“الهدنة”.. مشهد نهاية العدوان

فلسطينيون أمام سجن عوفر في انتظار الدفعة الثانية من الأسرى قبل أن تفض قوات الأمن الإسرائيلية احتفالهم بالقوة (الأناضول)

في الهدنة التي اتفقت عليها حركة حماس وحكومة الاحتلال مشهد مصغر من نهاية الحرب على قطاع غزة مهما طالت أو امتدت، ومهما تمادى الاحتلال في غطرسة القوة وأوهام السيطرة.

هذه حقيقة ستثبتها الأيام المقبلة

برغم كل الدمار والقتل والترويع والحصار لن تجني “إسرائيل” في نهاية عدوانها على قطاع غزة أكثر مما حققته في بنود الهدنة التي أعلنت منذ أيام: توقف تام للعدوان، ورفع الحصار عن قطاع غزة، وانسحاب جيشها من القطاع، ثم البدء في عملية تفاوض حول أسراها لدى حماس، وهي عملية قد تطول، وربما تفضي في نهاية المطاف إلى تحرير جميع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال- أو أغلبهم- في مقابل إطلاق سراح جنودها الذين أسرتهم حماس في عملية السابع من أكتوبر الشجاعة.

 

الأهداف المستحيلة

 

منذ بداية العدوان رفعت دولة الاحتلال أهدافًا للحرب يستحيل عمليًا تحقيقها فأعلنت هزيمتها مبكرًا.

القضاء على حماس وإسقاط سلطتها في غزة وتحرير أسراها بلا تفاوض، كلها أهداف مثيرة للسخرية وأقرب إلى الأوهام منها إلى الحقائق على الأرض، لكن “إسرائيل” تمسكت بهذه الأوهام بغطرسة القوة التي تحترفها، وبدون أي حسابات جادة، ثم تحت ضغط الإحساس المذل بهزيمة مروعة حدثت في السابع من أكتوبر، ثم تمادت في التمسك بهذه الأهداف الوهمية بغطاء دولي غربي أتاح لها التحرك خلال الأسابيع الأولى من العدوان دون حساب أو مساءلة قانونية أو دولية.

ثم جاءت الهدنة لتجيب عن السؤال الصعب: كيف سينتهي العدوان؟ الأقرب والأكثر منطقية أن بنود وقف إطلاق النار بشكل كامل ونهائي لن تختلف كثيرًا عن بنود الهدنة التي أثبتت أن الدمار والقتل والترويع لن يحرر الأسرى، ولن يسقط سلطة حماس، وأن “إسرائيل” التي فشلت في تحقيق أي هدف من أهدافها العبثية طوال أكثر من 45  يومًا ستستمر في فشلها، وأن حرب الإبادة ستنتهي باتفاق إذلال جديد للاحتلال يترجى فيه إطلاق سراح أسراه، وتفرض المقاومة شروطها التي ستزيد من مساحة الإذلال للجيش الذي أوهم العالم بأنه لا يقهر.

كل المؤشرات تؤكد أن بنود الهدنة هي أقصى ما يمكن أن تحققه دولة الاحتلال بعد كل العنف والقتل، وبعد كل خطاب قادتها المتعالي الذي يصور للعالم أنه سينتصر انتصارًا ساحقًا، ثم بعد ذلك سيظهر الجانب الآخر من الصورة، وهو كم الخسائر التي لحقت “بإسرائيل” من حربها المجنونة على القطاع.

بإعلان وقف إطلاق النار ستتضح خسائر دولة الاحتلال بشكل جلي، ليس فقط خسائرها العسكرية المباشرة- وهي كبيرة- بل الخسائر السياسية والدولية وهي حتى اللحظة مذهلة كما لم يتوقع أحد.

أولى تلك الخسائر كانت فداحة ما نالهم خلال الحرب البرية، وكما لم يتوقع قادة الاحتلال أنفسهم ما حدث لجيشهم، حتى أننا نستطيع القول إن الحرب البرية كانت كمينًا كاملًا سقط فيه جيش الاحتلال، فقد خلاله المئات من جنوده وآلياته، وفقد معهم الروح المعنوية لقواته التي وجدت نفسها فجأة في قلب حرب مهلكة، يقاتلون فيها أشباحًا على حد تعبير أحد الجنود المحتلين في تسجيل انتشر بشكل كبير على شبكات التواصل الاجتماعي.

السقوط

“كمين الحرب البرية” لم يكن هو الوحيد الذي سقطت فيه دولة الاحتلال، بل إن خسارة الرأي العام العالمي، وانكشاف وجه الصهيونية بشكل كامل كحركة عنصرية دموية كان أحد أهم خسائر الاحتلال ومكاسب المقاومة بل والقضية الفلسطينية بشكل عام.

قبل عدة أشهر من الآن لم يكن يمكن أن يصدق أحد في العالم أن تمتلئ شوارع كبرى الدول الغربية بمتظاهرين ينادون بالحرية لفلسطين، وأن تغزو الأعلام الفلسطينية كبرى الميادين والشوارع في أمريكا وأوروبا، فقد خسرت إسرائيل الرأي العام الدولي بشكل لم يحدث من قبل، وانهارت روايتها عن مقاومة الإرهاب وغيرها من السرديات البائسة التي بددتها وسائل الإعلام العربية وشبكات التواصل الاجتماعي بعد أن وضعت شعوب العالم أمام ضميرهم، عبر الصور و”الفيديوهات”، وكشفت صورة “إسرائيل” كدولة احتلال تقتل وتدمر وتستحل دماء الأطفال بلا ذرة من ضمير أو أخلاق.

في نفس اللحظة التي كسبت قضية فلسطين الرأي العام العالمي، كان المعنى الضمني هو عودة القضية النبيلة العادلة إلى صدارة المشهد العالمي، وإحيائها من جديد، واهتمام الناس والقادة السياسيين بالبحث عن حلول تضمن للشعب الفلسطيني الحق في الحياة والحرية والكرامة، وترفع عنه عبء الاحتلال البغيض، وتؤمن أنه لا أمن ولا استقرار في هذه المنطقة من العالم دون زوال الاحتلال ومنح الشعب الفلسطيني حقه في الاستقلال والحرية، حدث كل هذا بصمود مذهل للشعب الفلسطيني، هذا الصمود أدهش العالم الذي ظل يتساءل عن سر قوة هذا الشعب الذي يعيش تحت هذا القصف والدمار والحصار متماسكًا قويًا رافضًا للخروج من أرضه، ولعل المتابعين لشبكات التواصل الاجتماعي يرون بشكل يومي فيديوهات قادمة من مواطنين وشخصيات عامة غربية تبدي احترامها ودهشتها في نفس الوقت من قوة الشعب الفلسطيني وصموده وإيمانه بالانتصار في نهاية المطاف.

 التدمير والقتل والحصار

باختصار لم تحقق “إسرائيل” في حربها على قطاع غزة إلا التدمير والقتل والحصار، لكنها فشلت في تحقيق هدف واحد من تلك الأهداف التي رفعتها منذ اليوم الأول لعملية السابع من أكتوبر، وباختصار أيضًا لن تحقق إسرائيل أكثر مما حدث في بنود الهدنة التي بدأت أمس الأول الجمعة، فحتى لو واصلت حربها وتدميرها ستكون النهاية هي توقف الحرب بعد مزيد من الضغوط الحادة التي ستمارسها الشعوب في العالم كله، وبعد أن تصبح الأنظمة الغربية غير قادرة على مواصلة دعم عدوانها أو تقديم مبررات للدفاع عنه، بعدها ستبدأ مفاوضات طويلة للإفراج عن أسراها، وستدفع ثمنًا كبيرًا حتى تحصل على حرية آخر أسير لها، لكن هنا ستكون قد خسرت الرأي العام العالمي، وانكشف وجهها القبيح، وفشلت فشلًا ذريعًا في القضاء على المقاومة بشكل عام أو حركة حماس بشكل خاص، وفي هذا الفشل “الإسرائيلي” المستحق انتصار عظيم لفلسطين ومقاومتها، انتصار تحقق بدماء آلاف الشهداء الأبرار، لكنه سيكون بداية جديدة لفلسطين وقضيتها وحق شعبها الصامد في الحياة والحرية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان