هدنة غزة واستمرار الحرب والتوسع الإقليمي المحتمل

اتفاق هدنة إنسانية في غزة لأربعة أيام قابلة للتمديد، تم الإعلان عن تفاصيله في العاصمة القطرية الدوحة، كان نتاج جهود وساطة قطرية، ومعها مصر والولايات المتحدة الأمريكية، بدأ سريانه في السابعة من صباح يوم الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني.
وبعيدا عن تفاصيل اتفاق الهدنة في غزة، التي أعلنها المتحدث باسم الخارجية القطرية، وتناولتها بإسهاب وسائل الإعلام المختلفة، فإن الوصول إلى اتفاق الهدنة استقبله كثيرون بتفاؤل وأمل في أن يكون خطوة نحو وقف الحرب الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة في أقرب وقت ممكن، ومنع توسعها إقليميا، خاصة بعد أن كبدت المقاومة جيش الاحتلال الإسرائيلي خسائر غير مسبوقة في تاريخه، على صعيد الآليات والأفراد، تضاف إلى الهزيمة والضربة الاستراتيجية التي تلقاها الاحتلال في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ومن ورائه الراعي الأمريكي والحلفاء الغربيون، إضافة إلى تزايد ضغط الرأي العام العالمي الرافض لجرائم الاحتلال الإسرائيلي، وحرب الإبادة الوحشية ضد المدنيين في غزة، التي أغلب ضحاياها من الرضع والأطفال والنساء.
وهنا يطرح سؤال نفسه، وهو: هل من الممكن أن تقود الهدنة في غزة إلى وقف لإطلاق النار، وتمنع توسع الحرب على الصعيد الإقليمي، أم أن الحرب ستستمر ويزداد التصعيد الإسرائيلي، ويصبح اشتعال حرب إقليمية أقرب احتمالا، خاصة مع الواقع الميداني لجبهات أخرى في لبنان والعراق واليمن؟ وهذا يدفع إلى سؤال آخر، وهو: كيف تنتهي الحرب على غزة ومتى؟
اتفاق الهدنة وانكسار الإرادة الإسرائيلية
لا شك في أن الوصول إلى اتفاق الهدنة في حد ذاته، بغض النظر عن أي شيء يمكن أن يحدث خلالها، يحمل دلالات، أهمها: أنه يمثل انكسارا للإرادة الإسرائيلية، وتحطيما لإرادة نتنياهو تحديدا، وضربة لمستقبله السياسي، مع تراجع أهدافه المعلنة، وهي: القضاء على حماس، وأضاف بعد ذلك هدف تحرير الأسرى عبر العمل العسكري، وكذلك ترحيل الفلسطينيين من غزة، ولكن لم يتحقق شيء من ذلك، وفشل الجيش الإسرائيلي فشلا ذريعا، وتعاظمت خسائره، يضاف إلى ذلك خسائر إسرائيل الاقتصادية، التي أجبرتها على استدانة ستة مليارات دولار، والخسائر السياسية على الصعيد الدولي.
كما تزايدت ضغوط عائلات الأسرى، وأصبح موضوع الأسرى هو محور التركيز في الوقت الحالي، وقبلت الحكومة الإسرائيلية بشروط حماس التي عرضتها قبل بداية الحرب البرية، وفقا لما قاله المتحدث باسم كتائب القسام “أبو عبيدة”، وهذا في حد ذاته يُفقد الحرب على غزة أحد أسبابها، بعد أن أفرغته الهدنة الإنسانية، وصفقة تبادل الأسرى من معناه.
كذلك يدلل اتفاق الهدنة على حماقة السيناريوهات التي تم الترويج لها بقوة لما بعد الحرب.
يضاف إلى ذلك أن الواقع الميداني، وثبات المقاومة، وتكبيد الاحتلال خسائر كبيرة، أصبح المحدد للمسار السياسي بخصوص غزة الآن.
إسرائيل والاستمرار في الحرب
ولكن رغم ما حققته المقاومة من انتصار وتكبده الاحتلال من هزيمة وانكسار، فإن الحرب وفقا للواقع الميداني يبدو غالبا أنها ستطول إلى وقت غير معلوم، رغم أنه قد تتخللها هدن إنسانية لتبادل الأسرى وإدخال المساعدات، على شاكلة الهدنة الحالية.
الهدنة الإنسانية في غزة ليست نهاية المطاف، فما بعد الهدنة ربما يكون هو الأخطر الذي لم يأت بعد، في ظل وجود رغبة إسرائيلية وأمريكية في استمرار الحرب.
فمن ناحية الاحتلال الإسرائيلي، ووفقا لما أعلنه نتنياهو وجميع أعضاء حكومته فإنهم متمسكون بالاستمرار في حربهم الوحشية، مدعومين بغالبية المجتمع الإسرائيلي المغيب تماما عن واقع ما يحدث في غزة؛ حيث تحكم إسرائيل الآن الرغبة في الانتقام، والرغبة في تحرير الأسرى؛ لذلك فالشارع الإسرائيلي داعم لاستمرار الحرب، وخطة احتلال شمال قطاع غزة، وتهجير السكان، ومحاصرة جنوب القطاع، واستمرار القصف الجوي المكثف لدفع المقاومة إلى الاستسلام.
بايدن ورفض وقف إطلاق النار
على جانب الولايات المتحدة الأمريكية، فإنها تدعم هي وحلفاؤها الغربيين خطة إسرائيل بخصوص غزة. ورغم تنامي الدعوات إلى وقف إطلاق النار على مستوى الشارع، وبين الشباب، وبين عدد من النواب الديمقراطيين، فإن إدارة الرئيس بايدن ترفض بوضوح الدعوة إلى وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، وهذا ما أكده بايدن في المقال الافتتاحي الذي نشرته له واشنطن بوست يوم 18 نوفمبر/تشرين الثاني، وأكد فيه بإصرار حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، واعتبر وقف إطلاق النار ليس سلاما، وأن كل وقف لإطلاق النار ستستغله حماس لإعادة بناء مخزونها من الصواريخ.
لذلك يبدو واضحا أن التصريحات الأمريكية الداعية إلى تجنب قتل المدنيين، وما توحي به من إمكانية خفض التصعيد، ليست سوى تصريحات للاستهلاك الإعلامي؛ لتحسين صورة أمريكا أمام الرأي العام المحلي والعالمي الغاضب من انحياز واشنطن المفرط لإسرائيل.
وعلى أرض الواقع، ما زالت وتيرة الدعم التسليحي الأمريكي لإسرائيل ثابتة لم تتغير منذ بداية الحرب، ولم ينخفض مستوى المشاركة الأمريكية في إدارة العمليات العسكرية في قطاع غزة. إضافة إلى ما سبق، فقد عززت الولايات المتحدة منظومة الدفاع الصاروخي في الدول المحيطة بالأراضي الفلسطينية المحتلة، للتصدي لأي هجوم صاروخي من محور المقاومة على مواقع إسرائيلية.
ورغم تراجع نسب التأييد لبايدن في أوساط الناخبين بسبب الحرب على غزة، وفقا لاستطلاعات الرأي الأخيرة، فإنه يبدو أن بايدن وإدارته لديهم اقتناع وأمل بأن التفوق العسكري الإسرائيلي سيمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها، في غضون أسابيع أو أشهر قليلة قبل الانتخابات الأمريكية العام المقبل؛ مما يعني أن الحرب مستمرة وستطول، وستكون أقرب احتمالا للتوسع الإقليمي، خاصة مع تنامي العمليات المساندة للمقاومة في غزة، وتزايد وتيرة التصعيد من قبل قوى محور المقاومة، في كل من لبنان والعراق واليمن، مع كل زيادة للتصعيد من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ختاما
هدنة غزة استراحة حرب استعدادا لجولة قد تكون أشد عنفا. ويبدو أن الحرب مستمرة إلى أجل غير منظور، كما أن توسعها إقليميا احتمال أقرب، ولن تتوقف هذه الحرب إلا إذا تلقت إسرائيل ضربات موجعة في غزة، يتزامن معها تصعيد من جانب محور المقاومة، الذي يدرك أهمية التصعيد التدريجي للضغط نحو وقف إطلاق النار.
