عندما يستقوي جيش الاحتلال على المستشفيات والجرحى والمدارس

لم يجد الكيان المحتل شيئًا يستقوي عليه منذ معركة “طوفان الأقصى” سوى المستشفيات والمدارس والمساجد، وذلك لافتعال انتصارات وهمية لم تسفر عن شيء حتى الآن سوى مجازر بشعة ضد المدنيين والجرحى من النساء والأطفال.
فقد قصف جيش الاحتلال العديد من المستشفيات، وخلّف هذا القصف المئات من الشهداء والجرحى، كما حدث في مستشفى المعمداني الذي أسفر عن 500 شهيد، ومئات الجرحى، وأخرج جيش الاحتلال في قصفه المتواصل على غزة العديد من المستشفيات عن الخدمة بعد قطع المياه والوقود والكهرباء عنها.
المستشفيات هي الهدف
وقد رأينا -منذ بداية الحرب- قصف محيط المستشفى الإندونيسي المستمر، وإطلاق النار على مَن فيه، وكذلك مستشفى الشفاء، وغيرهما من مستشفيات القطاع، والقيام بمذابح تعدّ جرائم حرب واضحة في القانون الدولي والجنائي، ولكن مَن يحاسب إسرائيل وهي لا تبالي بالمجتمع الدولي والعالم طالما وقفت معها أمريكا وبايدن رغم المعارضات ضده من المجتمع الأمريكي؟
وهكذا لم يجد جيش الاحتلال سوى الاستقواء على المستشفيات والجرحى والمرضى والنازحين، لمحاولة تحقيق نصر زائف بعدما قامت المقاومة بهزيمته في معركة الطوفان في هزيمة استخبارية وعسكرية لم تحدث له منذ 70 عامًا، ولأنه يريد أن ينتقم من المقاومة، فبدلًا من مواجهتها كان القصف المستمر الذي خلّف أكثر من 13 ألف شهيد غالبيتهم من الأطفال والنساء، وأكثر من 30 ألف جريح، وأكثر من 6 آلاف مفقود.
مستشفى الشفاء هدف عسكري
وكان اقتحام جيش الكيان المحتل لمستشفى الشفاء بدعوى وجود قيادة “حماس” فيها مثارًا للسخرية، فقد تمخّض جيش العدو عن كذبة كبيرة، وثبت فشله في إيجاد دليل على وجود قيادة أو مقاتلين من حركة “حماس” داخل المستشفى، وعندها لم يجد بُدًّا من محاصرة مستشفى الشفاء، وقطع الاتصالات عنه، وعن الطاقم الطبي به، في محاولة لتلفيق الاتهامات الكاذبة.
ولم يسمع الكيان المحتل بالنداءات الدولية بالسماح بدخول الأدوية والعلاج والوقود والغذاء والمياه للمرضى والنازحين للمستشفى، وهم بالآلاف، ومئات الجرحى والمرضى والأطفال الخُدج، وغيرهم من أصحاب الأمراض الخطِرة كمرضى السرطان والكُلى، ولكن جيش الكيان المحتل تعامل كالأسد المغوار مع المرضى والطاقم الطبي في سابقة لم تحدث من قَبل، إلى أن أجبرته المقاومة على الرضوخ، وقبول الهدنة المؤقتة مرغمًا.
لقد كان الهدف المعلن لجيش الكيان -وهو يقتحم المستشفيات- هو البحث عن مراكز قيادة المقاومة، وكان لديه هدف آخر غير معلن هو تحرير أسراه الذين أُسروا في معركة “طوفان الأقصى”، ولكنه فشل في تحقيق الهدفين، ولم يعثر على أسراه، أو كما يطلق عليهم هو الرهائن، كما لم يعثر على أي أثر لتأكيد وجود مقرات لقيادة “حماس” في المستشفيات.
جرائم حرب
عندها قام جيش الاحتلال بعد اقتحام المستشفى ومحاصرته لأيام بغرض التفتيش كما ادّعى بطلب إخلاء المستشفى من المرضى والنازحين، والطواقم الطبية، وهو طلب غريب إنسانيًا، وهو بالطبع لا يعرف معنى الإنسانية، لأن خروج الجرحى والمرضى والأطفال الخُدّج يعني الموت قطعًا لهم، ولأن جيش الاحتلال لا يعرف معنى الإنسانية، ولم يبالِ بالنداءات الدولية الطبية، كالصليب الأحمر، والهلال الأحمر، ونداءات الطواقم الطبية داخل المستشفى.
لقد أصبح الطاقم الطبي في مستشفى الشفاء أبطالًا في نظر العالم رغم أنف نتنياهو، وأصبح مدير مستشفى الشفاء بمواقفه من جيش الاحتلال الذي حاصر المستشفى الذي يديره بطلًا في نظرنا وهو يردّ على رسائل الاحتلال وأوامره، ليثبت للعالم أن الفلسطينيين رجال رغم سنوات الاحتلال الطويلة ما زالوا متمسّكين بأرضهم ووطنهم، وأنهم كلهم مقاومون، كلّ في موقعه، حتى وإن كان طبيبًا لا يحمل السلاح.
أراد الكيان المحتل تحقيق نصر على أنقاض المستشفيات، فقام بمحاولة فبركة أدلة على وجود رجال المقاومة في مستشفى الشفاء ثبت للجميع كذبها من تفاهتها، فهو أعلن عن أدلة أن هناك بعضًا مِن أسراه كانوا موجودين بالمستشفى، وهو أمر لم تنفِه “حماس”، لأنه في صالحها، فقد كانوا يعالجونهم، وهذا أفضل ممن يقصف المستشفيات على المرضى والجرحى.
الفبركة هي الحل
وفبركت قوات الاحتلال وجود نفق في منطقة فضاء بأحد جوانب المستشفى وذلك بعد مدة 9 أيام من محاصرتها للمستشفى، وهو أمر حتى وإن كان صحيحًا فقد أعلنت “حماس” أن الأنفاق في كل مكان، وبطول مئات الكيلو مترات وبالمئات، فلماذا لم يظهر هذا النفق المزعوم إلا بعد طلب إخلاء المستشفى من المرضى والنازحين؟!
حتى إن المراسلين الأجانب الذين صاحبوا جيش الاحتلال قالوا “لم يُظهِر لنا الجيش الإسرائيلي أي أنفاق”، والآن يحاول جيش الاحتلال أن يسوّق الأسباب نفسها لإخلاء المستشفى الإندونيسي الوحيد الذي يعمل حاليًا، وفيه المئات من الجرحى يحتاجون لجراحات عاجلة وجثث مُلقاة منذ أيام لا يستطيعون دفنها.
لقد ثبت كذب الكيان المحتل وهو يدخل هذه الحرب لأول مرة كردّ فعل بعد معركة “طوفان الأقصى”، وليس لديه خطط واضحة، وهدفه مِن تحرير أسراه لن يستطيعه إلا لو أرادت المقاومة ذلك، فهو يقصف كالمجنون القطاع كله، شماله وجنوبه، لمحاولة تهجير أهالي غزة، فلا يبالي بالمستشفيات والمدارس والمساجد في محاولة انتقام فاضحة، لن يحقق فيها انتصارًا على المقاومة، ولكنّ انتصارًا وهميًا على الجرحى والمرضى تأباه أخلاق الجنود، والدول المحترمة.
ربما تكون معركة “طوفان الأقصى” كاشفة عن أخلاقيات الكيان المزعومة، فقد فضحته هذه الحرب أمام شعوب العالم، وظهر هذا جليًا من خلال المظاهرات في دول العالم كلها حتى شعوب الدول التي تقف حكومتها مع الكيان، فبعد قصف مدارس “الأونروا” والمستشفيات ماذا تبقّى من جرائم حرب لم يفعلها الكيان المحتل؟!
إن الاستقواء على المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس لن يجعل أهل غزة يستسلمون أو يتركون وطنهم، ولكن سيظلون صامدين ضد جيش الاحتلال حتى آخر شهيد من أجل تحرير وطنهم.
