من الدخل القومي 54 ألفا و650 دولارا العام الماضي.

ويرتكز الخطاب الدعائي الإسرائيلي في محاولته لاجتذاب اليهود من أنحاء العالم للإقامة بإسرائيل، على ارتفاع مستوى دخل الفرد، وعوامل الأمن، وذلك للتغلب على الخطر الديمغرافي المتمثل في زيادة تكاثر عدد الفلسطينيين، بما يمكنهم من تخطي عدد الإسرائيليين، الأمر الذي يمنع إمكانية قيام الدولة الواحدة التي تضم اليهود والفلسطينيين، وكذلك تنفيذ حل الدولتين أيضا لنفس المخاوف الديمغرافية خاصة في حالة عودة جانب من اللاجئين الفلسطينيين من الخارج.

كما أن انخفاض المستوى المعيشي للسكان وتزايد المخاطر الأمنية يمكن أن يتسبب في هجرة معاكسة، خاصة أن نسبة 14% من السكان مولودون في أوربا والولايات المتحدة وأستراليا، أي أنهم يحملون جوازات سفر أخرى غير إسرائيلية وكثير منهم ذو كفاءات علمية، بخلاف 2% مولودين بآسيا و4 % مولودين بإفريقيا، ولهذا مثلت المعونات من إجمالي موارد النقد الأجنبي العام الماضي نسبة 4% فقط، بينما كان النصيب النسبي للصادرات الخدمية 37% وللصادرات السلعية 34%.

ولهذا يمكن مقارنة مبلغ الـ14 مليار دولار التي طلبها الرئيس بايدن من الكونغرس، بإيرادات النقد الأجنبي من مختلف المصادر التي زادت العام الماضي على 235 مليار دولار، مع الأخذ بالاعتبار أن غالب تلك المعونة سيتجه إلى العتاد العسكري.

زيادة المخاطر الأمنية واهتزاز الثقة

ولكنه مع تصور أن المعونات الجديدة من الولايات المتحدة ومن الدول الغربية ستغطي تكلفة الحرب التي لا يعرف أحد وقت نهايتها، حيث لم تحقق الحكومة الإسرائيلية حتى تطبيق الهدنة أهدافها التي أعلنت عنها عند إعلانها حالة الحرب، بالقضاء على فصائل المقاومة وإنقاذ كل رهائنها لدى تلك الفصائل.

وهنا ستبقى خسائر لن تستطيع المعونات الأجنبية تغطيتها، منها تغيّر الصورة الذهنية عن إسرائيل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام، بدول الغرب وغيرها من دول العالم، في ظل المجازر التي ارتكبتها ضد الأطفال والنساء وتخطي عدد الشهداء 14 ألف وخمسمئة شخص، فضلا عن سبعة آلاف شخص ما زالوا مفقودين وآلاف المصابين.

وهنا نشير إلى أن هذا المواطن الغربي الذي تغيرت نظرته إلى إسرائيل، كان يمثل مستهلكا محتملا لمنتجاتها الموجودة في أسواق بلده، سواء السلعية أو الخدمية، كما كان يمثل سائحا محتملا يمكن أن يتجه إلى إسرائيل، أو كان يعد مستثمرا محتملا بها سواء بشراء أسهمها أو سنداتها المطروحة بالخارج أو حتى القيام باستثمارات فيها.

ونضيف هنا الأثر التجاري والاقتصادي للدول التي خفضت علاقتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وبالطبع سيقول البعض إن معظم تلك الدول محدودة الحجم اقتصاديا وعلاقتها الاقتصادية ليست كبيرة رغم أن من بينها جنوب إفريقيا وتركيا ذات العلاقات التجارية الجيدة مع إسرائيل، ولكن يدخل أثر عامل آخر وهو دعوة المقاطعة للمنتجات الإسرائيلية ومنتجات الدول الداعمة لها، التي وجدت صدى لدى الكثيرين، ولعل مشاهد خلو عدد من المطاعم، بمصر وغيرها، التي تحمل أسماء دعت حركة المقاطعة إلى عدم التعامل معها أحد الشواهد.

لكن يظل عامل التهديدات الأمنية هو الأكبر تأثيرا في توجه الاستثمار الأجنبي إلى إسرائيل في الفترة المقبلة، أو حتى استثمارات الحافظة، خاصة أن الكثيرين أصبحوا أكثر اقتناعا بأنه بدون حل مشكلة الفلسطينيين ستظل عوامل التهديد الأمني موجودة، مع توقعات بالمزيد من العنف اتجاه مصالح إسرائيل والدول الداعمة لها من قبل أقارب الشهداء الذين وصل عددهم إلى الآلاف.

وإلى جانب ما سبق يبقى عامل رئيسي لن تستطيع المعونات علاجه وهو اهتزاز الثقة في الاقتصاد الإسرائيلي، وبدون ثقة لن يكون استثمار جديد أو توسع في الاستثمارات القائمة، ومن تلك الأمثلة مشروع الممر الاقتصادي الذي كانت مقررة إقامته بين الهند ودول الخليج وإسرائيل وأوروبا، ومشروعات التطبيع من قبل بعض الدول العربية مع إسرائيل، التي يتوقع تعطلها لبعض الوقت.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان