ماذا يعني تعطيل الحوثيين للملاحة في مضيق باب المندب؟

حوثيون يتجولون على ظهر السفينة التجارية جالاكسي التي استولوا عليها الشهر الماضي قبالة سواحل الصليف (رويترز)

 

تشهد حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر تهديدات غير مسبوقة بسبب فرض الحوثيين الحصار البحري على “إسرائيل” وإغلاق مضيق باب المندب أمام السفن المتجهة لميناء إيلات، ردا على العدوان على الفلسطينيين في غزة، ولم يبال اليمنيون بالأساطيل الأمريكية والفرنسية وغيرها من الدول الغربية التي تنتشر في القواعد العسكرية والمياه المحيطة باليمن.

استهدف الحوثيون السفن التي رفضت الإذعان بالصواريخ والطائرات الهجومية المسيرة، واقتادوا أخرى إلى الموانيء اليمنية، بعد الهجوم عليها بالمروحيات وإنزال قوات الكوماندوز عليها ومحاصرتها بالزوارق السريعة، وبثوا المشاهد المصورة للسفن المسيطر عليها وتلك التي تم قصفها وحرقها، مما تسبب في إثارة الذعر في أوساط شركات النقل البحري في كل أنحاء العالم.

في استجابة للتهديد قررت كبرى شركات النقل البحري التوقف عن المرور في البحر الأحمر وتغيير اتجاه السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح والدوران حول إفريقيا، في مقدمة هذه الشركات عملاق النقل البحري ميرسك وهي أكبر شركة تعمل على الخط الملاحي (آسيا / أوروبا) وهاباج لويد الألمانية واتبعتهما شركات أخرى، مما أدى إلى تصاعد القلق العالمي من تداعيات ما يجري.

أكد الحوثيون في البداية حظر مرور السفن المملوكة للإسرائيليين، ثم توسعوا ليشمل الحظر السفن غير الإسرائيلية المتجهة لـ”إسرائيل” ثم وسعوا نطاق الحظر ليشمل الملاحة في بحر العرب بجانب البحر الأحمر، وقالوا إنهم لن يعيدوا حرية الملاحة إلا بعد وقف العدوان وفك الحصار المفروض على غزة وإدخال “ما يحتاجه إخواننا الصامدون في قطاع غزة من غذاء ودواء”.

الآثار الناتجة عن تعطيل الملاحة

جاء قرار الشركات بالتوقف عن المرور في مضيق باب المندب كنتيجة طبيعية للخوف من خسارة السفن؛ إما بالسيطرة عليها وعلى حمولتها واقتيادها إلى الساحل اليمني، وإما بقصفها بالصواريخ أو بالطائرات المسيرة وإعطابها أو إغراقها، وتجنبا لما يترتب على هذه الهجمات من قتل وإصابة طواقم السفن أو القبض عليهم والدخول في دوامة التفاوض لإطلاق سراحهم.

يترتب على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر وتحول حركة النقل إلى الطريق القديم الطويل خسائر متعددة، فهو يربك جداول التسليم والتسلم، ويحدث حالة من الفوضى في كل الموانيء شرقا وغربا، ويزيد من مدة الرحلة إلى 10 أيام أو أكثر حسب سرعة السفن، ومواجهة صعوبات فنية مرتبطة بنقص الخدمات على طول الساحل الإفريقي الممتد، كما يزيد من أسعار الشحن.

أيضا يضاعف تغيير مسار السفن أسعار التأمين التي ارتفعت خلال الفترة الأخيرة إلى 250%، بل إن شركات التأمين العالمية قد تتوقف بسبب ارتفاع نسبة المخاطر إذا اتسعت منطقة الصراع لتشمل بعد بحر العرب المحيط الهندي، وكل ذلك يؤدي إلى اختناق حركة النقل وارتفاع أسعار السلع عالميا، ويولد مشكلات اقتصادية جديدة متعلقة بالإنتاج والتصنيع والتجارة في أنحاء العالم.

إغلاق المضيق في حرب أكتوبر 1973

ما فعله اليمنيون يذكرنا بما فعلته مصر والدول العربية في حرب أكتوبر/ تشرين أول 1973 عندما تم إغلاق باب المندب وحصار الكيان الصهيوني، فقد أحكمت البحرية المصرية بالتنسيق مع الدولتين العربيتين: اليمن الشمالي واليمن الجنوبي إغلاق المضيق، حيث تكونت القوة المصرية من غواصتين ومدمرتين وزوارق طوربيد بالإضافة إلى زوارق مسلحة يمنية.

تمكنت القوات المصرية يوم 6 أكتوبر/ تشرين أول من إغلاق المضيق وأوقفت الملاحة في البحر الأحمر، وعجزت إسرائيل عن فك الحصار، وكان الحصار من الموضوعات التي نوقشت في الاجتماع الأول الذي تناول وقف إطلاق النار، وكان من النقاط الرئيسية التي تحدث عنها هنري كيسنجر في مباحثاته مع أنور السادات يوم 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1973، ولكن بسبب اشتراط مصر الانسحاب الإسرائيلي من السويس مقابل فتح المضيق صدر اتفاق وقف إطلاق النار يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني بدون الإشارة إلى باب المندب.

وقررت الولايات المتحدة يومها فتح المضيق وإعادة الملاحة بالقوة واستعراض عضلاتها، ففي محاولة لجس النبض في الأسبوع الأخير من نوفمبر/تشرين الثاني عبرت مدمرتان أمريكيتان المضيق بحجة زيارة ميناء مصوع، فلم يتعرض لها أحد، ولم تأبه للاعتراضات العربية، وفي يوم 9 ديسمبر صاحبت قطع بحرية من الأسطول السابع الأمريكي سفنا إسرائيلية عبرت المضيق، فكانت نهاية للحصار بدون إعلان.

خيارات أمريكا محدودة

أمريكا في مأزق فهي أضعف من توسيع الحرب والاشتباك مع إيران التي يتبعها الحوثيون، فأمريكا لا تدخل حربا إلا ضد دول ضعيفة عسكريا (أفغانستان والصومال) أو تم تجريدها من السلاح وتفكيك صواريخها بالعقوبات والحصار (العراق)، وتخشى الحرب مع دولة قوية عسكريا مثل إيران، لديها أسلحة متطورة من صواريخ تصل لمعظم القواعد الأمريكية بالمنطقة، وطائرات مسيرة استعانت بها روسيا في قتال أوكرانيا، ودفاع جوي متطور سبق له إسقاط الطائرات المسيرة الأمريكية المتقدمة آر كيو-4 غلوبال هوك التي تطير على ارتفاعات عالية.

وقد كانت الرسائل المتكررة التي وصلت طهران من الولايات المتحدة منذ العدوان على غزة أن الغرب لا يريد للحرب أن تتوسع، وأنهم حريصون على عدم الدخول في صراع مع الإيرانيين، وفي المقابل كان واضحا أن إيران لن تدخل بنفسها في الحرب، وإنما أعطت الموافقة لأذرعها في العراق وسوريا ولبنان واليمن للمشاركة بقدر محسوب، لإشغال الاحتلال لتخفيف الضغط على غزة، ولكن بما لا يؤدي لتصعيد كبير يوسع الحرب.

ولكن وضع الحوثيين في اليمن يختلف عن أنصار إيران في العراق وسوريا ولبنان، فحكومة الحوثي محاصرة وتخضع للعقوبات وليس لدى الحوثيين ما يخسرونه، كما أن وضع اليمن بتضاريسه يجعل من الصعب على الولايات المتحدة وحلفائها توجيه ضربات تكسرهم وتدمر دولتهم.

 صعوبة الرد العسكري على الحوثي

يمثل الموقع الجغرافي لليمن أقوى حماية للحوثيين، فلو ردت الأساطيل الأمريكية والأوروبية عسكريا واستخدمت القصف سيغلق المضيق تماما، وستكون مخاطرة حيث ستتعرض المدمرات والسفن الحربية للاستهداف وستكون مكشوفة أمام أنظمة الصواريخ الحوثية التي وصلت إلى إيلات، وإذا دخلت إيران للمساندة سيتم إغلاق مضيق هرمز ومنع النفط والغاز من الخروج من الخليج، وتشتعل جبهات العراق وسوريا ولبنان، وسيحدث تصعيد لا يقوى عليه الأمريكيون والأوربيون.

تراهن أمريكا على الوقت لحين انتهاء العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة والقضاء على حماس، وحسب توقعهم بعدها يتم حل الصراعات المرتبطة بها، لكن الوقت ليس في صالح الإسرائيليين والأمريكيين؛ فالصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني وقدرة المقاومة على التصدي للعدوان واستنزاف العسكرية الإسرائيلية والأمريكية يشير إلى أن الوقت لصالح غزة رغم ما تعانيه من قصف وخنق وإبادة.

رغم أن تورط الدول الغربية في البداية لدعم العدوان على غزة يلبي الدوافع الصليبية للقادة الغربيين وميولهم الاستعمارية وغرائزهم العدوانية ضد المسلمين فإن معظمهم تراجع فيما بعد -بنسب متفاوتة- عن التأييد المطلق للإجرام الصهيوني والإبادة، وظهر هذا في نتائج التصويت في مجلس الأمن والأمم المتحدة، وجاءت التطورات الأخيرة في البحر الأحمر لتزيد من الضغوط الأوربية على الولايات المتحدة لوقف الحرب للحفاظ على تدفق الاحتياجات والمصالح الاقتصادية.

ولامتصاص الضغط الأوروبي بسبب توقف الملاحة تسعي الإدارة الأمريكية لحشد المزيد من الجيوش الغربية في البحر الأحمر والمحيط الهندي، وتقوم بإعادة تجميع التحالف الدولي بزعم حماية حرية الملاحة، وهذا الحشد له أهداف أخرى مرتبطة بخطط أمريكية تدور حول تفتيت وتقسيم ما تبقى من الدول العربية الكبيرة وإعادة ترتيب المنطقة بالقوة الخشنة، لكن الانتشار العسكري لن يقنع شركات النقل بالتضحية بالسفن من أجل أمريكا وإسرائيل.

إذا ثبت الحوثيون على موقفهم وواصلوا عرقلة الملاحة سيزيد الضغط على الأمريكيين بجانب الأوراق الأخرى، وعلى رأسها الصمود الفلسطيني وبسالة المقاومة وانكسار الجيش الصهيوني الضعيف، ولن يكون أمام واشنطن غير الرضوخ تحت الضغط، ووقف العدوان والقبول بوقف إطلاق النار، والاستسلام لنتيجة معركة السابع من أكتوبر وهي انتصار حماس وفشل خطط إعادة احتلال المنطقة واستعادة الهيبة الضائعة للولايات المتحدة الأمريكية.

المصدر : الجزيرة مباشر