في 2024.. تفاءلوا بالخير تجدوه

(1) 2023 أصبح ذكرى
كان عامًا صعبًا.. هكذا سنصف عام 2023 بعد أيام معدودات حين نستقبل عامنا الميلادي الجديد.
لقد أصبح 2023 ماضيًا، وأحداثه باتت مجرد ذكرى، ما يتبقى لنا منه ما تعلمناه من التجربة، وما أضفناه إلى أنفسنا من خبرة حياتية.
سنوات عمرنا تسير مع خط الزمن الأزلي الذي نفارقه حين يكتب الله علينا الموت، سنوات العمر هي امتحان، كل يوم وكل لحظة نكون محل اختبار حين يكون علينا أن نختار بين الصواب والخطأ، بين الخير والشر، بين الصمت عن الحق أو المجاهرة به، حصيلة اختياراتنا تحدد محصلة عملنا في الحياة الدنيا، وهل المحصلة تميل نحو اليمين أم الشمال حين توزن هذه الأعمال، حرب غزة هي أحد الاختبارات الإنسانية الكبرى، وموقف الشخص منها يحدد ميله وتوجهاته.
إذا سألت العرب عن الأحداث الأهم في عام 2023، فسيختلفون في عدد الأحداث، لكنهم سيتفقون على الحدث الأهم، وهو “طوفان الأقصى”، حين أقدمت كتائب القسام (الجناح العسكري لحركة حماس) على عملية عسكرية نوعية غير مسبوقة في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضى. تبعات هذه العملية كانت ثقيلة، فقد شنت قوات الاحتلال الصهيوني حرب إبادة على غزة، لست بصدد تحليل الحدث ولا التنبؤ بنتائجه الجيوسياسية مستقبلًا، لكن علينا أن نؤمن بقوله الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}، وأن نتذكر قوله سبحانه: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، فمهما كانت شدة العسر فإن رحمة الله تلطفه باليسر المصاحب له، الذي يبدو في هذا التعاطف العالمي مع الفلسطينيين وقضيتهم العادلة، والذي بدوره أصبح رأيًا عامًّا عالميًّا يضغط على قوى الظلام المؤيدة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في إبادته لأهل غزة وحصارهم حتى الهلاك، وهو ما يؤذن بتغيير في اتجاه الريح لغير مصلحة دولة إسرائيل المغتصبة للحق الفلسطيني، إنه المنحة المختبئة في المحنة.
(2) التغيير حتمي ولو بعد حين
العالم يمر بفترة عصيبة منذ جائحة كورونا وحتى الآن، عدد غير قليل من الدول الفقيرة والنامية تعاني أزمات اقتصادية خانقة تؤثر في معيشة سكانها، ولا ينجو منها إلا طبقة الأثرياء والفاسدين، معظم هذه الدول لا تعيش استقرارًا سياسيًّا حقيقيًّا أو سلمًا إجتماعيًّا، فهذا يتحقق فقط تحت الحكم الرشيد الذى يحقق العدل والمساواة بين أفراد الشعب من دون تمييز، حكم يحارب الفساد ويطبق القانون على الجميع، ولا يميز فئة أو طائفة على حساب باقي فئات المجتمع. الشعوب تشعر بالقهر والعجز حين لا تتمكن سلميًّا من تغيير أنظمة الحكم الفاسدة أو غير الصالحة التى تحكمها بالقوة، لعدم امتلاكها الأدوات اللازمة لإزاحة هذه الأنظمة، وأيضًا لخوفها من انعدام الأمن في حال الانقلابات العسكرية الذي يجلب مزيدًا من الفوضى والخراب والفقر. قسوة الحياة وغلاء المعيشة والظلم كلها عوامل تؤدى إلى تغيير سلوك الناس، وتجعلهم أكثر اهتمامًا بالشأن العام، وهو ما يؤدي إلى نضجهم وزيادة الوعي، فتصبح الشعوب قادرة على إدراك الفرق بين الغث والسمين، والتفرقة بين الكذب والصدق، وتعيش على أمل التغيير إلى الأفضل. التنافس بين القوى العظمى فرصة مواتية للتغيير، يقول الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}. هذا التدافع يأتي كالطوفان، يجرف أمامه الكثير من المعوقات، لكنه أيضًا قد يؤدي إلى بعض التدمير والتخريب وزعزعة الاستقرار، فما بين الطوفان والنجاة رحلة يظن الناس أنها لن تأتي أبدًا، لكنها تأتي ولو بعد حين. للأسف لا يعيش الناس جميعًا ليروا التغيير، فيظنون أن هذا القهر والظلم الذي يعيشونه أبدي، وأن عدالة السماء تجاوزتهم ولكنها ليست الحقيقة، فأعيننا قاصرة عن رصد ما هو أبعد من نطاق رؤيتها، وهنا يجب أن نستشعر الأمور ببصيرتنا، وأن نؤمن بأن العدل سيأتي لأنه وعد الله، ولكنه اختبار واختيار.
(3) في المغامرة النجاة
مهما كانت مصاعب الحياة، والظلم الذي يبدو أنه الغالب، والشر الذى يبدو أنه المنتصر، فعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة، تكفينا لحظة بهجة نستقبل بها مولودًا جديدًا، لحظة نشوة نستشعرها حين يملأ قلوبنا الفارغة حب يبهج النفس، لحظة انتصار حين نكسب لقمة عيشنا بعرق الجبين، لحظة كرامة حين ندافع عن حقوقنا المشروعة، لحظة حرية حين نعبّرعن رأينا بقوة، لحظة أمل حين نراقب نمو النبتة التي زرعناها وهي تستوي على عودها.. هذه اللحظات وغيرها الكثير تُمثل جزءًا من تفاصيل حياتنا الحلوة، وهناك تفاصيل مُرة كثيرة: لحظة خذلان الحبيب، لحظة اغتصاب الحقوق المشروعة، لحظة الرهبة من التعبير عن الرأي بصدق، لحظة يأس حين يكون حصادنا هباءً منثورًا، لحظة حزن حين نواري أحبتنا التراب.. لكن الحياة كالموج الجارف، تأخذ معها الحلو والمُر، ما نتعلق به وما نخاف منه، وعلينا أن نسبح فيها دون خوف أو وجل، ففي المغامرة النجاة.. ابدأ العام الجديد بالتفاؤل، فمهما كانت الأيام صعبة، فالتحصن بالإيمان بالله ورحمته واليقين بقوله {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} كفيل بإبعاد الخوف من المستقبل عن نفوسنا.. وكل عام جديد وأنتم بخير.
