هل تخلى الله عن أهل غزة؟!

سؤال يتردد كثيرا، وكنت أظن أنه سيصدر عن كبار فقط، أو عن مترددين، بل بدأ يصلني في الآونة الأخيرة من الأمهات والآباء، أن أطفالهم يسألونهم: لماذا يتخلى الله عن أهل غزة، ويتركهم للقتلة والمجرمين دون رادع، أو الحيلولة دون حدوث هذه المجازر التي لا تقوى العين على رؤيتها، ولا يتحملها العقل والنفس؟!
والسؤال يتردد ويثار عند كل محنة تعيشها الأمة، وبخاصة عندما يتجبر الظالم، ويزداد في جبروته، بينما العالم يندد ويشجب ويستنكر، وزاد في المحنة الأخيرة في غزة، لأن العالم لم يندد ويشجب كما كان، بل وقف كثير منه يتفرج، ويمنع من يندد أو يشجب، بل بلغت الجرأة على الظلم أن دعموا الظالم، وأمدوه بكل ما يحتاج وما لا يحتاج من سلاح مادي ومعنوي.
فهل فعلا هذه علامات تدل على تخلي الله عن أهل غزة؟ وبخاصة الأطفال، فلو كان الأمر في ميدان حرب عساكر تقاتل عساكر، لكان السؤال: لماذا لا ينصر الله أهل الحق؟ ولكن الذي يراه الناس – حاليا فقط إلى أن تبدو آثار المعركة عسكريا على العدو – أطفالا ونساء وشيوخا يستشهدون، دون أي فعل من العالم، فإذا تخلى العالم عن أهل غزة، فهل تخلى الله عنهم؟!
علامات التخلي والخذلان:
السؤال مشروع، وهو سؤال طبيعي يطرح في كل محنة، ولكن الإجابة الواضحة البينة: لا، لم يتخل الله تعالى عن أهل غزة، ولا يتخلى الله عن المظلومين، فالتخلي أو الخذلان من الله له علامات، وهي علامات تكون بحسب ما وضع الشرع، وليس بحسب ما يتصور الناس، فالناس يتصورون وفق ثقافتهم، ووفق عقولهم وبيئتهم، لكن بما أن الكلام هنا عن تخلي الله عنهم، فكان ينبغي أن نرجع لمقاييس الله ومعاييره، لا معايير الناس.
فالله يتخلى عن الظالم، وعن المتجبر، والله عز وجل يتخلى عمن يضيعون الأمانة، فقال صلى الله عليه وسلم: “إذا هابت أمتي أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تُودع منهم”، وقال العلماء عن معنى: “فقد تُودع منهم” أي: قطع منهم العون الإلهي والتأييد الرباني على صلاح الحال، وهو ما لا ينطبق على أهل غزة، بل ينطبق على من ظلموهم، وخذلوهم.
ولا يعني تعرضهم للظلم أن الله ليس بجانبهم، فالله عز وجل وضع قوانين في كونه وسنن، لا تتخلف عن المؤمن ولا الكافر، فمن عمل بها انتصر، ومن تخلى عنها هزم، وما نراه أن أهل غزة والمقاومة يأخذون بسنن الله في النصر، وما يراه البعض من مظاهر الجبروت والظلم من الظالم، ليست نصرا، بل هي الخذلان له.
استدراج الظالم وامتحان المظلوم:
ما يحسبه البعض انتصارا للعدو، أو تمكنا له على المظلومين، ليس إلا إملاء من الله له، واستدراجا له، لينتهي إلى مصيره المحتوم، وفي اللحظة التي يظن الظالم أنه تمكن من مظلومه، تكون نهايته، فلو تأملنا مشهد تتبع فرعون لموسى عليه السلام والمؤمنين من قومه في البحر، وقد اقترب منهم، وهو خلفهم تماما، لنا أن نتخيل شعور الظالم، وشعور المظلوم في هذه اللحظة، الظالم يظن أنهم في قبضة يده وما هي إلا بضع مترات، يصوب سلاحه عليهم، ثم ينتهي منهم تماما، فينتابه شعور الزهو والفخر، والمظلوم يشعر بقرب تمكن الظالم منه، ويصيبه الرعب، فلا يجد ملجأ من الله إلا إليه، كانت هذه اللحظات هي نهاية فرعون ونجاة موسى عليه السلام وقومه.
وهو ما عبر عنه القرآن بكل وضوح في قوله تعالى: (وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ. مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ) آل عمران: 178-179، فهو إمهال واستدراج للظالم، وتمحيص للمظلوم المؤمن، حتى يصفو مما بداخله من كدر، وحتى يستحق نصر الله ومثوبته في الدنيا والآخرة.
لا تمكين بغير ابتلاء:
ومن سنن الله تعالى في الكون، وفي معارك الحياة، أنه لا يمكن الإنسان من تحقيق ما يصبو إليه، إلا بعد المرور بامتحانات وتجارب، وهذا قانون إلهي وضعه الله تعالى، ولو تتبعنا قصص الأنبياء جميعا، بداية من نوح عليه السلام، وانتهاء بخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، سنجد هذه السنة ماضية، فمن الآيات التي يستدل بها الذين يتوقون لتحقق نصر الله قوله تعالى: (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗا) النور: 55، فالآية بينت هنا أن عباده المؤمنون هنا سوف يستخلفون، ويمكن لهم، ويبدل خوفهم أمنا، أي: أنهم قبل ذلك، كانوا غير ممكنين، وغير آمنين، وهو ما لا بد منه قبل التمكين والنصر.
وقد كان السؤال مطروحا في كل زمان، وعند كل محنة تطول بالمسلمين، فقد سُئل الإمام الشافعي: أيهما أولى للمؤمن: أن يُبتلى أو يُمكن؟ فقال: وهل يكون تمكين إلا بعد ابتلاء؟ إن الله ابتلى يوسف عليه السلام ثم مكن له، كما قال تعالى: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء) يوسف: 56.
العالم يتعلم من صمودهم:
ومن دلائل نصرة الله لأهل غزة، وعدم التخلي عنهم: ما نشاهده من ذهول العالم، ليس الإسلامي فقط، بل والغربي، من صمود وثبات أهل غزة، ولم يعد السؤال: هل تخلى الله عن أهل غزة؟ بل أصبح السؤال: كيف يتسم هؤلاء بكل هذا الكم من الصمود؟ وكيف تربوا وتعلموا؟ وبدأت الأسئلة التي تتعلق بالروافد الدينية والحياتية التي تلقاها هؤلاء الناس لكي يقابلوا كل هذا الكم من البلاء بثبات عجيب، مصدره إيمانهم بربهم، وامتثالهم لسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
وبدأت المراجعات للنظر في دين هؤلاء، وقرآنهم الذي يتلونه في ظل احتباس الأنفس، وفي ظل انبهار نفسية مجتمع عدوهم، لمجرد الأسر، رغم معاملة أهل غزة الراقية لهم، فبدأت الجماهير تقارن بين مجتمع خاو أشبه ببيت العنكبوت، لأقل بلاء ينهار نفسيا، ويترك وطنه المزعوم، وبين مظلوم صاحب حق، ينهار بيته، ويستشهد أهله صغارا وكبارا، يصر على البقاء على حطام بيته دون أن يغادره، بثبات وصبر، وإصرار على نيل حقه.
تخلى الله عن المتخلين عن غزة:
ولو أردنا الحقيقة في الموضوع، فهي: أن الله تخلى عمن تخلى عن أهل غزة، وليس كما يتصور الناس، فإن المنتصر حقا، هو من وقف في صف الحق، لا من خذله، ولا من خذل أهله، فإن الواجب عليه عدم الخذلان، كما قال صلى الله عليه وسلم: “المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يسلمه”، وقال عمن يخذله: “ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته”.
