الرهان الخاسر.. حرب غزة تجدد حسابات الصين!

وانغ يي وزير خارجية الصين مع وزراء الخارجية العرب في اجتماع بيجين بشأن غزة (الفرنسية)

فاجأ سفير الصين بالقاهرة (لياو ليتشيانغ)  المدعوين لندوة “الصداقة والتواصل بين وسائل الإعلام والمراكز الفكرية الصينية” التي عُقدت الاثنين الماضي، ببث لقاء وزراء خارجية 5 دول عربية وإسلامية مع وزير خارجية الصين (وانغ يي) في بيجين بالوقت ذاته.

رأى السفير اجتماع وزراء مصر والسعودية وفلسطين والأردن وإندونيسيا والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي لمناقشة سبل وقف القتال في غزة، انعكاسا لمدى حرص الصين على دعم قضية الشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه المشروعة، منوها إلى دعوة بلاده لعقد مؤتمر دولي للسلام، أكثر حجما وموثوقية وتأثيرا.

نقل السفير صورة حية أمامنا، من داخل الاجتماع الوزاري أثناء وجود وانغ يي بمنتصف المشهد بين الوزراء المسلمين، وهو يشد على أيديهم إظهارا للتضامن مع الوفد الذي جاء إلى الصين بصفتها الرئيس الحالي لمجلس الأمن، طلبا لدعم دولة عظمي للموقف العربي والإسلامي، من أجل وقف العدوان على غزة.

لم تأت كلمات وزير خارجية الصين بجديد، إذ أكد “وقوف دولته بحزم مع العدالة والإنصاف في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ودعوته إلى وقف إسرائيل عقابها الجماعي على شعب غزة، وفتح ممر إنساني في أقرب وقت ممكن لمنع حدوث أزمة إنسانية على نطاق أوسع”.

صورة حلوة!

انتهت الندوة -التي دُعي إليها نخبة من الدبلوماسيين والساسة والصحفيين- بلا حوار، وانفضت فور إعلان السفير بيان بيجين، في وقت كانت أنظار العالم تتابع بشغف المفاوضات التي تديرها دولة قطر مع ممثلي حماس والولايات المتحدة وإسرائيل، للتوصل إلى هدنة تتحول إلى وقف دائم لإطلاق النار، وتبادل الأسرى بين الطرفين.

لم نتعجب من هول الدهشة التي رأيناها على وجوه الحضور الذين دُعوا لمقابلة نظرائهم من الصين، فلم يجدوا إلا مسؤولي السفارة وأجهزة الإعلام الصينية بالقاهرة.

اعتادت الصين البحث عن منصات تواصل ومآدب طعام فاخرة، تشارك بها العديد من الأطراف، فلا يهم ما تسفر عنه بقدر ما تظهره من أجواء متفائلة، وصورة “تطلع حلوة”، بما ينعكس بالنفع على المسؤولين، وتقديم حالة إيجابية للرأي العام، تعزز نفوذها، وتروّج لمسارها نحو “الازدهار”، ونموذجها للحكم المضاد للغرب.

في اليوم التالي للندوة، ظهر الرئيس شي جين بينغ بالقمة الافتراضية لقادة مجموعة “بريكس” التي ناقشت إدانة العدوان على غزة، وتدمير المستشفيات، وسبل إدخال المساعدات الإنسانية فورا، ورفض التهجير القسري للشعب الفلسطيني، ومطالبة الدول بوقف تصدير الأسلحة والذخائر إلى إسرائيل، والضغط عليها من أجل إطلاق عملية سياسية جادة لتحقيق سلام دائم وشامل وفق المرجعيات الدولية.

هاجم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الوضع في الأراضي المحتلة “الناجم عن احتكار الولايات المتحدة الداعمة للعدوان مهام حل الصراع”، متعهدا أثناء رئاسة روسيا لــ”بريكس” عام 2024، بعقد مؤتمر دولي بشأن “تسوية القضية الفلسطينية الإسرائيلية”. عبَّر رئيس دولة جنوب إفريقيا سيريل راموفوزا الرئيس الحالي لــ”بريكس” عن موقف أكثر حسما وخشونة، بتحميله إسرائيل مسؤولية استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين وارتكابها “جريمة حرب”. لم تبتعد كلمات “شي” عن ما قاله وزير خارجيته، بأن وقف إطلاق النار والإفراج عن الأسرى أولوية الجولة الحالية في “إدارة الصراع العربي الإسرائيلي”، مع وعد بسعيه لعقد مؤتمر دولي في المستقبل القريب، للتوصل إلى تسوية سريعة وعادلة في غزة.

“حماس” بين الصين والصهاينة

تُعوّل الدول العربية والإسلامية على قيام الصين بمهام “قوة عظمي” لمساعدة الفلسطينيين على استعادة حقوقهم المسلوبة، بينما أدارت بيجين الأزمة عبر مكالمات هاتفية لوزير خارجيتها وجولة خاطفة للمبعوث الصيني للسلام في الشرق الأوسط تشاي شون، الذي تواصل مع إسرائيل، ولم يلتق أيّا من مسؤولي “حماس” أو يتصل بهم خلال جولته.

لا تذكر بيجين “حماس” في تصريحاتها إلا عند تحميلها مسؤولية بدء الحرب، تتكلم دوما عن صراع “فلسطيني إسرائيلي”، وحقوق إسرائيلية، بما يعكس عمق التوافق بينها وبين واشنطن وتل أبيب، بشأن طبيعة “حماس” التي تخرجها العواصم الثلاث من موازين “قوة مقاومة” إلى “تنظيم إرهابي” تسعى إلى محوه من الوجود.

يتجاهلون أن الحرب الوحشية المستمرة على غزة أثبتت قدرة “حماس” على إعادة القضية الفلسطينية إلى طاولة المفاوضات دوليا، بوصفها حركة مقاومة وطنية دفعت شعوبا وحكومات إلى إعادة النظر في دعمهم المطلق لإسرائيل لمناظرة أفعالها بما ارتكبه النازيون من جرائم ضد اليهود.

رؤية الصين لحماس تُظهر مدى التحولات التي أحدثها لقاء “شي وبايدن” بداية نوفمبر/تشرين الثاني، إذ وافقت على “التنسيق وعدم إثارة القضايا التي يراها الأمريكيون تهدد مصالحهم”. تخلت الصين عن سياسة “المحارب الذئب” لتتبع دبلوماسية أكثر نعومة، بحثا عن “الاستقرار والتعايش التنافسي” بدلا من الدخول في حرب باردة. يدرك الصينيون أن قوتهم الشاملة غير قادرة على منافسة الغرب قبل منتصف القرن، لذلك أسقطت المنافسة الأيديولوجية بين الشيوعية والنظم الرأسمالية، وتخطب ود رجال الأعمال الذين يفرون بأموالهم من الصين. أوقفت الزخم تجاه الصراع، وتتحدث عن منافسة تجارية لن تكون معاركها صفرية، حيث يمكن للطرفين أن يفوزا، وتتجنب جعل الاختلافات بشأن القضايا الشائكة كقضية فلسطين لها أي أثار خطرة على الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل.

لا باردة ولا ساخنة!

لن نجد قضايا العرب والمنطقة في حوارات باردة أو ساخنة بين طرفين أحدهما يسعى إلى ضمان تدفق نفط المسلمين لخدمة حلفائه في الغرب، والآخر يبحث عن استقراره بوصفه أكبر متلق لكمياته، وعوائده التي تتدفق عليه استثمارات تعوضه عن خسائره.

لن نشهد تصرفا من الصين يليق بدولة عظمي في قضية غزة، رغم كثرة ما سنراه من بيانات وحفلات وصور رائعة، فقد فرحت بسبع “لاءات” أمريكية، وفازت بـ20 إنجازا، وفقا لتصريحات السفير لياو ليتشيانغ. تشمل “اللاءات”: لا للصراع، والحرب الباردة، واستقلال تايوان، وفك الارتباط مع بيجين، وتغيير النظام الصيني. أما الإنجازات: استئناف التواصل بين القادة، وزيادة الرحلات والمبعوثين، ومكافحة المخدرات، والحوار بشأن الذكاء الاصطناعي، والسيطرة على العوامل التنافسية في العلاقات الثنائية.

يقول الصينيون “قبل أن تنزل النهر عليك أن تتحسس الأحجار تحت قدميك”، فهل نفكر بتلك الحكمة قبل أن نرهن مستقبل فلسطين بشريك يبدل خياراته وفقا لحساباته المتجددة؟

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان