“أنا في الصالة المصرية”.. صديقي ينجو من المحرقة!

فلسطيني يطبخ داخل شقته المتضررة في منطقة خزاعة على مشارف مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة بعد أسابيع من القصف الإسرائيلي (الفرنسية)

 

كانت مشاعره زحامًا غريبًا من الفرح المحدود مع الحزن المتسع، وخليطًا من الاحساس المتصاعد بالذنب مع الاستبشار المتباطئ، وتركيبة معقدة من الامتنان حين تتوجه الأحداق نحو السماء مع لسعة الشجن إذا أطرقت الرأس نحو الأرض.

بعد أن وصل عدد الشهداء في غزة إلى أكثر من خمسة عشر ألفًا، والمفقودين إلى نحو سبعة آلاف، والمصابين إلى أكثر من أربعين ألفًا، فإن من يترك غزة لا بد له أن يبتهج ولو قليلًا خاصة إذا كانت نجاته لا تتعلق به فردًا، وإنما أسرة قوامها عشر أنفُس، هم أب وأم، وخمس بنات بين التاسعة والخامسة عشرة، وثلاثة بنين بين ثلاثة أشهر وثلاثة أعوام.

لكن من يترك غزة قسرًا وفيها عائلته المشتتة في أنحاء القطاع عند الأقارب، وفيها داره وعمله، وتفاصيله، ومناحي ذكرياته، فلا بد أن الفرحة ستفكر ألف مرة قبل أن تطرق أبواب شفاهه العطشى.

“أنا في الصالة المصرية” فوجئت وربما تسمرت عيناي على شاشة الهاتف قليلًا لأتأكد مما أرى، ولم أصدّق، وأنا أقرأ الجملة القصيرة التي طالعتها بعد أن سمعت صوت رنين خاص لإشعارات رسائله على هاتفي المحمول.

نزوح وسفر

في الأسبوع الأول من الحرب الصهيونية على غزة، طلبت منه جهة عمله الأوروبية الاستعداد للانتقال إلى العمل في القارة العجوز، لكن نزوحه المباغت من مدينة غزة بعد اشتداد القصف الهمجي للمساكن والطرق، وبعد تهديد مباشر على خلفية مهنته صحفيًّا بإخلاء منزله فورًا جعله يتعطل عن تنفيذ أي خطوة، كما أن عدم توافر أوراق ثبوتية لأطفاله الثمانية زاد أموره ارتباكًا.

عبر إجراءات معقدة تمكنت جهة عمله الأجنبية من استخراج جوازات سفر لأسرته بتنسيق مع السلطة الفلسطينية في “رام الله”، وأرسلتها بالبريد السريع إلى القاهرة ومنها لمعبر رفح الحدودي، حيث تسلمها من السلطات المصرية.

عندما دخل إلى الجانب المصري من معبر رفح الحدودي بين غزة هاشم والمحروسة، لم يكن صديقي وليد اللوح فرحًا عندما تنهد وأرسل إليَّ هذه الجملة المقتضبة، وهو يغادر القطاع المنكوب بعد خمسة وأربعين يومًا من الإبادة المتواصلة والتدمير المتلاحق والقصف المستمر والتهديد الدائم.

ولأنه استطاع الخروج تاركًا خلفه والديه المريضين وأشقائه الأحد عشر، فقد كان الأسى حاضرًا أمام ناظريه، والحزن مقيمًا على طرف لسانه، وهو يترك الأرض التي لم يحلم أبدًا بأن يغادرها إلا طوعًا لكنه الآن يفارقها كرهًا إلى حين.

الحياة مثل الموت

ترك الصحفي الأربعيني مسقط رأسه مرغمًا بعد أن ضاق الفارق كثيرًا بين طرائق الحياة وأصناف الموت، وبعد أن أصبحت المنايا سهلة ومتاحة في كل وقت وبتنوع قاسٍ، وبوحشية عليها شواهد وشهود، بينما تعقدت الحياة وأصبح الحصول على متطلباتها الأساسية يحتاج كفاحًا خاصًّا قد يتجاوز ما يجري في محافل السياسة من تحايل، وما يعتمل في ميادين القتال من خداع.

المقاومة المختلفة

أضحت الحياة في غزة تحتاج إلى مقاومة من نوع آخر، برجال لا يقتربون من السياج الحدودي الذي يحاصر غزة، ولا يكمنون في الأنفاق أو يستخدمونها في تخزين السلاح، ولا يختبرون أو يحرجون “القبة الحديدية” الإسرائيلية برشقة هنا أو صاروخ هناك.

شروط الحياة أصبحت صعبة وتحتاج إلى خبرات مستدعاة من أجيال مختلفة، ورجال لديهم مهارات متنوعة من الطبخ بالحطب والكرتون إلى توليد الكهرباء من الشمس بإمكانات متواضعة، ومن حمل المياه الصالحة لعدة كيلومترات إلى تحلية مياه البحر بطرق بدائية.

فرضت الحرب على 2.3 مليون فلسطيني مقاومة مختلفة لحياة الموتى التي يريد الاحتلال فرضها جبرًا عليهم، ويستلزم هذا النوع من المقاومة الوقوف طويلًا في طوابير المخابز، والتنقل كثيرًا بحثًا عن محطات المياه التي تكاد تعمل، واللهاث خلف بطاريات الشحن، وقطع غيار المولدات والألواح السوداء التي تمتص أشعة الشمس وتحولها إلى طاقة كهربائية.

أصبحت مطاردة البنزين والسولار والأسعار الجنونية من أجل كسرة خبز وشربة ماء أو البحث عن مخبز يعمل أو اللجوء إلى مستشفى لا يعالج أحدًا أو شراء فرن يدوي مصنوع من الطين، أصبح هذا كله فريضة يومية على أهل قطاع غزة فقط من أجل إقامة أود الحياة.

سخرية رغم القصف

يحكي صديقي وهو يزم حاجبيه كيف نزح إلى الجنوب تاركًا منزله في حي “تل الهوى” بعد أن تلقى اتصالًا من أحد جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي، يخبره بضرورة إخلاء منزله لأنه سيكون هدفًا للقصف خلال دقائق.

يبتسم وهو يروي كيف تبادل حديثًا ساخرًا مع الجندي الإسرائيلي عبر الهاتف حيث طلب منه بتهكم الاتصال بعد ساعة حتى يكون قد استطاع تدبير أمره، فاشتكى له الجندي أنه مضغوط في الاتصالات وأن لديه قائمة بثلاثمئة فلسطيني عليه تحذيرهم قبل قصف منازلهم.

بسبب هذه التحذيرات الهاتفية تعتقد إسرائيل أنها تمارس أسمى معاني الإنسانية في حربها البربرية ضد قطاع غزة، وكأن هدم البيوت وتشريد سكانها أمر عادي يمر بسبب إبراء ذمتها بمكالمة هاتفية يتمنى البعض لو أنها لم تأتِ لتخلصهم بالموت من عذاب اللجوء إلى الشوارع والطرقات والعودة إلى عصر الخيام واستدعاء مشاهد نكبة 1948.

أين منزلي؟

لا يعرف صديقي بالضبط ماذا جرى لمنزل عائلته، بسبب انقطاع الاتصالات وكذلك بسبب عدم وجود أحد في الجوار، فقد نزح سكان الحي جميعهم، ولم يعد هناك من يأتي بخبر يقين أو أقل من ذلك، لكنه شاهد عبر الإنترنت لاحقًا لقطات للدمار الشامل الذي لحق بالحي وسوّاه بالأرض، وهي مشاهد تشي بأن بيت عائلته لم يكن ليرتدي حجابًا أو تميمة تقيه مصير نظرائه.

تقشف في الحصار

خلف الأخبار التي تتحدث عن معاناة سكان غزة تختفي تفاصيل كثيرة. يشرح وليد كيف عرف معنى رشف الماء لا تجرعه، ومعنى الكفاف لا الامتلاء، وكيف كان يتوضأ وكأنه يتيمم مسحًا على أعضائه باستخدام كوب مياه واحد، وكيف أن أي فاقد لا بد أن يُجمَع في إناء أكبر لاستخدامه في الحمامات.

وكيف كانت معاناة الأمهات والبنات بسبب عدم توافر حفاضات الأطفال أو المخصصة للنساء، وكيف كان عليهن العودة إلى عصر استخدام قطع القماش بديلًا، وكان هذا بالنسبة للعجائز رجوعًا اضطراريًّا إلى ممارسة قديمة، لكن الفتيات والأمهات الصغيرات اللائي لم يجربن ذلك من قبل كانت معاناتهن مزدوجة بين نقص ما اعتادوا عليه وتوافر بديل غير مريح. وكيف تأثرت نظافة الأطفال الشخصية خاصة شعر البنات بسبب عدم الاستحمام لندرة المياه.

يذكر صديقي بوجع وهو ينظر إلى أرغفة اشتراها من القاهرة كيف كان يقسم رغيفًا واحدًا على عشرة أفراد بعد معاناة ساعات في الحصول عليه، وكيف كان يجمع بقايا الخشب من بين الحطام والدمار ليوقدوا نارًا لتسوية الخبز، تمامًا كما يفعل أهل الريف في معظم مناطق العالم، وكيف ذهب إلى رجل يصنع الأفران من الطين فطلب منه البائع مبلغًا أكبر من المعتاد في استغلال واضح للأزمة وتجسيد لمصطلح “أغنياء الحرب”، وجادله البائع بأن كل شيء صار أغلى، لكن صديقي رد عليه بأن الطين موجود في الأرض ولا يباع أو يشترى، وبالتأكيد لم يرتفع ثمنه.

طبيب وحطاب

كما يحكي عن طبيب الأسنان الذي قابله في مستشفى بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، وتشاركا في جمع الورق القديم لكي يوقدوا نارًا لتسوية بعض الخبز، وقام الطبيب بالدوران في محيط المستشفى بزيه الأبيض وهو يجمع الكرتون وبقايا الخشب، ثم وقف فجأة بعد أن جمع حصيلة جيدة مازحًا “هي دي آخرتها.. طالما مافيش كهربا والمستشفى مش شغالة”.

يروي صديقي مواقف مضحكة رغم المأساة والحرب، أحدها وقع في مخيم جباليا شمالي القطاع، عندما فقد رب أسرة والده وأمه وزوجة أبيه وأشقاءه في قصف إسرائيلي للمنازل بالمخيم، وعندما هرع لتفقد المنزل المدمر فوجئ بزوجته تخرج من بين الحطام، فصرخ في وجهها مستنكرًا أنها نجت وحدها دون سبعة من أفراد عائلته.

فوق السحاب

تحت رماد الحرب هناك آلاف الحكايات التي تجسد صمود الفلسطينيين واختيارهم المقاومة من أجل الحياة، فبعد أن نزح أبو خالد إلى جنوب غزة توجه إلى مستشفى، واستطاع شحن هاتفه، وبعد أن طمأنني على أسرته الصغيرة وعلى إصابة شقيقه، قال لي إن طعامهم نفد، وإنهم يبحثون عن أي خبز لكن معنوياتهم وأعناقهم تطال السحاب، وإنهم لن ينكسروا.

وصل صديقي إلى قاهرة المعز فجأة مع أسرته بلا حقائب أو أمتعة، وحين جلست معه على النيل ليلة سفره إلى أوروبا، قال لي وهو يولّي وجهه نحو الغرب حيث تسقط الشمس خلف الأفق إن أي مكان في العالم لا يضاهي غزة حتى لو كانت أوروبا، وإنه لولا أطفاله لما وافق على الخروج، لكنه التفت نحو الشرق بنظرة غائمة في اتجاه الحدود وهو يتمتم “سنرجع يومًا إلى حيّنا”.

ودّعت صديقي وليد اللوح في مطار القاهرة، وقد كان قدومه وسفره في عجلة وارتباك، وحين دلف إلى داخل صالة السفر، تذكرت عبارته التي رقصت أمامي ذات حرب “أنا في الصالة المصرية”. تقافزت عبراتي لأنه جاء من إجلاء إلى سفر ومن نزوح إلى لجوء، ولأنه ترك أهله دون أن يعرف معظمهم أنه غادر.

عندما مرت الأسرة من بوابات التفتيش تعثرت أقدام أطفاله في حقائب ابتاعوها من القاهرة، ولم يكن هناك وقت لملئها، وأثار طفله محمد ضجيجًا معتادًا نجح في اختراق شجني، فابتسمت رغمًا عني في لحظات الوداع لأن صديقي الأحب قد نجا من المحرقة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان